جوابه في موضوع: «لماذا نطلق على الصوفية الوثنيون وعباد القبور» الشيخ الدكتور محمد خلدون بن محمد مكي الحسني الجزائري المصدر: https://al-maktaba.org/book/31616/12893 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على آل إبراهيم، أمّا بعد: فقد طلَبَ مني أحد الأحباب أن أقرَأَ النقاش الدّائر بين الأخ حنبل والأخ حارث همّام، وأنّ أُعلّقَ عليه بخصوص بعض النقول عن الإمام مالك رحمه الله، فاستجَبْتُ لطلب هذا الأخ الحبيب وقَرَأْتُ الموضوع كاملاً، وكنتُ أودّ أنْ أُعلّق على الموضوع كاملاً، ولكن أسألُ الله تعالى أن يُبارك في أوقاتنا، وعلى كلّ حال ما لا يُدرَك جُلّه لا يُترك كلّه. أقول بدايةً: إنّ ما قاله الأخ حارث من ضرورة التّحري الدقيق قبل الإقدام على الطعن بمسلمٍ ما، هو كلامٌ صحيح ويجب الانضباط به، فحُرْمَةُ المسلم عظيمة ولا يجوز التهاون فيها، وهذا أصلٌ ينبغي أن نستحضره في أذهاننا دائماً. وكذلك فإنّ ما قاله الأخ حنبل من ضرورة بيان انحرافات البعض (الصوفيّة)، والتّأسي بأئمّة المسلمين في التحذير من تلك الانحرافات وأصحابها، هو كلامٌ صحيح ويجب على أهل العلم العمل به، وإلاّ ضاعَ الحق والتبسَ بالباطل. ورَحِمَ الله الإمام يحيى بن معين فقد سألَه حمّاد بن زيد (الإمام) وقال له:" إنَّ فلاناً يُكثر الكلام في الرجال أليست غِيبَة؟؟ فقال ابن معين: يا أحمق هذا دِيْنٌ وتَرْكُه مُحَابَاة ". {يقصد ترك الكلام في الرجال بالجرح والتعديل}. ـ إنّ النصوص التي ذَكَرها الأخ حنبل نقلاً عن الأئمّة المتقدّمين هي نصوص صحيحة ثابتة مستفيضة في كتب العلماء ولا داعي للتكلّف في ردّها أو تقييدها بقيود لم يذكرها أصحابُ تلك النصوص. فكل النصوص المنقولة عن الإمام الشافعي رحمه الله مُسنَدَة وصحيحة ومستفيضة في كتب أتباع مذهبه وغيرهم فقد ذكرها البيهقي في كتابه مناقب الشافعي، وابن حجر في كتابه توالي التأسيس في معالي محمد بن إدريس، وعبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي في كتابه مناقب الشافعي، وغيرهم. وهي نصوص واضحة وعامّة ومطلَقة لم يُقيّدها الشافعي ولا أحد من أصحابه، فلماذا يريد الأخ حارث أن يخصصها بأقوام دون أقوام ويصرفها عن شمولها الذي أراده الشافعي؟ 1ـ روى البيهقي في مناقب الشافعي 2/ 208: عن يونس بن عبد الله الأعلى يقول: سمعت الشافعي يقول: لو أن رجلاً تصوَّف من أول النهار لم يأت عليه الظهر إلا وجدته أحمقَ 2ـ عن الرَّبيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت صوفياً عاقلاً قط إلا مسلم الخوَّاص. 3ـ وعن إبراهيم بن المولد يحكي عن الشافعي أنه قال: لا يكون الصوفي صوفياً حتى يكون فيه أربع خصال كسولٌ أكولٌ نؤوم كثير الفضول. 4ـ وروى ابن الجوزي في تلبيس إبليس صـ 371 عن الشافعي قوله: "ما لزم أحدٌ الصوفيين أربعين يوماً فعاد عقلُه أبداً. أليست هذه النصوص واضحة ودالّة على أنّ مراد الشافعي هو ذم طائفة الصوفيّة جميعها؟ وأنه إذا كان هناك ثَمَّ استثناءٌ فإنه يستثنيه كما في قوله: ما رأيت صوفياً عاقلاً قط إلا مسلم الخوَّاص!! فللإنصاف أقول: إنّ ردَّ الأخ حارث لهذه النصوص غير مقبول من الناحية العلمية، وفيه تحكّم واضح بكلام الإمام. ولا أدري لماذا أثبتَ قول الشافعي في "التغبير" دون باقي الأقوال؛ هل لأنّ ابن تيمية ذكره فرضي به الأخ حارث؟؟ وأمّا القصّة التي ذَكَرها القاضي عياض في كتابه" ترتيب المدارك " والتي فيها استنكار الإمام مالك لأفعال شيوخ الصوفيّة الذين أُخبِرَ عنهم، فهي قصّة ثابتة عن الإمام مالك بدون أدنى شك، وقد ذكَرَها الكثير من العلماء المالكيّة في كتبهم واستندوا إليها في فتاويهم، وثبوتها مماثلٌ لثبوت كل ما رُوي عن مالك من أقوال وفتاوى وفِقه. والذي يريد إنكارها يلزمه إنكار كل أقوال وفقه مالك رحمه الله!! وإنّك إذا نظرتَ في فتاوى العلماء المالكيّة وجدّتهم يستشهدون بهذه القصة على الفور لأنّهم يعدّونها من المسلّمات في المذهب. فقد سُئلَ فقيهُ بجاية وصالحها أبو زيد سيّدي عبد الرحمن الواغليسي عن مثل هذا السؤال. فأجابَ عنه بما نصّه: " قد نصَّ أهلُ العلم فيما ذكرتَ منْ أحوال بعض الناس منَ الرقص والتصفيق، على أنّ ذلك بدعةٌ وضلال. وقد أنكره مالك وتعجّب ممن يفعل ذلك لمّا ذُكر له أنّ أقواماً يفعلون ذلك فقال: أصبيانٌ هم أم مجانين؟! ما سمِعْنا أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا. انتهى المعيار ج11/ 29 ـ ينبغي على طلاّب العلم، بل ويجب، أن يتنبّهوا لأمرٍ هام، وهو أنّ البحث عن إسنادٍ متّصل برواية الثقات التَّامِّي الضبط غير المعلل ولا الشاذ، إنما هو خاصّ بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولايمكن سحبه على كلام غيره، لأنّ ذلك يعسر جداً ويكاد يندر. فأخبار الصحابة وفتاويهم ليس لجلّها أسانيد متّصلة، وكذلك السِّيَر والتواريخ والأشعار والمذاهب الفقهيّة وكتب الأئمّة أين أسانيدها؟ إننا إذا أردنا أن نمحّص كل ذلك على طريقة الأخ حارث همام فلن يمكننا الأخذ بأقوال مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغبرهم! فأين أسانيد أقوال مالك وفقهه؟ وأين سند كتاب الأم للشافعي؟ والرّواة لمذهب أبي حنيفة هما الحسن بن زياد اللؤلؤي ومحمد بن شجاع الثلجي ولم يُوثّقهما أحدٌ من العلماء ويمكنك مراجعة لسان الميزان لابن حجر. إنّ الطريقة التي يريد الأخ حارث أن ينتهجها الناس عند البحث ستفضي لترك كل تراثنا الفقهي والأدبي والتاريخي وهذا غير مقبول ولم يقُل به أحدٌ من العلماء، بل على العكس لقد كانوا يروون البلاغات والمراسيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فما بالك بمن هو دونه؟ انظر إلى قول الشيخ ابن القيّم في "إعلام الوقّعين" عند الكلام على رسالة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في القضاء. والتي لا سند لها! قال: (وشهرتها تُغني عن سندها). انتهى وانظر إلى قول حافظ المغرب ابن عبد البر القرطبي عند كلامه على حديث معاذ في فضل العلم. قال: (وشُهرته تغني عن سنده).انتهى وأمثال هذا يكثر وإنّك إذا رجعتَ إلى كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي أو البداية والنهاية لابن كثير ستجدهم ينهجون هذا النهج. نعم إذا كانت المسألة تتعلّق بالحكم على مسلم بالكفر أو الزندقة ولم تكن مشهورة ومستفيضة فعندها ينبغي علينا التحرّي وتوخّي ثبوت المسألة. وعلى كلّ حال فإنّ القصّة التي رواها القاضي عياض عن مالك إنّما يرويها عن عبد الله بن يوسف التّنيسي وهكذا هي في الطبعة المغربيّة وقد استشهد بها الشيخ عبد القادر أرناؤوط في تقديمه لكتاب "الرّهص والوقص لمستحل الرقص " صـ7. وكذلك الشيخ عبد الفتّاح أبو غدّة في حاشيته على كتاب "رسالة المسترشدين للمحاسبي "الطبعة الخامسة صـ67 كلاهما رواها عن التنيسي. وأمّا ما وجده الأخ حارث في طبعة دار الحياة، من أن الراوي هو المسيّبي فهذا تصحيفٌ ولاشك. لعدّة أمور: أولاً ـ إنّ هذه الطبعة والطبعات المصوّرة عليها مليئة بالأخطاء والسقط والتحريف والتصحيف. ثانياً ـ إنّ المسيّبي وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن المسيب المسيبي، مدني سكن بغداد؛ روى عن أبيه عن نافع القراءآت، ويروي الحديث عن يزيد بن هارون وابن عيينة وغيرهما؛ وروى عنه أبو زرعة الرازي ومسلم بن الحجاج وغيرهما، مات ربيع الأول 236هـ ببغداد. ليس من أصحاب مالك ولا من الرواة عنه. ثالثاً ـ إنّ الأئمّة المالكيّة المحققين يروون هذه القصّة عن التنيسي عن مالك كما في فتوى الإمام الشاطبي، سُئل الشيخ أبو إسحاق الشاطبي (من أئمة المالكية والمرجع في علم الأصول) عن حال طائفة ينتمون إلى التّصوّف والفقر، يجتمعون في كثير من الليالي عند واحد من الناس، فيفتتحون المجلس بشيء من الذكر على صوت واحد ثمّ ينتقلون بعد ذلك إلى الغناء والضرب بالأكفّ والشطح هكذا إلى آخر الليل ويأكلون في أثناء ذلك طعاماً يَعُدُّه لهم صاحبُ المنزل، ويحضر معهم بعض الفقهاء، فإذا تُكُلِّمَ معهم في أفعالهم تلك يقولون: لو كانت هذه الأفعال مذمومة أو محرّمة شرعاً لما حضرها الفقهاء. فأجابَ ما نصّه: الحمد لله كما يجب لجلاله، والصلاة على محمّدٍ وآله .......................... وحَكَى عياض عن التنيسي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله، فقال رجل من أهل نصيبين يا أبا عبد الله عندنا قوم يُقال لهم الصوفيّة، يأكلون كثيراً، ثمّ يأخذون في القصائد، ثمّ يقومون فيرقصون؟ فقال مالك: أَصبيانٌ هم؟ قال: لا، قال: أمجانينُ هم؟ قال: لا، هم قومٌ مشايخ، وغيرُ ذلك عقلاء، فقال مالك: ما سمعتُ أنّ أحداً من أهل الإسلام يفعلُ هذا!! ...... انتهى المعيار للونشريسي ج11صـ41 ولا ينبغي أن يُقال إنّ الشاطبي توفي سنة 790 وعياض توفي سنة 544 لأنّ كتاب عياض معروف، إذاً فرواية الشاطبي عن عياض ليس فيها إشكال. وأمّا رواية عياض عن التنيسي فكما قلتُ آنفاً إنما هي على طريق الرواية لخبر مشهور ومستفيض في المذهب. وبالمناسبة إنّ الأخ حارث اعتمد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في نفي حدوث هذا الرقص الصوفي في القرون الثلاثة الأولى. والذي أفهمه من كلام ابن تيميّة أنّه يقصد قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا يقصد المئة الأولى والثانية والثالثة! وكما تعلم فإنّ الإمام مالك هو من تابع التابعين وقد ولدَ سنة 93هـ. فتنبّه. وأُحبّ أنْ أنبّه الأخ حارث أنّه قد ارتكبَ خطأً عند كلامه على الشيخ الجُنيد، فقد سَرَدَ أقوال العلماء الذهبي وابن النجار والسمعاني في ترجمة أبو القاسم الجنيد المحدّث المعروف المتوفّى سنة547، ولكنّه جَعَلَها في ترجمة الجُنيد صاحب السري السقطي المتوفى سنة 298!! وهذا خلط عجيب لا ينبغي أن يصدر منه وخصوصاً وهو يتحدّث عن الإسناد والتثبّت! وجلَّ من لا يُخطئ. ولكن المشكلة أنّ القرّاء ظنّوا أنّ الشيخ الجنيد هو من المحدّثين والأئمة والأصوليين. والأمر ليس كذلك لأننا إذا رجعنا إلى ترجمة الذهبي للجُنيد سنجده يقول: (الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، والده الخزّاز هو شيخ الصوفيّة، وتفقه على أبي ثور، وسمع من السري السقطي وصحبه ... إلخ انتهى ثمّ ذَكَرَ بعض ما قيل فيه من الثناء وروى بعض أقواله.ولكنّه لم يصفه بالإمام القدوة والمحدّث كما فعل مع الجنيد القايني. وفي الختام: إنّ الصوفيّة مذ ظهرت في الإسلام لم تكن مرضيّة ولم يسلكها الأئمّة المتّبعون، وإنّما نُسِبَ إليها أشخاص أفاضل أمثال الفُضيل وبشر الحافي ولا شأن لهم بها، كما أنّه إنتَسَبَ إليها رجالٌ عبّاد وزهّاد وأهل صدق وصلاح أمثال الجنيد والسري السقطي وتَنَزّهوا عن كثيرٍ من أفعال الصوفيّة المخالفة للشرع ولكن هذا لا يعني أبداً أنّ باقي رجال الصوفيّة الذين هم من طبقتهم كانوا على حالٍ مُرْضِيَة، والصحيح إطلاق الذم على الصوفيّة واستثناء أمثال الجنيد. على أنّه لا يمكن أن نتجاهل كون الجنيد أو السري أو المحاسبي قد خاضوا في أمور محدثة ليست من الدين وقد تسبب ذلك في إحداث خَرْقٍ في الدين مازال يتّسع حتى ادّعى الحلاج ـ وهو صاحب الجنيد ـ الحلولَ والاتحاد. وأرجو أن تقرؤا ترجمة الحلاّج عند الذهبي. وللعلم فإنّ كل أصحاب الفرق الباطنيّة كانوا في الأصل من أصحاب السري والجنيد ثمّ زادوا عليهما كثيراً وأسرفوا فوصلوا إلى تأسيس تلك الفرق. ونحنُ عندما نقف على وصف ما كان عليه الجنيد من العبادة والزهد وسمو الأخلاق لا يسعنا إلاّ أن نشهد له بذلك، وبالمقابل إذا قرأنا بعض أقواله التي ليست من معين الهدي المحمّدي فلا يسعنا إلاّ أن ننكر عليه ذلك. وبالمناسبة إنّ ماذكره الأخ حارث عن المحاسبي والقشيري و أبي نُعيم لا نسلّم له به. أمّا المحاسبي فإنّ انتقادات العلماء عليه كثيرة والإمام أحمد انتقده على أمور كثيرة وليس فقط على مسألة علم الكلام. وأمّا القشيري فأمره أشد وانحرافاته كبيرة وقد ردَّ عليه شيخ الإسلام بكتابٍ كبير جداً اسمه "الاستقامة"، وأمّا أبو نُعيم فإنّ الإمام ابن مندة كان معاصراً له ومن بلده وكانا يُكفّران بعضهما! والحديث في هذا يطول ولا أريد أن أفتح هذا الباب. ولكن أحببتُ أن أقول للأخ حارث أنني أظن أني فهمت مرادك وكان يكفيك أن تقول:] ((إنّ بعض الرجال المتقدّمين المنتمين للصوفيّة كانوا ينكرون بعض انحرافاتها ولم يكونوا متلبّسين بكل أخطائها فلا يصح تعميم الحكم عليهم بالمروق والزندقة وخاصّة أن بعض علمائنا الثقات قد أثنوا على جوانب من حياة هؤلاء وحاولوا أن يلتمسوا لهم العذر واستَغْفَروا لهم، وعلينا أن لا نستفيض في الكلام عليهم وإلصاق كل عيوب الصوفيّة بهم، بل علينا أن نتصدّى للصوفيّة الموجودة الآن ونبيّن لهم أخطاءهم ونتناصح معهم، ونحذّر الناس من ضلالاتهم، ويجب علينا أن لا نسمح للمتصوّفة أن يخدعوا الناس بأنّهم أتباع الجنيد أو السري وأنّهم على منهجهم)) أسأل الله تعالى أن يهدينا سبيل الرّشاد. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين