جوابه في موضوع: «من هو محاور الإمام الشافعي في الأم؟» الشيخ الدكتور محمد خلدون بن محمد مكي الحسني الجزائري المصدر: https://al-maktaba.org/book/31621/1609 الأخوة المشاركون السلام عليكم أما بعد: فيا أخ محمد إن المحاورات التي يسوقها الإمام الشافعي في كتابه الأم هي كما أخبرك الأخ ابن وهب. محاورات حقيقية جرت بينه وبين علماء آخرين. والشافعي في كتابه الأم إذا قال: " قال بعض الناس " فهو يعني بذلك الإمام أبو حنيفة. وإذا قال: " قال أصحابنا " فهو يعني بذلك الإمام مالك. كما أنّه يصرّح في كثير من المواضع عن الحاضرين أثناء المناظرة، أعني مذاهبهم ولكنه لا يذكر أسماءهم وهذا من أدبه مع المخالف فهو لا يريد أن يتباهى على خصمه ويشهّر به ولكنّه يريد إظهار الحق فحسب. فمن ذلك قوله في ج4 صـ81: " قد حضرني جماعة من أصحابنا من الحجازيين وغيرهم فكلمني رجلٌ من غيرهم ... " وقد يعرّض بالذي يحاوره دون ذكر اسمه ولكن السّياق يفهمك من يقصد. فمثلاً قال الشافعي في ج1 صـ 311 : " ثمّ جاءنا آت من غير بلدنا يعلّمنا كيف ندخل الميت (يعني في القبر) ثم لم يرض حتى روى عن حمّاد عن إبراهيم أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم أُدخِل معترضاً .. " وحمّاد هو شيخ أبي حنيفة. وقال ج3 صـ 224: " فخالفنا بعض الناس في الحَجْر فقال لا يحجر على حر بالغ .... وقال لي بعض من يذب عن قوله من أهل العلم عند أصحابه أسألك من أين أخذتَ الحجر على الحرين وهما مالكان لأموالهما؟ ...... قال الشافعي .. ثمّ وجدنا صاحبكم يروي الحجر عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فخالفهم ومعهم القرآن، قال وأي صاحب؟ قلتُ أخبرنا محمد بن الحسن أو غيره ....... قال فإن صاحبنا أبا يوسف رجع إلى الحجر .... " فكما ترى المناظرة هنا تجري بينه وبين أحد علماء الحنفية ولكن لم يصرّح باسمه. وقال ج1 صـ 82:" وخالفنا بعض الناس في شيء من المحيض والمستحاضة وقال لا يكون الحيض أقلّ من ثلاثة أيام ... " وقال ج1صـ 298:" قال بعضُ الناس إذا ارتدت المرأة عن الإسلام حبست ولم تقتل، فقلتُ لمن يقول هذا القول: أخبراً قلته أم قياساً ... " وقال صـ 299: " فقلتُ لأعلى من قال هذا القول عندهم: أصولُ العلم عندك أربعة ... " وهنا يقصد محمد بن الحسن الشيباني. وقد اجتمع به في العراق وجرت بينهما مناظرات كثيرة وفي تاريخ دمشق لابن عساكر يمكنك أن تجد أسانيد معظم تلك المناظرات. وقال ج2 صـ251:" وقد خالفنا بعض المشرقيين فزعم أنه ...... قلنا لو كنتَ تتبع الآثار أو السنن ... " وقال ج4صـ57:" قلتُ فكيف لم تقل هذا في المسجد .... فقال إنّ صاحبينا قد عابا قول صاحبهم وصارا إلى قولكم في إجازة الصّدقات ... " الحوار هنا مع عالم حنفي فقوله صاحبينا يعني أبو يوسف ومحمد. وقوله عابا قول صاحبهم يعني أبو حنيفة كما لا يخفى عليك. والأمثلة كثيرة جداً، المهم أن تعرف أن كتاب الأم جمعه تلامذة الشافعي وأهمهم الربيع بن سليمان المرادي وهو يروي في الأم ما سمعه من الشافعي سواء الأحاديث والآثار أو المناظرات والمحاورات. وليس في الأم أي افتراضٍ لمسائل وهمية أو وقائع لم تحدث كما يزعم البعض. وإنّما الكتاب يعرض المسائل الفقهيّة المعروفة ويستشهد لها من القرآن والسنّة ويردّ على من خالفهما. و عبارة الشافعي أدبية ولغته رفيعة وحجّته دامغة، والذي يمنّ الله عليه فيقرأ الأم سيجد ذلك وأكثر، والإمام الشافعي ثقة ثبت فإذا ساق لنا حواراً بينه وبين شخص آخر فهو حوار حقيقي وليس مخترع. والحمد لله ربّ العالمين.