جوابه في موضوع: «لقاء مع رئيس الحكومة في قصر الأمير» الشيخ الدكتور محمد خلدون بن محمد مكي الحسني الجزائري المصدر: https://www.djelfa.info/vb/archive/index.php/t-67229.html السلام عليكم ورحمة الله ، أشكر الأخ أبا محمد العثماني على مشاركته المفيدة والقيّمة. وأشكر له لطفه ، وسلامكم قد بلغ بارك الله فيكم. وأقول للأخ الزير سالم المهلهل! ؛ لعلّك متأثّر بفلم عمر المختار ، وفي الحقيقة هو فلم مؤثّر، وإنّه لشرفٌ للمؤمن أن يلقى الله شهيدًا في سبيله ، وهذا أيضًا مما يبث العزيمة والثبات في نفوس أبناء الأمة. ولكن هل تعلم من هو الشهيد في سبيل الله؟ وكيف تكون الشهادة في سبيل الله؟ الشهيد في سبيل الله هو الذي يُقتل لتكون كلمةُ الله هي العليا!! والشهادة تكون بأن يُقتل المجاهد المسلم في ساحة المعركة بأيدي أعداء الإسلام من المشركين والكافرين. ولو أنّك والأخ بن ويس تمهلتم قليلاً ، وتورّعتم عن إطلاق الأحكام ، وسعيتم ؛ قبل الكلام والتعليق ؛ إلى السؤال أو الاستفهام لكان أحرى بكما ، وأنجى لكما عند الله. أولاً : هناك فرق كبير بين سيرة الأمير المجاهد عبد القادر وبين سيرة المجاهد الشيخ عمر المختار! فالشيخ عمر المختار كان يقوم بالمقاومة والجهاد منطلقًا من قريته ثمّ من الأماكن البعيدة التي اضطر أن يلجأ إليها هو وأتباعه ، ثمّ من مخبئه في الجبال مع رجاله المجاهدين! وكان يتلقى دعمًا ماليًا وعسكريًّا من الدولة العثمانية ، وكانت تؤيّده الدول المجاورة . وكذا أبناء شعبه السجين في معسكرات الاعتقال كان يقتطع من قوت يومه (الذي لايكاد يقيم صلباً ولا يشبع جائعاً)ويهربه إلى المجاهدين ، ولم يطالبوه يوماً بالاستسلام! (وبالمناسبة فإنّ الأمير علي باشا ابن الأمير عبد القادر كان من أركان الدولة العثمانية وكان مبعوثًا من جهتها إلى ليبيا لتقديم العون للمجاهدين هناك؛ وذلك قبل أن تتحالف تركيا مع ألمانيا) وأمّا الأمير عبد القادر فكان مؤسسًا لدولة تلاشت كل أركانها ، فهو يبدأ فيها من الصفر كما يُقال ، ولم يكن يتلقى دعمًا من أحد!! فقد تخلّت عنه الدولة العثمانية ، وعاداه بايات تونس ، وحاكم مصر محمد علي باشا ، ثمّ سلطان مرّاكش عبد الرحمن بن هشام. وعندما بدأت حصونه ومدنه بالسقوط في أيدي العدو لم يتخلَّ عن الدولة ولم يتحوّل إلى حرب العصابات ، وإنما أسس عاصمةً متنقلة وتابع من خلالها الجهاد وإدارة شؤون الدولة الناشئة ، وكان هذا بحدّ ذاته من الروائع والعبقريات القيادية التي لم يُعرف لها نظير قريب أو بعيد. ولكن في نهاية المطاف مع من كانت معارك الأمير؟ لقد كانت مع الجيش المرّاكشي العربي المسلم ، ومع جيوش الخونة الجزائريين المتعاملين مع فرنسة ، وهم أيضًا عربٌ مسلمون!! . وقد أسرَ الجيش المرّاكشي (المسلم) السيد أبا بكر الشقيق الأصغر للأمير وقاموا بقطع رأسه وإرساله إلى السلطان بمرّاكش!!!! وكذلك أسروا السيد محمد الصادق ابن شقيق الأمير الأكبر محمد سعيد واقتادوه إلى مراكش!! وكان للأمير مجلس شورى هو المسؤول عن تقرير الأعمال ، فلمّا وجدوا أنفسهم محاصرين في ذلك الوادي ومعهم النساء والأطفال ، لم يكن أمامهم سوى خيارين إمّا القتال حتى النهاية ، أو إيقاف الحرب! وخيار القتال لم يكن مجديًا والمقتول لن يكون شهيدًا لأنّ القاتل عربي مسلم!!! والحرب ليست لإعلاء كلمة الله وإنما هي حربٌ نزاع بين الإخوة!! وفي مثل هذه الحالة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكف الأيدي. وبمعنى أوضح لو بقي الأمير يقاتل حتى النهاية كما يرغب أصحاب هذا الفكر ، فالنتيجة ستكون كما يلي : الأمير يقتل إخوانه المسلمين إلى أن يتمكن إخوانه المسلمون من قتله!! وهذا لا يقبل به عاقل! لذلك قرر مجلس الشورى إيقاف الحرب وأن يكون التفاوض في هذا الشأن مع الفرنسيين لا مع المغاربة (كما كانت رغبة الأمير) لأنهم رأوا قسوة المغاربة عليهم وما فعلوه مع شقيق الأمير وابن أخيه ، وخاصّة أنّ رجال الدولة المغربية كانوا يرشحون الأمير ليكون سلطانًا عليهم ، وهذا مما زاد من كراهية السلطان للأمير! فلم يكن من الأمير إلاّ أن استجاب لقرار مجلس الشورى ، وأرسل إلى الماريشال لامورسيير ، فما كان من ذلك الماريشال ـ بعد أن طار من شدة الفرح والذهول ـ إلاّ أن أرسل مع الرسول ورقةً بيضاء وعليها ختمه ، وطلب من الأمير أن يشترط ما يشاء! فهل هذا يُسمّى استسلامًا؟ أليس هناك فرق واضح بين الذي يرفع يديه أمام عدوّه ويلقي سلاحه ويقول له إنني أستسلم. وبين ما جرى مع الأمير . 1ـ الأمير لم يحاصره الفرنسيون ، ولم يتمكّنوا منه (وهذا باعترافهم) . 2ـ الأمير لم يرفع يديه ولم يلق السلاح ولم يقل أنا أستسلم. 3ـ الأمير لم يرض أن يتابع الاقتتال مع إخوانه العرب المسلمين في حين جيوش فرنسا تقف بعيدة عن الصراع ، وتنتظر النتيجة لتقطف الثمار. 4ـ الأمير امتثل قرار مجلس الشورى بإيقاف الحرب والتفاوض مع الفرنسيين. 5ـ الأمير اقتنع برأي مجلس الشورى والذي لم يكن ليقبل أن يُقتل الأمير بأيدي عربية مسلمة ، في حين أن جيوش فرنسا لم تستطع أن تتغلب عليه بنفسها وإنما بواسطة هؤلاء! 6ـ الأمير كان موقفه قويًا حتى النهاية فهو الذي يُملي الشروط على الحكومة الفرنسية ، ولو أنّها رفضت شروطه لم يكن هناك سبيل أمامها إلى إيقاف الحرب . 7ـ الأمير لم يتخلّ عن الجهاد ودعم المجاهدين الجزائريين بل بقي يتابع أخبارهم ويمدهم بما يستطيع ، سواء ماديًا أو سياسيًا . فهل سمع أصحاب نظرية استسلام الأمير ، بشخص يستسلم لعدوّه ومع ذلك فهو الذي يُملي الشروط ، والعدو يقبل بها على بياض!! أظن أنّ المسألة باتت واضحة ، وهذا ما تريد الأميرة بديعة توضيحه للشعب الجزائري وللشعوب العربية المسلمة ، فالأمر لم يكن استسلامًا كما تحاول الحكومة الفرنسية تصويره للناس ، وذلك لتنقذ نفسها من العار الذي ألحقه بها الأمير أثناء حربه معها ، وبعد إيقاف الحرب . فهي في الحالتين لم تتمكن منه بالرغم من كل قوتها وسطوتها. والمؤسف هو أن يردد بعض الجزائريين كلام الإعلام الفرنسي ، ليس ذلك فحسب ، بل ويقول إن هذه الحقيقة رواها الآلاف ، ليتك ذكرت بعضهم يا أخ بن ويس! إنّ الذي يتكلّم دون تحقق أو تمحيص أو توثّق ويلقي الكلام هكذا على عواهنه هو الذي يشوّه التاريخ وهو الذي يزوّر الحقيقة. وإنني كنتُ قد رجوتُ الأميرة بديعة أن تنضم إلى هذا المنتدى لكي يُتاح للإخوة الجزائريين أن يتواصلوا معها ويستفيدوا من إنتاجها العلمي. فإذا كان هناك من يرغب بطرح سؤال أو استفسار ، أو لديه تعقيب أو نقد علمي ، ملتزم بأدب الحوار فمرحبًا به .