التجلية لحكم الجلوس للتعزية الشيخ الدكتور محمد خلدون بن محمد مكي الحسني الجزائري المصدر: https://al-maktaba.org/book/31621/21641 التجلية، لِحُكْم الجلوس للتعزية الحمد لله المحيي المميت، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد و على آله و أزواجه أمّهات المؤمنين، أمّا بعد: فقد استقرّت في أذهان الكثير من النّاس أمورٌ يظنون أنها من الدّين، وأنّهم يتقرّبون إلى الله بفعلها، فهم يتنافسون فيها ويَعِيبُون على من قصّر فيها، ثم لا يَجِدُون من يخالفهم بشأنها، فتصير من المسلّمات التي لا مجال للحديث فيها. وتمضي الأيّام فإذا هذه الأمور قد أصبحت من عقائد الناس و أُقحمت عُنوة في الشريعة، مع أن الشريعة قد جاءت بخلافها، و لكنّ الناس بدّلوا و غيّروا .. ومن هذه الأمور (جلسة التعزية) أو ما يسمّى في بلاد الشام بـ (التمساية للرجال و العصريّة للنساء) وسأعرض لك، أخي المؤمن، الأحكام الشرعيّة التي أمرنا الله بها، وبيّنها لنا رسوله صلى الله عليه وسلّم ونصّ عليها جميع علماء المسلمين على اختلاف مدارسهم الفقهيّة، بخصوص هذا الأمر، ليظهر لك البون الكبير بين ما أمرنا الله به و ما يفعله الناس في زماننا هذا. و قبل الشروع في هذا العرض سأقدم بين يديه بياناً موجزاً لما كان يفعله العرب في الجاهلية عند الموت و بعد الدفن: ـ روى رزين عن عبد الرزاق، و أبو داود عن أنسٍ قال: (كانوا في الجاهلية يَعْقِرون عند القبر بقرة، أو ناقة، أو شاة ً، و كانوا يسمّون العقيرة: البَليِّة، فلمّا جاء الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لا عَقْر في الإسلام). وهو حديث صحيح. و العَقْرُ: ضرب قوائم الفرس أو البعير بالسيف وهو قائم فيسقط، و كذلك كانوا يفعلون في الجاهلية عند قبر الميّت، ويقولون: إنّ صاحب القبر كان يعقر للأضياف فنحن نفعل كذلك في موته كما كان يفعله في حياته. و البليّة: هي النّاقة التي كانت تُعقَل في الجاهليّة عند قبر صاحبها، فلا تُعلف و لا تسقى إلى أن تموت أو يحفرون لها حُفيرة و يتركونها فيها إلى أن تموت، لأنهم كانوا يزعمون أن الناس يحشرون يوم القيامة ركباناً على البلايا، إذا عُقلَت مطاياهم عند قبورهم. انظر جامع الأصول لابن الأثير ج 9صـ141. و كانوا يضربون الخدود، ويشقّون الجيوب [1] عند مصيبة الموت؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك و قال: (ليس منّا من شقَّ الجيوب، و ضرب الخدود، و دعا بدعوة الجاهليّة). رواه البخاري ومسلم. و كانوا يقطّعون أثوابهم، ويحلقون شعورهم، و يرفعون أصواتهم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك و قال: (ليس منّا من حَلَقَ، ومن سَلَقَ، ومن خَرَقَ) رواه مسلم و أبو داود. و كانوا يُتبِعون الجنازة بنار و أصوات فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال: (لاتُتْبِعوا الجنازة بصوت و لا نار) رواه مالك و أبو داود. وكانت النساء يمشين مع الجنازة فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك كما في حديث عليّ رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإذا نسوةٌ جُلوس. فقال " ما يجلسكنّ؟ " قُلن ننتظر الجنازة. قال "هل تغسلْن؟ " قُلْنَ: لا. قال " هل تَحمِلْن؟ " قُلْنَ: لا. قال " هل تُدْلِينَ فيمن يُدْلي؟ " قُلْنَ: لا قال: (فارجعْنَ مأزوراتٍ غير مأجورات). رواه ابن ماجه وهو صحيح كما قال البوصيري في الزوائد. و كانوا ينوحون على الميّت فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك كما في حديث أمّ عطيّة قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم نهانا عن النّياحة) رواه البخاري ومسلم. و النّياحة: الصّياح و البكاء على الميّت، وكذلك ذِكْر مآثره و عَدُّ شمائله ولو بدون بكاء؛ قال أبو الطيّب العظيم آبادي: " يُقال ناحت المرأة على الميت إذا نَدَبَتْهُ أي بكت عليه و عددت محاسنه " ا. هـ عون المعبود ج 6صـ37 و قد قال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (منْ نِيحَ عليه فإنّه يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه يوم القيامة) رواه مسلم. و يُبيّنُ معنى هذا الكلام حديثُ النعمان بن بشير قال: (أُغمِيَ على عبد الله بن رواحة، فجعلت أُختُه عَمْرَةُ تبكي: واجبلاه، واكذا واكذا، تُعدِّدُ عليه، فقال حين أفاق: ما قُلتِ شيئاً إلا قيل لي: أنت كذلك؟ " فلمّا مات لم تَبْكِ عليه) رواه البخاري. و قد تشدَّد [2] رسول الله صلى الله عليه وسلّم في النهي عن النياحة، فقال: (أربعٌ في أُمتي مِنْ أمر الجاهليّة لا يتركونها: الفخر في الأحساب و الطعن في الأنساب، و الاستسقاء بالنّجوم،و النِّياحةُ) وقال: (النَّائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقام يوم القيامة و عليها سربالٌ من قَطِران و درعٌ من جَرَب) رواه مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام: (اثْنَتَانِ في النَّاس هُما بهم كُفْرٌ: الطَّعنُ في النَّسب و النِّياحة على الميّت) رواه مسلم. _ قال الإمام النووي في كتابه " الأذكار " باب تحريم النياحة: و اعلم أن النياحة: رفعُ الصوت بالندب، و الندبُ: تعديد النّادبة بصوتها محاسن الميت، و قيل هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. قال أصحابنا: و يحرُمُ رفع الصوت بإفراط في البكاء. وأمّا البكاء على الميت من غير ندب و لا نياحة فليس بحرام ا. هـ _ وكان أهلُ الجاهليّة حريصون كل الحِرص على تقاليدهم الخاصة بما بعد الموت فمن ذلك أنهم كانوا يَعُدُّون حُضُورَ مجالس النِّياحة أمراً واجباً؛ وهو كالدَّيْن فلا بدَّ مِنَ الوفاء به؛ ومَنْ لم يَفِ به فإنه، بلا شك، قد أساء لنفسه؛ ويجب أن يُعامل بالمثل. إلى حدّ أن إحدى النساء لمّا أتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم لِتُبَايعَهُ، أخذ عليها مع البيعة ألا تنوح فامتنعت، حتى ذهبت فشاركت جارتها في مجلس نياحتها ثم عادت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في الحديث عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت: (لمّا نزلت هذه الآية {يُبَايِعْنَكَ على أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً ........... ولا يَعْصِينَكَ في معروف} [الممتحنة: 12] قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يارسول الله، إلا آلَ فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بُدَّ لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إلا آل فلان). رواه مسلم وقي رواية أخرى (قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقرأ علينا {أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً ... }، نهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ مِنَّا يَدَها، فقالت: فلانة ُ أَسْعَدَتْنِي، فأنا أريد أن أَجزِيَها، فما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئاً، فانطلقت، ثم رَجَعَتْ، فبايعها). وفي حيث أنسٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أَخَذَ على النساء؛ حين بايعهنّ؛ أن لا يَنُحْنَ فَقُلْنَ: يا رسول الله، إن نساءً أَسْعَدْننا في الجاهلية: أفنُسْعِدُهُن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (لا إِسْعَادَ في الإسلام). صحيح رواه أحمد والنسائي وابن حبان. قال ابن الأثير في " النهاية " 2/ 366: وقوله (لا إسعاد في الإسلام): هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة، فنُهِينَ عن ذلك. · إذاً لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمراً مما كان يفعله العرب في الجاهلية عند الموت إلا ونهى عنه وجَعَلَه محرّما على المسلمين. ثمّ سنَّ لنا سُننَ هدى، و شرَّع لنا شرائعَ أمرنا بها و حضَّنا عليها عند مصيبة الموت، و ما قبلها، و ما بعدها. و من تلك السنن قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرتم المريض أو الميّت فقولوا خيراً، فإنّ الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون) رواه مسلم. ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم عندما أرسلت له إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن ابناً لها في الموت، فقال للرَّسول: " ارْجِعْ إليها فأَخْبِرْها: إِنَّ للهِ ما أخذَ ولهُ ما أعطى، وكل شيئٍ عنده بأجَلٍ مُسمّى فَمُرْها فَلْتَصْبِر ولْتَحْتَسِب ". رواه مسلم. ومنها دعاؤه صلى الله عليه وسلّم عندما دخل على أبي سَلَمة وقد مات فقال صلى الله عليه وسلّم: " اللهُمَّ اغفر لأبي سلمة و ارفعْ دَرَجتَه في المهديِّين واخلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغابرين و اغفر لنا وله يا ربَّ العالمين، وافسَحْ له في قبره، ونوِّر له فيه " رواه مسلم. ثمّ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بغَسْل الميّت و تكفينه و الصلاة عليه و اتّباع جنازته، و الأحاديث في ذلك كثيرة و متواترة. قال الإمام النووي رحمه الله: " اعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، و كذلك غسله و تكفينه و دفنه، و هذا كلّه مجمع عليه ". (الأذكار) باب أذكار صلاة الميّت. · و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، و عيادة المريض، و اتباع الجنائز، و إجابة الدعوة، وتشميت العاطس) متفق عليه. · و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (من اتّبَع جنازة مسلم إيماناًَ و احتساباً، و كان معه حتى يُصلَّى عليها و يُفرَغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أُحدٍ، و من صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط). رواه البخاري. _ مسألة التّعزية: _ الأصلُ الشرعي لمسألة التعزية استفادَهُ العلماء من النصوص العامّة كقوله تعالى: {و تعاونوا على البر و التقوى} وهذا من أحسن ما يُستدلُّ به في التعزية، ومن قوله عليه الصلاة والسلام الثابت في الصحيح (و الله في عون العبد ما كان العبدُ في عون أخيه) ذَكَرَ ذلك الإمام النووي في " الأذكار" باب التعزية. · قال الإمام النووي في كتابه " الأذكار ": و اعلم أن التعزية هي التصبير و ذُكر ما يسلِّي صاحبَ الميّت و يخفِّفُ حزنه و يهوّن مصيبته، و هي مستحبّة. ا. هـ · قال الإمام الشوكاني في كتابه " نيل الأوطار " ج4 صـ116: وثمرةُ التعزية الحثُّ على الرجوع إلى الله تعالى ليحصل الأجر. قال في البحر "و المشروع مرّة واحدة " انتهى. قال الهادي و القاسم والشافعي: وهي بعد الدفن أفضل لعظم المصاب بالمفارقة. و قال أبو حنيفة و الثّوري: إنّما هي قبله لقوله صلى الله عليه وسلّم: (فإذا وَجَبَ فلا تبكينّ باكية) أخرجه مالك و الشافعي وأحمد و أبو داود و النسائي و ابن حبّان و الحاكم، و المراد بالوجوب: دخول القبر كما وقع في رواية لأحمد. و لأنّ وقت الموت حال الصدمة الأولى كما سيأتي، و التعزية تسلية فينبغي أن يكون وقت الصدمة التي يشرع الصبر عندها. ا.هـ · _ وأمّا الأحاديث التي تُروى في ثواب التعزية فلا تصحّ كما قال علماء الحديث. · فحديث (من عزّى مُصاباً فله مثل أجره) قال عنه النووي إسناده ضعيف. · وحديث (منْ عزّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْداً في الجنة) قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي. · وحديث (ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عز ّوجلّ من حُلَلِ الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجه و في سنده " قيس أبو عمارة " قال عنه الإمام البخاري: فيه نظر. و ذكره العقيلي في الضعفاء، وأورد له حديثين وقال: لا يتابع عليهما، أحدهما الذي أخرجه ابن ماجه في التعزية بالميت. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني. · _ مما سبق يعلم أن السنّة التي حضّنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم و جعلها من حق المسلم على أخيه المسلم هي: اتباع الجنازة و الصلاة عليها و دفنها. وأحاديثها صحيحة. و أمّا التعزية فليس فيها حديث يصح، و إنما استفادها العلماء من عموم النصوص، وكذلك من فعله صلى الله عليه وسلّم وقالوا إنها مستحبّة و فيها تسلية للمصاب خاصّة إذا كان جزعاً. · و الذي يحدث في أيّامنا هذه، بعيدٌ كل البعد عن كل ما ذكر، فقد أحدثوا أمراً جديداً و هو مجلس العزاء (التمساية، أو العصرية) وقد انعكس الأمر فيه فصار مجلس النّساء صامتاً، يدخُلْنَ بصمت إلى غرفة قليلة النور، ويخرجن بصمت و لا يعزي أحدٌ أحداً، ومجلس الرجال فيه النياحة، يرفعون أيديهم عند الدخول كناية عن السلام، وقد يلقيه بعضهم، وعند الخروج يقول عظّم الله أجركم، بعد أن يجلس بقدر شرب فنجان من القهوة! والاستماع إلى شيء من القرآن يقرؤه بعض المأجورين من المغنين!!. · قال الإمام النووي (الشافعي) في كتابه الأذكار باب ما يقوله الماشي مع الجنازة : " و أمّا ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق و غيرها من القراءة بالتمطيط و إخراج الكلام عن موضوعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحتُ قبحه و غلظ تحريمه و فِسْقَ من تمكَّن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراء، و الله المستعان " ا. هـ · جاء في حاشية ابن عابدين (الحنفي) ج1صـ492 _ مطلب في بطلان الوصيّة بالختمات و التهاليل: قال: { .... و به ظهر حال وصايا أهل زماننا فإن الواحد منهم يكون في ذمّته صلواتٌ كثيرة و غيرها من زكاة و أضاحٍ و أيمانٍ، ويوصي لذلك بدراهم يسيرة، و يجعل معظم وصيّته لقراءة الختمات و التهاليل التي نصَّ علماؤنا على عدم صحّة الوصيّة بها، و أن القراءة لشيءٍ من الدنيا لا تجوز، و أن الآخِذَ و المُعْطِي آثمان، لأن ذلك يشبه الاستيجار على القراءة، و نفس الاستيجار عليها لا يجوز فكذا ما يشبهه، كما صُرِّح بذلك في عدة كتب من مشاهير كتب المذهب. و إنما أفتى المتأخرون بجواز الاستيجار على تعليم القرآن لا على التلاوة وعللوه بالضرورة، و هي خوف ضياع القرآن، ولا ضرورة في جواز الاستيجار على التلاوة كما أوضحتُ ذلك في "شفاء العليل" وسيأتي بعض ذلك في باب الإجارة الفاسدة إن شاء الله تعالى. انتهى _ وفي أيّامنا هذه صارت مجالس العزاء تقابل " الإسعاد " في الجاهليّة؛ فمعظم الناس يحضرون هذه المجالس من باب ردِّ الدَّيْن الذي عليهم، أو خشية أن ينتقدهم أهل الميت ومن حولهم، وبمعنى أوضح، من باب الخوف من الخروج عن الأعراف السائدة، وقد يعترض بعضهم، فيزعم أنه إنما يَحْرِصُ على حضور هذه المجالس من باب تطبيق السنّة و التقرّب إلى الله؛ فيُقالُ له: لماذا إذاً لا تحرص على حضور الجنائز و الصلاة عليها وشهود الغسل والتكفين والدَّفن؟ مع أن النصوص الشرعية قد وردت في الحضِّ عليها، بخلاف مجالس العزاء؟! _ وبعد أن ذكرنا صفة هذا المجلس وما يحدث فيه، و أقوال العلماء في البدع المستحدثة فيه ونصُّهم على تحريم الدِّين لها، أُورِدُ لك، أخي المؤمن، أقوالَ العلماء بخصوص مجلس العزاء نفسه. · روى الإمام أحمد في مسنده عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنّا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميت و صَنعَةَ الطعام بعد دفنه من النياحة). قال الشوكاني في الشرح: يعني أنهم كانوا يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه، و أكل الطعام عندهم نوعاَ من النياحة لما في ذلك من التثقيل عليهم و شغلهم مع ما هم فيه من شَغْلَة الخاطر بموت الميت وما فيه من مخالفة السنّة لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت طعاما فخالفوا ذلك و كلفوهم صنعة الطعام لغيرهم. ا. هـ نيل الأوطار ج4 صـ118. · و جاء في حاشية ابن عابدين ج1صـ603: _ مطلب في كراهة الضيافة من أهل الميت: قال: " .... ويُكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت لأنه شُرِعَ في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة. روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال: (كنا نعدُّ الاجتماعَ إلى أهل الميت وصَنعةَ الطعام من النياحة). وفي "البزازية ": ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع ... واتخاذ الدعوة لقراءة القرآن وجمع الصلحاء والقرّاء للختم أو لقراءة سورة الأنعام أو الإخلاص. والحاصل أن اتخاذ الطعام عند قراءة القرآن لأجل الأكل يكره .... وأطال في ذلك في " المعراج" و قال: وهذه الأفعال كلها للسُّمعة ِو الرياء فيُحتَرَزُ عنها لأنهم لا يريدون بها وجه الله تعالى. ثم قال: مع قطع النظر عما يحصل عند ذلك غالباً من المنكرات الكثيرة كإيقاد الشموع والقناديل ... و الغناء بالأصوات الحسان .. و أخذ الأجرة على الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك مما هو مشاهد في هذه الأزمان، وما كان كذلك فلا شك في حرمته وبطلان الوصية به ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتهى · و جاء في حاشية ابن عابدين ج1 صـ604: وقال:" كثيرٌ من مُتأخري أئمتنا يكره الاجتماع عند صاحب البيت، ويكره له الجُلوسُ في بيته حتى يأتي إليه من يعزيه، بل إذا فَرَغَ ورجَعَ الناس من الدفن فليتفرقوا ويشتغل الناس بأمورهم وصاحب البيت بأمره. قلت ُ: وهل تنتفي الكراهة بالجلوس في المسجد و قراءة القرآن حتى إذا فرغوا قام وليّ الميّت و عزَّاه الناس كما يُفعَلُ في زماننا؟ الظّاهر لا لكون الجلوس مقصُوداً للتعزية لا للقراءة ا. هـ · و جاء في الفتاوى البزازية في الفقه الحنفي ج4 صـ357 : والجلوس في المسجد ثلاثة أيّام للتعزية يكره و في غير المسجد جاءت الرخصة للرجال و تركه أولى. · و في حاشية ابن عابدين ج1صـ604: قال: (قوله تُكره التعزية ثانياً، وعند القبر، وعند باب الدار): في "التتارخانيّة" و لا ينبغي لمن عزّى مرّةً أن يعزي أخرى رواه الحسن عن أبي حنيفة ا. هـ و قوله: (و عند القبر): .. و يشهد له ما أخرج ابن شاهين عن إبراهيم: التعزية عند القبر بدعة ا. هـ قلت: لعلّ وجهه أن المطلوب هناك القراءة و الدعاء للميت بالتثبيت. (قوله و عند باب الدّار) في " الظهيرية " و يُكرهُ الجلوس على باب الدار للتعزية لأنه عمل أهل الجاهليّة و قد نُهي عنه، وما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط و القيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح ا. هـ · قال الإمام الشافعي في كتابه " الأم " ج1 صـ 318 : " و أكره المأتم و هي الجماعة و إن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن و يكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر ". · وجاء في كتاب " المغني " في الفقه الحنبلي ج3 صـ 486: قال أبو الخطاب: يُكرَهُ الجلوس للتعزية. و قال ابن عقيل: يكره الاجتماع بعد خروج الرّوح، لأن فيه تهييجاً للحزن. · و جاء في كتاب " المعيار" في الفقه المالكي ج11 صـ153 : (قال علماؤنا المالكيون: التّصدي للعزاء بدعة و مكروه). · جاء في كتاب " الأذكار " للإمام النووي الشافعي صـ137 : " قال الشافعي و أصحابنا رحمهم الله يكره الجلوس للتعزية قالوا: يعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم و لا فرق بين الرجال و النساء في كراهة الجلوس لها، صرّح به المَحَاملي، و نقله عن نص الشافعي رضي الله عنه، و هذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها مُحْدَثٌ آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة، كما هو الغالب منها في العادة، كان ذلك حراماً من قبائح المحرمات لأنه مُحْدَث، و ثبت في الحديث الصحيح: (إن كل مُحْدَثٍ بدعة، و كل بدعة ضلالة). · فهذه نُقُولٌ من المذاهب الأربعة المعتمدة كلّها تصرّح بكراهة و حرمة الجلوس للعزاء، وتعلل ذلك بأنه أمر مبتدع في الدين، ويرهق أهل الميت و يكلّفهم نفقات كبيرة و يهدر أوقاتهم، و أهمُّ من ذلك أنّه بسبب هذه البدعة تَرَكَ النّاسُ الأمرَ الواجبَ، و هو حضورُ الجنازة و الصلاة عليها، و صاروا يكتفون بحضور مجلس العزاء لمدة خمس دقائق مساءً، و انتهى الأمر، و أعجبُ من ذلك أنهم صاروا يعدُّون من يلتزم شرع الله في هذا الخصوص و يتَّبع فتاوى العلماء الأعلام في المذاهب الإسلامية المشهورة، شاذاً مخالفاً للصّواب، وهذه هي بحق غُرْبَةُ الدِّين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما قال: (أربع في أمتي منْ أمر الجاهلية لا يتركونها: الفخر في الأحساب، و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم، والنّياحة). و إنا لله و إنّا إليه راجعون. د. خلدون مكي الحسني دمشق 5 / شعبان / 1425 -------------------------------------------------------------------------------- [1]ـ الجيب: فتحة القميص عند الرقبة [2]ـ تشدَّدَ في الأمر: بالغ فيه و لم يُخفِّف.