ردّه على «الإشادات الوضيئة بالإفادات المضيئة» الشيخ الدكتور محمد خلدون بن محمد مكي الحسني الجزائري المصدر: https://majles.alukah.net/archive/index.php/t-26968.html بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والشكر لله ، والثناء كلّه لله ، أمّا بعد : فقد اطّلعتُ على (الإشادات الوضيئة) للأخ محمد المبارك ، وقرأتُ مقدمتها وما فيها من لطيف العبارة وجميل الثناء عليَّ وعلى سلسلة الحلقات التي كتبتها في الرد على مقاله "فك الشفرة". وأنا أشكر الأخ محمد المبارك على لطفه ودماثته. وكنت فهمت من كلامه السابق أنه موضوعه هذا سيكون مشتملاً على استفسارات يريد أن عرضها عليّ ، ولكن الذي وجدته فيها إلى الآن إنما هو اعتراضات! أي ليست إشادات ولا استفسارات! على كل حال ربما أراد الأخ محمد أن يبدأ بهذه الوقفات (كما يسميها) ، ثم يتبعها بالاستفسارات. وأنا لا أريد أن أستعجل في الجواب ، ولكن رأيت أنّ هناك بعض الأمور التي لا يجوز تأخير جوابها. ونحن الآن نكتب في مجال الردود العلميّة، وصدري يتّسع لكل مناقشة علميّة، ولكن الذي أجده أنّ الوضع لا يسير في هذا الاتجاه، وأرجو من الأخ محمد المبارك أن يتّسع صدره الآن لكلامي، ويتفّهم موقفي بعيدًا عن إساءة الظن. ذلك أنني أنفقتُ الوقت الكثير وأنا أتتبع الأقوال والأخبار العجيبة التي ساقها الأخ محمد المبارك في مقاله "فك الشفرة" واعتمد عليها في اتهام الأمير بـأكثر من (13) تهمة باطلة! وتجشمت عناء الرد عليها وبيان عدم صحتها وانعدام صدقيتها ، وذلك ليتبيّن الحق له ولمن يبغيه. كل ذلك جاء موثّقًا محرّرًا معتمدًا على أصح الكتب والمراجع وبأقلام كبار العلماء المتخصصين بذلك الشأن. وبعد الانتهاء من عرض سلسلة (رد الشبهات المثارة حول الأمير عبد القادر) كان المنتظر من الأخ محمد المبارك أن يبيّن موقفه مما جاء فيها، وقد صرّح هو بذلك ولكن قال إن هناك بعض الاستفسارات التي يريد عرضها أولاً. فإذا به يدخلنا في دوّامة جديدة من فرضيات باطلة، وتقريرات لا تصح ، ونقول مزوّرة ، وكلام لبعض الناس غير علمي ويفتقد إلى كل مقومات القبول. وأنا بصراحة لا أرغب أبدًا في إضاعة المزيد من الوقت في الرد عليها وتفنيدها! يا أخ محمد : أنت قرأت الحلقات وقرأت ردّي على مقالك ، وأنت إمّا اقتنعت بما فيه، أو لم تقتنع! فإذا اقتنعت فليتك تبيّن ذلك وفكّها الله. وإذا لم تقتنع فدافع عن مقالك ، وبيّن بطلان الأدلة التي أتيتك بها ، كل ذلك بوضوح وصراحة. ولا داعي للتشعب في الموضوع والوقوف عند جزئيات هامشية ـ ذكرتُها أثناء ردّي على صلب موضوعك المنصب على اتهام الأمير ـ لا تهمنا الآن والخوض فيها فيه إماعة للموضوع الأساسي! في مقالك "فك الشفرة" اتهمت الأمير بما يلي: 1ـ بأنه جمع وأحرق الكتب التي ترد على ابن عربي!! 2ـ بأنه أحرق كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيّم!!! 3ـ بأنه مستغرق في التصوف وتقديس ابن عربي تقديسًا يصل إلى حد الجنون، والقول بالحلول والاتحاد..!وأنه سكن في داره وأوصى بدفنه إلى جواره!! 4ـ بأنه مفتتن بالحضارة الفرنسية ، وعلى صلة وطيدة معهم!! 5ـ واتّهمتَه بحبّه للسلطة وشرهه للمال!! 6ـ واتهمته بقتل بعض الولاة العثمانيين في لبنان . 7ـ واتهمتَ الأمير بوقوفه وراء أحداث 1860م في سورية ولبنان ، ودعم النصارى والغرب للانفصال عن الدولة العثمانية ، وتيسير التدخل الأجنبي!!!! 8ـ واتهمتَ الأمير بأنه كان ينفذ في دمشق أجندة عمل فرنسية!! وأنه كان يسرع إلى القنصلية الفرنسية بدمشق لتتوسط له عند العثمانيين!!! 9ـ واتهمتَ الأمير بالماسونيّة ، والسعي لهدم الخلافة العثمانية!!! 10ـ واتهمته بدعم المؤسسات المالية الغربية (اليهودية وغيرها) لتنفيذ مشاريعها في الشرق (شق قناة السويس ، شق الطرقات في الشام)!! 11ـ وطعنتَ في نسبه ، وزعمتَ أنه هو مخترع ذلك النَّسب! 12ـ وطعنتَ في ولائه لدينه وبلاده وسلطانه ، وزعمتَ أنه والى الفرنسيين ولذلك استسلم لهم!! وصار يخذّل أبناء وطنه عن القتال . 13ـ وطعنتَ بشرفه وإخلاصه ، وزعمت أنه اتفق مع الفرنسيين على خدمة مصالح فرنسة ولذلك أُطلق سراحه ، ووُعِدَ باستلام الحكم في بلاد الشام!! كل تلك التهم والطعون دون أية أدلّة صحيحة أو مستندات معتبرة. فأحد أمرين: إما أن تثبتها بحق ، أو ترجع عنها ؛ وأُعيذك أن يكون الأمر الثالث! ومهما كان موقفك فهذا يعنيك أنت بالمقام الأوّل وستُسأل عنه في الدنيا والآخرة والله حسيبك. وأمّا أنا فقد أدّيت واجبي وبذلت جهدي وتحرّيت الحق وسعيتُ إليه وقدّمته لك ولجميع المسلمين واضحًا جليًا لا لبسَ فيه ولا مراء، بفضل الله. وحسبيَ الله ونعم الوكيل. أولاً ؛ أقول للأخ محمد المبارك : إنّ قصّة إحراق كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيّم، ليست مسألة افتراضية! إنها حادثة معيّنة اتُّهم بها الأمير عبد القادر الجزائري ، فإمّا أن تكون ثابتة وصحيحة ، وإما أن تكون باطلة ولا أصل لها! وأنت في مقالك "فك الشفرة" زعمت أنها قصّة متواترة!!! يعني ليست ثابتة فحسب وإنما متواترة . وقد بيّنتُ لك في الحلقة الأولى من ردي على مقالك أنّ هذه القصّة غير صحيحة ، بل لا أصل لها!! وإنما هي مختلقة ومفتراة على الأمير ، والذين اختلقوها إنما ولّدوها من القصّة التي رواها عبد الرحمن الوكيل عن الشيخ محمد نصيف، وقد بيّنتُ لك أيضًا أن تلك القصّة غير صحيحة قطعًا ، وأثبتُّ ذلك من جهة السند ورجاله ، ومن جهة المتن ، ومن جهة الوقائع التاريخية ، ومن جهة القرائن التي تحف بها ، ومن جهة تصادمها مع الحقائق المعارضة لها . فكتب ابن تيمية وابن القيّم لم تحرق وهذا باتفاق أهل العلم المحققين والمحصّلين قديمًا وحديثًا ، في حين أنّ الذين يدندنون حول قصة إحراق الكتب المفتراة إنما اتخذوا من السائح التركي المجهول شيخًا لهم يروون عنه أمثال هذه المناكير! فإذا كنت يا أخ محمد لم تقتنع بسقوط هذه القصّة وبطلانها وعدم جواز الاحتجاج بها ، فعليك أن تبرهن على صحّتها. وكنتُ طالبتك بإثبات تواترها الذي تزعمه ، ثمّ ترفّقت بك وطالبتك بإثبات طريق واحدة صحيحة لها. وأخبرتك أنّ هذا الطلب ليس عاديًّا ، وإنما هو فيصل في المسألة!! فلا أقبل منك أبدًا أن تعمد إلى إماعة المسألة وتقول "هب أنّ ، وهب أنّ"!!! إمّا أن تثبتها ، وإمّا أن تقرّ ببطلانها. ولا يُقبل أي حل ثالث. ويجب أنّ تفرّق أخي بين ثبوت مثل هذه القصّة وبين عقيدة أو مذهب الشخص الذي يُتهم بها! فلو كان المتهم حاخامًا يهوديًا أو كاهنًا بوذيًا ، لا يجوز لأحد أن يثبتها بدعوى أنّ المتهم يهودي أو بوذي فلا بأس من اتهامه بها ؛ هذا ليس من العلم في شيء ولا من الدين بالطبع! فإذا كنتَ مصرًّا على اتهام الأمير بأنه على عقيدة وحدة الوجود ، فهذا لا يسمح لك ولا لغيرك أبدًا أن يفتري عليه قصة إحراق كتب ابن تيمية بالتشهي والتخرّص. فالأمران منفصلان لا تلازم بينهما، وأنت مطالب بالدليل الواضح والصحيح لا غير. بالأمس كنت تقول متواترة واليوم تقول لنا هب وهب!! وتقول "إذا ثبتت القصة فإنما تدل على محاربة الأمير لتراث ابن تيمية" ، عجيب والله!! وكنت طلبتُ منك ألا تستعجل في الكلام على عقيدة الأمير حتى آتيك بالبحث الذي أجريه بخصوص كتاب المواقف. فلا أدري لماذا تصرّ على موقفك. يا أخي ليس لك ولا لغيرك أي مستند لاتهام الأمير بعقيدة وحدة الوجود سوى كتاب المواقف فحسب! وهو ليس من تأليفه وسيأتيك بيان ذلك فاصبر قليلاً. وكان يكفيك أنّ كل العلماء المشهود لهم بالاستقامة والنهج القويم في عصر الأمير وفي الذي يليه والذي يليه ، شهدوا له بحسن الديانة ووصفوه بالعابد والتقي ، ولم يطعنوا قط في دينه أو عقيدته ، ابتداءً من الشيخ عبد الرزاق البيطار والعلاّمة جمال الدين القاسمي ، مرورًا بشيخنا العلاّمة محمد بهجة البيطار رحمه الله (1311 ـ1396هـ = 1894ـ 1976م) شيخ السلفية في بلاد الشام والحجاز ، وهو الذي طلب منه وألحّ عليه الملك عبد العزيز أن يشرف على المعهد العلمي السعودي ، فلبّى طلبه وبقي في الحجاز مدة خمس سنوات (من 1345 إلى 1350هـ) قلّده الملك خلالها مناصب قضائيّة وعلميّة ، فكان : 1ـ عضو محكمة مكّة الشرعيّة الكبرى . 2ـ نائب رئيس هيئة المراقبة القضائيّة. 3ـ مفتش التعليم في مدارس الحجاز. 4ـ أستاذ مادتي التوحيد والتربية اللتين كان يُجمع لهما مديرو وأساتذة مدارس مكّة. 5ـ عضو مجلس المعارف العموميّة . 6ـ مدرّس في الحرم المكّي. 7ـ عضو هيئة مراقبة التدريس في الحرم الشريف. وعندما عزمت الحكومة السعودية على إنشاء ثانوية كبرى في مدينة الطائف باسم (دار التوحيد السعودية) أعلن الملك عبد العزيز آل سعود رغبته في أن يتولّى الشيخ بهجة البيطار إدارة هذا المعهد ، فنزلت الحكومة السورية عند رغبة الملك وأوفدت الشيخ بهجة سنة 1363هـ حيث أقام في الطائف ثلاث سنوات. هذا الشيخ الجليل والإمام القدوة للدعوة السلفية والتوحيد الصحيح في بلاد الشام والحجاز والمنافح عن شيخ الإسلام ابن تيمية والناشر لرسائله وسيرة حياته ، أثنى على الأمير عبد القادر كثيرًا ، ولم يجرحه بأي جرحة! وذلك أثناء تعليقاته على كتاب (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) وكان يصفه دائمًا بالمجاهد الكبير ويذكر فضائله ومآثره. وكذلك كان شيخنا محدّث الشام العلاّمة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله ، لم أسمعه يذكر الأمير إلاّ بخير طيلة ملازمتي له ـ أكثر من 15 سنة ـ حتى وفاته رحمه الله ، وكان في مجالسه يعرّف الحضور بي فيقول هذا حفيد الشيخ عبد القادر الجزائري رحمه الله!. وأذكر عندما حضرنا عليه كتاب (قواعد التحديث) للقاسمي ، استشهد القاسمي بكلام حسن للشيخ ابن عربي من الفتوحات. فتوقف شيخنا وقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ليت شيخنا القاسمي لم يفعل ذلك ...، ولكن لمّا استشهد القاسمي بكلامٍ طويل للأمير عبد القادر من كتابه (ذكرى العاقل) أعجب الشيخ الأناؤوط بالكلام وترحّم على الأمير. ثم رحتَ ـ يا أخ محمد ـ بعد ذلك تحدثني عن عقيدة وحدة الوجود. سبحان الله. أتظن أنني لا أعرف هذه العقيدة الباطلة؟ منذ عشرين سنة وأنا أحارب هذه العقيدة وأتصدى للمروّجين لها، وأعاني بسبب ذلك ما الله وحده أعلم به، وحسبي الله وكفى. وإنني أبرأ إلى الله من هذه العقيدة ومن معتقديها كائنًا من كانوا. فيا أخي لا تتعب نفسك لبيان شيء هو عندي من أوضح الأشياء وإذا شئتَ زدتك فيه بقدر ما تشاء. وأنا لم أتعرّض لهذه المسألة في ردودي السابقة إلاّ عَرَضًا لأنها ليست من صلب موضوعي. ثانيًا؛ المعلومات التي أتيت بها بخصوص تراجع الإمام السيوطي عن موقفه من ابن عربي! بدايةً أقول لك أخي محمد : إنّ محلّ الشاهد من كلامي هو أنّ السيوطي حال كونه يعتقد بولاية ابن عربي كان يحرّم قراءة كتبه! هذا هو محلّ الشاهد ولا يعكّر عليه دعوى تراجع السيوطي عن اعتقاد ولاية ابن عربي. ولكن ما قولك إذا أخبرتك أنّ النقول التي أتيتَ بها غير صحيحة ومكذوبة ومزوّرة!! 1ًـ كتاب (التحبير في علوم التفسير) فرغ السيوطي من تأليفه سنة 872هـ. ً2ـ كتاب (إتمام الدراية لقراء النقاية) ـ هذا اسمه الصحيح لا الذي أوردته ـ فرغ السيوطي من تأليفه سنة 873هـ. 3ًـ في حين أنّ السيوطي لم يبدأ بتأليف ردّه على كتابيّ البقاعي إلاّ بعد حادثة سنة 875هـ!!! وهذا يعني أن كتابه في تنزيه ابن عربي هو المتأخّر عن الكتابين الأولين فإذا كان هناك تراجع فهو تراجعٌ إلى صف ابن عربي!! ولكن حقيقة الأمر أنه ليس هناك أي تراجع ولا وجود لذلك الكلام الذي نقلته يا أخ محمد في أيٍ من كتب السيوطي! ولو أنّك تأمّلت الكلام الذي أتيت به وفيه "" ابن عربي المبتدع الذي ينسب إليه كتاب ‏الفصوص الذي هو كفركله""، "" ‏بخلاف طريق جماعة من المتصوفة كابن عربي الطائي وأضرابه فإنها زندقة منافية للكتاب والسنة"" وكنتَ ممن سبر سيرة السيوطي وتمرّست في كتبه ورسائله ، لأدركتَ من فورك أنّ هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عنه مطلقًا! ولتبيّن لك أن مُنشئ هذا الكلام إنما هو من عصرنا هذا!!! ولمزيد من التوضيح أقول : إنّ كتاب التحبير وضعه السيوطي سنة 872 وله من العمر 23 سنة، ومازال يزيد عليه ويضيف إليه ويتوسّع فيه حتى بلغ حجمه الجديد فسمّاه (الإتقان في علوم القرآن) ، إذن فكتاب التحبير مدرج ضمن كتاب الإتقان ، والتحبير لم يُطبع من قبل والذي طبع إنما هو الإتقان ولا وجود لشيء من ذلك الكلام فيه. فلا بدّ من التحقق من النسخة المطبوعة الجديدة التي نقلتَ عنها والنظر هل الكلام للسيوطي أم هو لمحقق الكتاب؟ (وهذا هو الأغلب). بدليل أنّ الكلام الذي نقلته عن (إتمام الدراية لقراء النقاية) مدرج ومُقحم ولا وجود له في النسخة المطبوعة! وبين يديّ الآن النسخة الحجريّة الأولى لكتاب إتمام الدراية وهي مطبوعة سنة 1317هـ ـ أي من 113 سنةـ وإليك العبارة كما وردت بحروفها : ((ونعتقد أن طريق أبي القاسم الجنيد ـ سيد الصوفية علمًا ‏وعملاً ـ وصحبِه ، طريقٌ مقوّم ، فإنه خالٍ من البدع ، دائرٌ على التفويض والتسليم والتبرّي من النفس ، مبنيٌّ على الاتباع للكتاب والسنة. وهذا آخر ما أوردناه من أصول الدين ومن تأمّل هذه الأسطر اليسيرة وما أودعناه فيها تحقق له أنّه لم يجتمع قبلُ في كتاب)).انتهى [(إتمام الدراية لقراء النقاية) ص22] إذن الكلام الذي نقلته يا أخ محمد عن مجلة الحكمة!! إنما هو كلام مختلق ومدسوس على السيوطي. ونحن كنا نتمنّى أن يكون السيوطي قد رجع عن موقفه المدافع عن أصحاب تلك العقيدة الباطلة ، ولكن ذلك لا يكون بالتزوير والدس والكذب. وللفائدة ألخّص للإخوة القرّاء ما قاله صاحب وتلميذ العلاّمة محمد بهجة البيطار وهو القاضي الشرعي سعدي أبو جيب حفظه الله في كتابه (حياة جلال الدين السيوطي من المهد إلى اللحد): إن شهرة السيوطي بدأت بعد سنة 875هـ يوم أن نشبت معركة فكرية عنيفة قامت حول بيتين من شعر ابن الفارض ، وردا في قصيدته التائيّة الكبرى، وهما : كلانا مُصَلٍّ واحدٌ ساجدًا إلى *** حقيقته بالجمع في كل سجدةِ وما كان لي صلّى سواي ولم تكن *** صلاتي لغيري في أدا كُلِّ ركعةِ وانقسم أهل العلم إلى فريقين : أحدهما ، يرمي ابن الفارض بالكفر ، والزندقة، لأنه يقول باتحاد المخلوق مع الخالق سبحانه . وكان يتزعم هذا الفريق العلاّمة برهان الدين البقاعي صاحب كتاب (تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد) ، وكبير القضاة محب الدين ابن الشحنة ، والقاضي عز الدين الحنبلي، ومعهم ثلة من أهل العلم. وأما الفريق الآخر ، فيرى أن ابن الفارض من كبار الأولياء والصالحين ، وتزعّم هذا الفريق الكافيجي ، وقاسم الحنفي ، وبدر الدين بن الفرس ، ومعهم بعض أهل العلم. وقد استفتى السلطانُ الشيخَ زكريا الأنصاري في هذه المسألة ، فأفتى بتبرئة ابن الفارض مما نسب إليه الفريق الأول ، وقال بأنّ للصوفية تعبيراتهم ، ولغتهم الخاصة بهم ، والتي لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها. وقد انتصر الفريق الثاني لأنّ السلطان قايتباي ومن حوله من الأمراء نصروهم، لما فيهم من نزعة صوفية ظاهرة .. وكذلك جماهير الأمّة كانت مع هذا الفريق، لتغلغل الصوفية في طبقات المجتمع على صورة لم تُعهد قبل هذا العصر! فعَزَلَ السلطانُ ابنَ الشحنة من القضاء ، وحاول العامة قتل البقاعي ، ورجموه بالحجارة ، وناله من الأمراء الأذى ، فهرب واختفى ، حتى توجّه إلى مكّة ، كما قال محمد بن أحمد بن إياس في (بدائع الزهور في وقائع الدهور). وقد تبع السيوطي شيخَه الكافيجي ، وانتصر لابن الفارض ، فكتب رسالته (قمع المعارض في نصرة ابن الفارض) ، وأتبعها بشرح يائيته الخالدة برسالة عنوانها (البرق الوامض في شرح يائية ابن الفارض) . والنتيجة التي وصل إليها في رسالتيه تتلخص في أنّ ابن الفارض من كبار العارفين بالله تعالى ، ومن الأولياء المقرّبين.. بل ذهب إلى أبعد من ذلك ، فعدَّه من أعلام الفقهاء! وهذا مالم يقل به أحد من أهل العلم! ثمّ بعد ذلك بزمن وضع رسالة انتصر فيها لابن العربي وسمّها (تنبيه الغبي في تنزيه ابن عربي).هذا هو الاسم الذي تُعرف به الرسالة. هذه هي القصّة عند أهل العلم المحققين ، ومنها يُعلم بيقين أنّ موقف السيوطي واحد لم يتبدّل والكلام الذي نقلته يا أخ محمد ونسبته إلى السيوطي واعترضت به عليَّ لا أصل له من الصحة وإنما هو مختلق ومزوّر!! فانتبه! ثالثًا ؛ أنا في كل ما كتبت لم أعرّف نفسي بأنني حفيد الأمير عبد القادر. وذلك لأنني لم أنطلق في ردّي على التهم والفِرى التي وجّهت إليه من منطلق القرابة . وكان من الأخ في الله فريد المرادي بارك الله فيه (ليس بيننا معرفة سابقة) أنْ أحبّ أن ينبّه الإخوة القرّاء إلى قرابتي من الأمير فقال في مشاركته :""وللعلم فإن الأخ خلدون من أحفاد الأمير"". وهذا الكلام صحيح كل الصحّة ولا مجال أمام أحدٍ لإنكاره! ولو كان هذا الكلام غير صحيح فهل تظن يا أخ محمد أنني أسكت ولا أبيّن؟! هذا ليس من منهجي ولا من طبعي! في مقالك "فك الشفرة" قلتَ عن محمد باشا أنه من أقارب الأمير عبد القادر! وغاب عنك أنّه ابنه الأكبر! واليوم تعترض على كلام الأخ فريد المرادي وتقول له : "بل الشيخ خلدون من أحفاد الأمير محمد السعيد (الأخ الأكبر للأمير عبد القادر)"فما القصّة يا أخي؟ إذا كنتَ على غير دراية بالأنساب القريبة أو البعيدة فلماذا تتعب نفسك في البتّ فيها والحديث عنها؟! طيب إذا غاب عنك أمر محمد باشا ولم تستطع أن تقف على حقيقته، فلماذا لم تسألني عن صلتي وقرابتي من الأمير؟ إنّ ما ذكرتَه عن تسلسل آبائي هو صحيح بلا شك. فأنا محمد خلدون بن محمد مكّي بن الأمير عبد المجيد بن السيد عبد الباقي بن السيد محمد السعيد الحسني. ولكن كما يعلم الجميع فإنّ لكلّ إنسان جدّان ، جدٌّ لأبيه ، وجدٌّ لأمّه. فبعد أن وقفتَ على أنّ السيد محمد السعيد هو جدّي الأوّل ، ألم تسأل نفسك من هو جدّي الثاني؟ إنّ أبا طالب هو جدّ سيدنا الحسن لأبيه ، ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو جدّه لأمّه. أليس كذلك؟ وكذلك الحال معي فإنّ الأمير عبد القادر هو جدّ الأمير عبد المجيد لأمّه. فأنا محمد خلدون بن محمد مكّي بن الأمير عبد المجيد ابن الأميرة كلثوم بنت الأمير عبد القادر. وكذلك الحال مع الأميرة بديعة فهي بنت مصطفى ابن زينب بنت الأمير عبد القادر. فالأمير جدّها أيضًا! وبالمناسبة فإن طلبة العلم يعلمون أنّ الشيخ عبد الرزاق البيطار هو جدّ الشيخ محمد بهجة البيطار، مع أنّ الشيخ بهجة هو ابن محمد بهاء الدين ابن عبد الغني بن حسن البيطار. ولكن من جهة أخرى فإنّ والد الشيخ بهجة تزوج ابنة عمّه الشيخ عبد الرزاق بن حسن البيطار، إذن فالشيخ عبد الرزاق هو جدّ الشيخ بهجة لأمّه. لذلك كان لزامًا على كل من يريد الخوض في الأنساب أن يكون على علم بتراجم الرجال وتسلسل آبائهم. وأمّا ما ذكرته من ترجمة أبي العلاّمة مكّي الحسني ، فهي ترجمة موجزة صحيحية ، وذلك لأنّك نقلتها فيما أظن من الترجمة التي كتبها له الأستاذ الفاضل أيمن ذو الغنى بارك الله فيه. وهو على علم ودراية فيما يكتب. وأقول لك يا أخ محمد : لقد طلبني أبي يومًا فأتيته ، فأخبرني أنّ بعض الأساتذة الكبار في العراق وسورية والمغرب اتصلوا به يخبرونه عن مقال عجيب وصلهم، فيه تجنٍ على الأمير عبد القادر، وطلبوا منه بعض المعلومات حول الأمير ورجوه أن يكتب لهم شيئًا في هذا الخصوص . فقلت لأبي لقد مضى عليّ وقت طويل وأنا أكتب في الرد على ذلك المقال ، وأحضرت له الحلقات، فأقرّها، وسألني وهل قرأ صاحب ذلك المقال هذه الردود؟ فقلت له نعم. قال: وماذا كان جوابه؟ فقلت له : وعد بالإجابة ونحن ننتظر. فماذا تريدني أن أخبره يا أخ محمد؟ رابعًا؛ ما وصفتني به من كوني نقيبًا للأشراف في الشام. فليس كذلك . إنّ منصب نقيب الأشراف هو منصبٌ رسميّ في الدولة ، وقد ألغيَ رسميًا منذ عقود. وأنا لم أشغل هذا المنصب قط! ولعلّكَ ذكرت ذلك من باب غلبة الظن. فأنا يا أخي لي بعض الدراية في علم الأنساب ، ويقصدني بعض الناس للنظر في أنسابهم لحسن ظنهم بي. لأنّ الأدعياء والمزوّرين قد كثروا وهم يبيعون الأنساب بأبخس الأثمان وذلك ليروّجوا لأنفسهم ويكتسبوا مع الزمن النسبة الشريفة!! ولذلك فأنا أتصدى لأمثال هؤلاء ، ومن ذلك كان المقال الذي ذكرته "عن بطلان النسب الرفاعي الصيادي" وقد سبب لي ذلك الكثير من المشاكل وكان منها تجرّؤ بعض الحاملين لهذا النسب عليَّ ، وكتبَ أحد سفهاء الصوفية (الصيادية الرفاعية) كلمةً في أحد مواقعهم المغرضة والمضللة تقوَّل فيها عليَّ ونفى أن أكون حفيدًا للأمير عبد القادر. ولم أكن أعلم بهذه الكلمة لولا أنّ أحد سفهاء السلفية (هذه المرّة) قام باقتباس تلك الكلمة ونشرها في موقع ملتقى أهل الحديث، وجعل من ذلك الصوفي السفيه شيخًا له في الرواية، فوافق شنٌّ طبقه! ثم بعد ذلك ـ ويا للأسف ـ راح بعض الشباب السلفي في ذلك المنتدى يعيد محتويات تلك الكلمة فرحًا بها مبتهجًا! وكأنه يروي عن البخاري أو ابن حجر!! وأنا لم أرد على واحد منهم لأنهم ليسوا أهلاً لأن أردّ عليهم أو أشتغل بالكلام مع أمثالهم. خامسًا؛ قلتُ في الحلقة الأولى : ((إن شيخ الإسلام لم يتعرّض فيما أعلم لتأليف جزءٍ خاص في الرد على ابن عربي ، وإنما ذكره في فتاويه ورسائله خلال حديثه عن انحرافات الصوفية . وكان يذكر عباراته التي في (فصوص الحكم والفتوحات) وينتقدها ويصفها بما تستحق من الضلال إلى الكفر ، ولكنّه لم يتعرّض لتكفير شخص ابن عربي مباشرة)).انتهى فاعترضتَ عليَّ قائلاً : ((بل أفرد شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله رسالة خاصة في الرد على ابن عربي في دعوى إيمان فرعون)).انتهى أقول يا أخ محمد : كلامك غير صحيح ، وهذه الرسالة التي أتيت بها ليست كما تقول! وإنما هي سؤال وجّه إليه فأجاب عنه ، وليس له عنوان خاص. وهذا العنوان إنما هو من وضع بعض المعاصرين! ألم تلاحظ أن اسم ابن عربي لم يرد من أول السؤال إلى آخر الجواب؟ في كل الكلام لم يأت ذكر ابن عربي إلاّ مرّة واحدة تعريضًا عندما قال :""والمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب "فصوص الحكم" وصاحب "الفتوحات المكية" ونحوهم، هم الذين يعظمون فرعون"" فكيف تقول إنّ ابن تيمية أفرد رسالة في الرد على ابن عربي؟؟ والرسالة أمامك وليس فيها التعرض لابن عربي شخصيًا ، وإنما الكلام عام موجّه إلى كل من يقول بإيمان فرعون. لقد قلتُ في كلامي إنّ شيخ الإسلام ابن تيمية رد على ابن عربي من خلال رسائله وفتاويه، لكنّه لم يفرد مؤلّفًا خاصًّا في الرد على ابن عربي. وهذا الكلام صحيح وأنت لم تأت بشيء ينقضه. والمقصود من قولي (جزء خاصّ للرد على ابن عربي) هو مؤلّف يشتمل على التعريف بابن عربي وبيان كل انحرافاته ، والرد عليها وذكر أحوال الرجل وأقوال العلماء فيه والإحاطة بجوانب حياته، ثم الخلوص إلى إطلاق حكم الكفر على شخصه. وهذا ما لم يفعله ابن تيمية. وإنما قام به برهان الدين البقاعي في كتابه (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي). هذا هو محلّ الشاهد من الموضوع ، فإنّ كتاب البقاعي والكلام الذي صدر عنه أشد بكثير من كلام ابن تيمية ، فلو كان هناك حقدٌ أو غيظٌ (مفترض) في قلب الأمير تجاه الذين انتقدوا ابن عربي فسيكون دون أدنى شك موجّهٌ إلى البقاعي مثلاً ، لا إلى ابن تيمية . وكان هذا الكلام مني أثناء معالجتي للموضوع من الناحية المنطقيّة والعقليّة ، والتي تبيّن أن قصة العداء لابن تيمية (المزعومة) غير مقبولة حتى من الناحية الافتراضية ، لأنّ جميع الدلائل لا تساعد عليها. فأرجو أن لا تتوقف كثيرًا عند هذه المسألة قبل أن تثبت فرضية العداء بين الرجلين! وبالمناسبة: فإن وضع العناوين لكتب العلماء أو لرسائلهم أمرٌ دقيق ، لا يقدم عليه إلاّ عالمٌ راسخ يعي ما يقرأ ويدرك مقصود الكاتب. فانظر مثلاً إلى فعل الشيخ عبد الرحمن وكيل عندما غيّر عنوان كتاب البقاعي (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) فجعله (مصرع التصوف)!! ووضع له عناوين للفقرات لا تمت في كثير منها لكلام البقاعي بصلة، بل عكس مراده! وهذا تحوير للتراث وتقوّل على الإمام البقاعي! الذي قال في مقدمة كتابه (تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد): "وهؤلاء الذين اتسموا بسمة الاتحاد، وقد أَلِفَهم الطَّغام من الأنام، لما غرّوهم به من إظهار التصوف، ليأخذوهم من المأمن، وما دَرَوا أن الصوفية أشد الناس تحذيرًا منهم وتنفيرًا للعباد عنهم، فإن المحققين منهم بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة كما نقل القاضي عياض في أوائل القسم الثاني من الشفاء فيما يجب من حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم...." إلى أن قال "وإنما نقلت هذه النبذة الماضية من الشفاء ليعلم أن طريق الفقهاء هي طريق الصوفية، هذا ما بنى عليه الصوفية أمرهم، وأما هؤلاء الذين تشبهوا بهم ونبه العلماء ـ حتى الصوفية ـ على أنهم ليسوا منهم ودلسوا على الناس ولبسوا أحوالهم ليقطعوا الطريق على أهل الله وهم يظهرون أنهم منهم، فأول ما بنوا عليه أمرهم ترك العقل، الذي بنى الله أمر هذا الوجود على حكمه بشرط استناده إلى النقل الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله عليهم الصلاة والسلام لئلا يزل العقل بما يغلبه من الفتور والشهوات والحظوظ وجعل العقل حاكمًا لا يعزل بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات في ملة من الملل ...إلخ".انتهى ثم قال في آخر كتابه السابق وهو يرد على المدافعين عن ابن الفارض: "وإن قالوا أنت تبغض الصوفية، فقل: هذه مباهتة! إنما أبغض مَنْ كفَّره مَنْ أجمعنا على أنهم صوفية، مثل الجنيد، وسري، وأبي يزيد، وأبي سعيد الخراز، والأستاذ أبي القاسم القشيري، والشيخ عبد القادر الكيلاني، والشيخ شهاب الدين عمر السهروردي صاحب العوارف، فإن بعضهم قال: ((طريقنا مشبك بالكتاب والسنة، فمن خالفهما فليس منا))، وبعضهم جعل أثر عمر رضي الله عنه أصلاً، وبنى عليه طريقهم، وبعضهم قال: ((من قال إن الشريعة خلاف الحقيقة فهو زنديق، ومن قال إن المراد بمحبة الله تعالى، ووصوله إليه، غير كمال المتابعة للكتاب والسنة، أو بمحبة الله غير إكرامه بحسن الثواب، فهو زنديق)). إلى غير ذلك مما حدّوه، فتعداه من عاديتمونا بسببهم، بل أنتم بعد بغضكم للصوفية، نابذتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموالاتكم من نابذ شريعته، ونحن نذب عنها، وأنتم تناضلون عمن يهدمها من غير فائدة في ذلك. وتقولون إنهم أرادوا بكلامهم الذي ظاهره قبيح غيرَ ظاهره، ولو قال أحد من الناس لأحد منكم كلمةً توهم نقصًا ـ (كالعِلْق) الذي قال أهل اللغة: إن معناه الشيء النفيس ـ عاداه، وإن حلف له أنه ما قصد ذمًّا، وإن كرر ذلك كانت القاصمة، فتحرر بذلك أن نابذتم أهل الدين من الفقهاء والصوفية المجمع عليهم بالتأويل في جانب الله تعالى، ومنعتم مثله في حقكم، فأفٍ لهذا عقلاً، فكيف بالنظر إلى الدين؟".انتهى وعندما تحدث البقاعي عن عدم جواز التوقف في تكفير أهل الحلول والاتحاد ، تدخّل عبد الرحمن وكيل ووضع هذا العنوان (المتوقف في تكفير الصوفية)!! لكلام البقاعي الآتي : "ولا يسع أحدًا أن يقول أنا واقف أو ساكت لا أثبت ولا أنفي لأن ذلك يقتضي الكفر، لأن الكافر من أنكر ما عُلم من الدين بالضرورة، ومن شك في كُفْر مثل هذا كَفَر! ولهذا قال ابن المقري في مختصر الروضة : (مَنْ شك في اليهود والنصارى وطائفة ابن عربي فهو كافر) ، وحكى القاضي عياض في الباب الثاني من القسم الرابع من الشفاء الإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين".انتهى ؛أرأيت كيف يكون التحريف والتغيير! سادسًا؛ قلتُ في ردّي : [نحن لم نسمع أو نقرأ عن كتاب صنّف لأجل الرّد على ابن عربي غير كتاب الإمام البقاعي (تنبيه الغبي)] فاعترض عليّ الأخ محمد المبارك قائلاً : "بل المؤلفات في الرد على أهل وحدة الوجود كثيرة" عجيب والله! أنا أتحدّث عن شيء خاص: وهو كتاب أُلِّف لغرض واحد وهو الرد على ابن عربي، فيحدثني الأخ محمد عن المؤلّفات التي ترد على أهل وحدة الوجود!!! ليس ذلك فحسب بل راح يعرّفني بابن عربي وبجهود علماء المسلمين في التصدي لتلك العقيدة!!! أقول : يا أخ محمد أرجو أن تتنبّه إلى كلامي جيّدًا ، ولا تبتعد عنه كثيرًا ، أنا لم أتحدّث عن طائفة القائلين بوحدة الوجود لا من جهة التعريف بهم ولا من جهة الدفاع عنهم ولا من جهة ما صُنِّفَ في الردّ عليهم ، حتى تحدثني في اعتراضاتك عن تلك الطائفة وخطرها وموقف علمائنا منها! فليس موضوع الرد الذي كتبتُه الحديث عن تلك الطائفة ولم يكن يهمني الخوض فيه هناك، وإن كنتَ تحب أن تفتح هذا الموضوع معي خارج بحثنا في الأمير ، فهذا ممكن ولكن بعد الفراغ من بحث الأمير. ولكن أن تخاطبني وكأنني أجهل هذا الموضوع أو أقف في صف الوجوديين الضالين!! فهذا ما لا أرضاه منك. وأمّا عن جهود علماء المسلمين في التصدي للقائلين بوحدة الوجود أو الحلول والاتحاد ، فاطمئن يا أخي ، فإنني على اطلاع واسع على أقوالهم وفتاويهم ورسائلهم في هذا الخصوص، وعندي من كلامهم الكثير الكثير مما لا تجده في الكتب التي بين يديك ، أو في الإنترنت وموسوعاتها التي تستعين بها! وكنتُ قد كتبتُ مقالاً عن ابن عربي طلبه مني الإخوة في القسم العلمي بموقع الصوفية، فأرسلته إليهم ، فقاموا باختصاره وصوغه على النحو الذي رأوه يناسب الموقع ثم نشروه من سنوات، ولعلّك اطلعتَ عليه ولكنك لا تعرف من كتبَ أصلَه! في الحلقة الأولى ذكرتُ لك أنّ العلماء تصدوا لابن عربي في كتبهم على اختلاف موضوعاتها سواء الكتب الفقهية أو الحديثية أو كتب التراجم التي ترجمت لابن عربي وانتقدته ، مثل (ميزان الاعتدال) و(لسان الميزان) و(سير أعلام النبلاء) و(العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) لتقي الدين الفاسي، وغيرها من الكتب. وأوردت بعض كلامهم وذكرتُ بعض أسمائهم ، بإيجاز وكل ذلك في معرض توضيح مسألة هامة وهي أنّ كل هؤلاء العلماء كانوا أشد وأقسى في عباراتهم وأحكامهم على ابن عربي ، من الشيخ ابن تيمية رحمه الله. وأنهم كثيرون في كل عصر ، وأن كتاب الإمام البرهان البقاعي هو أوسع وأشد كتاب كُتِب في الرد على ابن عربي ، وأنه كان بحوزة الشيخ محمد نصيف ، وكل تلك الكتب كانت موجودة، فعن أي كتاب كان يسأل الشيخ نصيف؟! وأنتَ لو نظرت في كتاب البقاعي لوجدته لا نظير له في موضوعه، ولم يُسْبق إليه، فقد عالج انحرافات الحلوليين والوجوديين وفصّل القول في ذلك ، وأتى بطامّات ابن عربي التي في الفصوص والفتوحات وغيرها من كتبه، وردّ عليها ففنّدها ، واستشهد بكلام العلماء وأورد فتاويهم في ابن عربي ومن على نهجه، وقعّد القواعد في تكفيره ووجوب ذلك ، وردّ على حجج المدافعين عنه فأسقطها، ولم يدع شاردة ولا واردة تخص الموضوع إلاّ وأتى بها، وجمع كل ما قيل في ابن عربي. فصار كتابه مرجعًا لمن بعده ، وهو إلى اليوم المرجع الأهم والأكبر لكل من يريد الوقوف على حقيقة ابن عربي. ولعلمك أخي محمد فإنّ معظم الكتب التي ذكرتَها في اعتراضك قد ذكرها البقاعي في كتابه وهو أوّل من نبّه إلى بعضها مما لم يُعثر عليه ، والذي جمع تلك القائمة جمعها معتمدًا على كتاب البقاعي. وكذلك أسماء العلماء الذين ذكرتَ أنهم كفّروا ابن عربي فإنّ الذي أوردها وجمعها إنما هو الإمام البقاعي في كتابه ، والكل يقتبس منه ويحيل عليه. والمقال الموجود في موقع الصوفية عن ابن عربي وابن الفارض، هو أوّل محاولة قمنا بها لتفريغ محتوى كتابيّ البقاعي في الرد على ابن عربي وابن الفارض. إذن فكما ترى فإنّ كل ما أتيتَ به وتكثّرت به علينا إنما هو مأخوذٌ من كتاب (تنبيه الغبي) للبقاعي!!! فما جوابك؟ وهل فهمت الآن لماذا أشدد على مسألة تفرّد كتاب البقاعي؟ وعلى كل حال هناك أخطاء يجب أن أنبّهك عليها: · إنّ أسماء العلماء الذين أوردتهم وقلت أنهم كفّروا ابن عربي . هم ليسوا كذلك! فمنهم من كفّر ابن الفارض فقط، ومنهم من ذمّ ابن عربي ولم يكفره، ومنهم من تكلّم بكلام عام في الرجلين ، ومنهم من تكلّم على كتب ابن عربي وحكم عليها دون إطلاق الحكم على شخصه، و... والإمام البقاعي أورد ذلك بأمانة ودقّة. فنقل ألفاظهم بحروفها. أمّا أنت فأطلقت الكلام والأحكام ، ولو طُلِبَ منك أن تسوق كلام كل واحد منهم في تكفير ابن عربي لما استطعت ، وكان مرجعك إلى كتاب البقاعي ولابد! · إنّ الكتب التي أوردتَها هي في الرد على أهل وحدة الوجود بوجه عام كما ذكرت بنفسك ، فلا محلّ لذكرها في اعتراضك عليّ وأنا أتحدث عن الكتب التي ترد على ابن عربي فحسب!! وما يُنسب لشيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الخصوص إنما هي فتاوى وضعها جوابًا على أسئلة وردته أو بيانًا لحقائق عرضت له أثناء بحوثه الكبيرة والقيّمة. وهو لم يفردها كمصنف مستقل أو يضع لها عنوانًا خاصًّا ، وإنما هذا فعل جديد قام به المعتنون بتراثه والناشرون له. ولمزيد من التوضيح أضرب لك مثالاً: ذكرتَ ضمن الكتب كتابًا بعنوان: (الرد على ابن سبعين وابن عربي، لمحمد البساطي).! ومحمد البساطي هو : القاضي المالكي المصري شمس الدين أبو يوسف محمد بن أحمد البساطي ولد (756ـ 842هـ)، له عدّة مصنفات، ونُسِبَ إليه مصنف: شرح تائية ابن الفارض. بيّن فيها أنّ ما يدعو إليه ابن الفارض وينعق به من وحدة الوجود هو كفرٌ محض. وقد ذكر الحافظ السخاوي أنّ ذلك المصنف لم يثبت عنده! قال في ترجمته للبساطي عند ذكر مصنّفاته : ((...وغير ذلك مما لمْ يَظْهَرْ :كمصنفٍ في ابن عربي ، وشرح للتائية والفارضية فيما قيل مما لم يثبت أمرهما عندي)).انتهى أقول : ولكن الأمر الثابت عنه أنّه مع إنكاره على أهل وحدة الوجود والحلول ، كان يرفض التصريح بكفر ابن عربي!! فقد ذكر الحافظ السخاوي : ((أنّ القاضي محمد الدفري المالكي كان ممن قام على بعض معتقدي ابن عربي، واستكثر من الاستفتاء في ذلك، وصار بينه وبين الشمس البساطي وحشة ومخاشنة بسبب امتناع البساطي من الكتابة بتكفير ابن عربي! معلّلاً ذلك بانتقاله إلى الآخرة ونحو هذا ، واستمرّ الدفري قائمًا في ذلك مباينًا للبساطي حتى مات)).انتهى ليس ذلك فحسب ، بل إنّ القاضي البساطي صار بينه وبين العلاء محمد البخاري خصومة ووحشة عندما تباحثا في الوحدة المطلقة ومذهب ابن عربي ، وقد جرى ذلك في القاهرة بمجلس العلاء ثم في حضور (السلطان الأشرف) وكان العلاء ممن كفّر ابن عربي فظهر على البساطي. وعندما كتب الشمس البساطي تقريظًا لكتاب (الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، أجاد فيه ولمح بالحطّ على العلاء البخاري لأجل تجاذبهما في ابن عربي!! ذكر ذلك الحافظ السخاوي. والعلاء محمد البخاري هو من الذين كفّروا ابن عربي وابن تيمية أيضًا، وكذلك فعل تقي الدين الحصني! وبدأ ذلك عندما كان يُسأل العلاء البخاري عن مقالات التقي ابن تيمية التي انفرد بها فيجيب بما يظهر له من الخطأ فيها ويّنفر عنه، إلى أن استحكم أمره عنده فصرح بتبديعه ثم تكفيره ثم صار يصرح في مجلسه بأن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام فهو بهذا الإطلاق كافر! وكان ذلك في مجلسه عندما سُئل عن مسألة الطلاق. فاستنفر حافظ الشام ابن ناصر الدين ونافح عن ابن تيمية في كتابه (الرد الوافر). وهذا أيضًا مما قاله الحافظ السخاوي . إذن البساطي جرت بينه وبين أقرانه خصومات وخشونات لكونه أبى تكفير ابن عربي (مع تشنيعه على مذهبه)، فكيف تجعله يا أخ محمد من الذين كفّروا ابن عربي؟! وتنسب له كتابًا لم يذكره أحدٌ ممن ترجم له؟! مثال ثاني؛ ذكرتَ كتابًا بعنوان: (كشف الغطاء عن حقيقة التوحيد وبيان حال ابن عربي وأتباعه المارقين)، للحسين الأهدل. والأهدل هو :بدر الدين أبو محمد الحسين بن عبد الرحمن بن محمد اليمني الشافعي وهو من أعيان الصوفية في اليمن! المعروف بابن الأهدل المتوفى ببلده سنة 855 هـ . وهو صاحب كتاب (الباهر في مناقب الشيخ عبد القادر - قدس سره) ، وكتاب (الرسائل المرضية في نصر مذهب الأشعرية وبيان فساد مذهب الحشوية)، وله (قصيدة في الحث على تعلم العلم وتعيين ما يعتمد من العلم والكتب في الشرع والتصوف على ذوق ابن عربي)! وله مصنف لطيف بعنوان (كشف الغطاء عن حقائق التوحيد وعقائد الموحدين) ، ورَدَ عنوانه هكذا لا كما ذكرته يا أخ محمد. وهو في كتابه كان يروي وينقل كلام العلماء في ابن الفارض وابن عربي، ويبيّن مراميهم ، ويمكنك أن تراجع كتاب البقاعي لتقف على النقول التي أوردها منه. مثال ثالث؛ ذكرتَ كتاب (تسفيه الغبي في تنزيه ابن عربي)، للشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي. المتوفى : سنة (952هـ)!! وهذا الكتاب ألّفه الحلبي ردًا على كتاب السيوطي (تنزيه ابن عربي)! وهو دليل آخر على عدم صحة ما ذكرته من تراجع السيوطي المتوفى سنة (911هـ)! وأمّا كتاب (الحجة الدامغة لرجال الفصوص الزايغة)، فهو على الأغلب لابن فهد المكي: عبد العزيز بن عمر بن محمد ، (850 ـ 921هـ). وليس لابن المقري. يا أخ محمد : هناك فرق كبير بين بيان موقفك من مذهبٍ ما ورفضك له، وبين تلفيق الكلام عليه دون تثبّت أو برهان! نحن متّفقون في الرد على الحلوليين وأهل الوحدة والتبرّي من معتقداتهم، ولكننا مختلفونا في المنهج! فأنا أعتمد على الكلام الثابت والواضح والمتفق عليه ، دون الزيادة عليه أو النقصان، وفيما ثبت كفاية وغنية. وأرفض إلقاء الكلام على عواهنه، وجمع المعلومات دون تمحيصها ، والاحتجاج بما لا يصلح أو بمن لا يُلتفت إلى كلامه! ولا داعي لأن تعرض عليّ جواب الإمام ابن تيمية في الرد على القائلين بإيمان فرعون ضمن وقفاتك أو استفساراتك! يا أخ محمد ما الخبر؟ تشرح لي عقيدة وحدة الوجود ثم تضع رسالة فرعون ، وبعد ذلك تشرح لي عن ابن عربي وأقوال العلماء فيه...؟! وكأنّك تخاطب صوفيًا من أتباع ابن عربي أو محبّيه!! وإذا كنتَ تجهلني فاعلم أنني مذ كنتُ فتيًّا وأنا أجابه أصحاب هذا المذهب بكل ما أوتيت، وأفضح مخازيهم وأباطيلهم. سابعًا؛ أنت في مقالك "فك الشفرة" شككت بنسب الأمير عبد القادر، وزعمت أنّه ادّعاه ، وأوردتَ له عمود نسب مضحك لم يذكره أحد من المؤرخين أو النسابة، واتهمته بأنه فعل ذلك لأنه يسعى للحصول على القطبية. كل ذلك دون أي بيّنة أو برهان، وإنما مجرّد كلام لا وزن له ولا صدقيّة. وقد أجبتك في ردّي وبيّنتُ لك فظاعة ما ادّعيته واتهمتَ به الأمير. وأثبتُ لك بالدليل القاطع أنّ كتب الأنساب والتواريخ أثبتت نسب آباء الأمير قبل ولادة الأمير بقرون!! وذكرت لك عمود نسبه الصحيح الذي أجمع عليه أهل هذا الشأن. وطالبتك بإثبات دعواك أنّ الأمير كان يسعى للقطبية! وفي إشاداتك (اعتراضاتك) لم أجدك تتراجع عن تشكيكك في نسبه! وإنما اكتفيت بقولك: الناس مؤتمنون على أنسابهم. يا سلام!! يا أخ محمد : هذه المقولة تقال عندما تدخل إلى مدينةٍ ما زائرًا أو عابر سبيل فيسألُك أحدهم من أنت أو من أي العرب أنت؟ فتقول له أنا ابن فلان وجدّي فلان من بني كذا ، وأمي فلانة بنت فلان من بني كذا. فإذا اعترض أحدهم وقال لا نعرف أنّ لفلان ولدًا، أو ليس في بني كذا من اسمه فلان، أو من أشباه هذا الكلام. فحينئذٍ يُقال لذلك المعترض: ألجم لسانك ولا تخض في أعراض الناس ، فالناس مؤتمنون على أنسابهم. ولذلك تفصيل ليس هذا محلّه. ولكن هذه المقولة لا تُقال لمن يزعم أنّه منسوب إلى رجل يفصل بينهما قرون من الزمن! فإذا أتانا اليوم رجل وادّعى أنّه من آل بيت النبي ـ يعني يدّعي نسبًا يعود إلى خمسة عشر قرنًاـ فلا نقبل ذلك منه بدعوى أنّ الناس مؤتمنون على أنسابهم! وإنما لا بد له من إحضار الأدلّة والمواثيق التي تثبت ما يدّعيه. وإنّ الأدلّة المثبِتة لنسب الأمير وأسرته من قبله لآل البيت، هي من الكثرة والقوة والشهرة التي يقلّ نظيرها في أنساب غيره. وإنّ تسلسل آبائه وتراجمهم الموجودة في كل عصر مما يعزّ وجوده عند غيره ممن ينتسبون إلى آل البيت. فبعد كل هذا لا يُقال الناس مؤتمنون على أنسابهم!! بل يُقال أستغفر الله العظيم مما افتريته على هذا الرجل ، ولابد من الإقرار بنسبه، بعد الأدلّة الساطعة بتواتر نسبه. وكذلك لم تأت بأي دليل على دعواك أنه يريد القطبية، وبدلاً من ذلك تمسّكت بقولي "وللفائدة فإن درجة القطبية عند المتصوفة لا يشترط فيها النسب أبدًا ، وهذا معروف في كتبهم الكبرى"، ورحت تسرد لنا مقالاً طويلاً للأخ محمد الصمداني ، لا يصلح للاحتجاج في هذا الخصوص! يا أخ محمد : إذا كنتَ تريد أن تثبت على الصوفية مسألةً فعليك أن تحضرها من كتبهم ، وتستشهد بأقوالهم المعتمدة لديهم، لا أن تعتمد على كلام شخص ليس منهم ومخالف لهم. وأنا عندما حررتُ لك المسألة عندهم كنتُ معتمدًا على كتبهم وكلام علمائهم المحققين. يقول أحد أشهر علماء الصوفية في عصرنا الحديث وهو الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، في كتابه (أولياء وكرامات ـ النقض المبرم لرسالة الشرف المحتم) : تحت عنوان ((فكرة الأقطاب الأربعة لا أصل لها : لقد اشتهر في مصر، فكرة الأقطاب الأربعة، وأنّ السيد البدوي أحدهم. ولا ندري مستندهم في هذه الفكرة، وفي الصوفيّة أقطاب يفوقون هؤلاء الأربعة، مثل سيدي عبد السلام بن مشيش وتلميذه أبي الحسن الشاذلي، وأبي مدين الغوث وتلميذه ابن العربي الحاتمي.....إلى أن قال : ثم كون السيد أحمد البدوي أحد الأقطاب الأربعة، ليس بصحيح، بل هو لم يبلغ درجة القطبانية... ثم قال عن البدوي : إنه مجذوب وليس بقطب)).انتهى ص29 وقال أيضًا : ((والحقيقة أنّ الرفاعي ـ رضي الله عنه ـ لم يثبت له الشرف إلاّ بعد موته بمدّة، حين ظهرت فكرة الأقطاب الأربعة، وكان هو أحدهم، وعزَّ على بعض أتباعه ألاّ يكون شريفًا مثل إخوانه الأقطاب الثلاثة : الجيلي والبدوي والدسوقي، فأُنشِأَ له نسبًا يتصل بالحسين ـ عليه السلام ـ ولكن أبا الهدى الصيادي الرفاعي لم يكتف بهذا، بل أنشأ له نسبًا أيضًا يتصل بالحسن ـ عليه السلام ـ وبذلك صار الشيخ الرفاعي حسينيًا وحسنيًا، وامتاز على زملائه بالجمع بين الشرفين)).انتهى بحروفه ص16 أرأيت يا أخي! إنّ الصوفيّة لا يقولون باشتراط النسب الشريف لنيل درجة القطبيّة ، بدليل أنّ أكبر أقطابهم وأهمّهم ليسوا من الأشراف ولم يُنشئ لهم أحدٌ من الصوفيّة نسبًا إلى الحسن أو الحسين! وأكبر مثال الشيخ محيي الدين ابن عربي الحاتمي، وأبو مدين الغوث ، وأبو العباس المرسي، وابن عطاء الله، وأبو القاسم القشيري ، وأبو بكر الشبلي ، وسيد الطائفة الجُنيد، ... وهذا كلام الغماري الصوفي الصريح في نفي النسب عن القطب الرفاعي ، وفي نفي حصر الأقطاب بالأربعة أصلاً. فكيف تقبل يا أخ محمد أن تعترض على هذا الكلام الصادر من القوم أنفسهم ، بكلام صادر عن شخص من خصومهم وبعيد عن أصولهم؟! مع أنّه في مقاله ساق كلامًا لبعض أعلام الصوفيّة يرد اشتراط النسب الشريف في القطب! فلماذا لم تتنبّه له؟! والكلام الذي استدّل به من كتاب (صحاح الأخبار) إنما هو لأحد الرفاعيّة المتعصّبين للرفاعي، وهذا الكتاب إنما وضعه مؤلّفه لغرض أساسي وهو محاولة إثبات النسب المزعوم لأحمد الرفاعي. وبيّنتُ لك آنفًا أنّ الرفاعيّة هم الذين ابتدعوا واخترعوا شرط النسب الشريف لكي يرفعوا من شأن إمامهم أحمد الرفاعي. ألم تقرأ مقولته السخيفة التي يحاول فيها رفع شأن شيخه الرفاعي فوق الجيلاني : "وقال جماعة : قد يمكن أن يسقط المحاذي الذي ليس بشريف على مرتبة الغوثية ، ويتصرف بمنـزلتها من طريق تسلق المرتبة الصديقية ؛ ولكن يكون ذلك إذا لم يكن في عصره منأهل البيت من تحمل طينته عبء المنـزلة ، فيكون تصرف ذلك الرجل تصرف خلعة لا تصرف مرتبة ، فهو يتصرف بالخلعة التي ألقيت عليه من الغوث الشريف المتوفى والمنخلع عن مرتبة التصرف تمكناً بمحبة الله ، و إعراضاً عن غيره ، كما وقع لسيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه حين نودي للغوثية بعد أن رُفِع له علمها في الأكوان ، فأعرض عن مشغلتها، و تململ على الباب ، وقال : "بالله العفو العفو" ، واتخذ ذريعته لذلك الجد الأعظم صلى الله عليه وسلم ، فقبل الله منه ، وأفرغت عنه الخلعة للشيخ عبدالقادر الجيلي قدس سره ، فتصرف بها مدة حياته حتى مات ، ثم رفع علم الغوثية الجامعة والتصرف المحض للسيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه بإعادة خلعته الأصلية ، فاشتهر بأبي العلمين في الكونين ، وكان لما رفع له العلم الثاني أراد أن يتجرد عن التصرف لربه ، والله تعالى قسم له نيل الوراثة المحمدية أدباً وتصرفاً ، فلما أراد التنصل من المرتبة بالبكاء والتذلل أحاطه نداء الغيب من كل جانب أن تأدب ، فامتثل ، وبقيَ على حاله في منزلته حتى تمكن فيها بالترقي عنها إلى ما هو أعظم منها ، وما من نعمة تفرغ على العبد إلا وفي خزانة الكرم ما هو اعظم وأجل منها".انتهى أرأيت إنّه يريد نفي النسب الشريف عن عبد القادر الجيلاني ، عن طريق إثباته للرفاعي ، والحقيقة أنّ كلاهما لا يصحّ نسبه إلى آل البيت، وهما لم يدّعيا النسب، وإنما ادّعاه المتأخّرون من أتباعهما. إذن فالمسألة خاصّة بالرفاعيّة ، وليست من أصول الصوفيّة المعتمد عليها. ولذلك كان الاعتماد على أقوال المتعصّبين للرفاعي ، خطأً علميًا. هذا فيما يخص مسألة القطبية وادعاء النسب. ثمّ إنّك يا أخ محمد وصفت مقال الأخ الصمداني بأنّه : مقالٌ مدعَّمٌ بالتوثيق وعزو النقول! وهذا صحيح وواضح من خلال الحواشي وأسماء المراجع الكثيرة التي لم يكن لها أي وجود في مقالك "فك الشفرة" ، ولكن هذا لا يجعل من المقال مرجعًا يحتجّ به بوجه عام في كل ما جاء به! وللعلم فإنني وقفتُ على مقال الأخ محمد حسين الصمداني من أربع سنوات ، وسجّلتُ ملاحظاتي على المقال، الإيجابيّة والسلبيّة، وأرسلتها للأخ الصمداني، فاتّصل بي هاتفيًّا ، وأبدى سروره برسالتي وملاحظاتي على مقاله، وكان غاية في اللطف والأدب والدماثة، وجرت بعد ذلك عدّة مراسلات بيني وبينه، وقد تقبّل نقدي بصدر رحب ، ورجع عن الأخطاء التي نبّهته عليها، وأبدى عذره في سبب وقوع ذلك منه، وهذا من إنصافه ، وأنا أثمّن له موقفه، وأعربَ عن سروره بثبوت نسب الأمير وعدم صحة ما توهّمه، وطلب مني أن أكتب بحثًا مفصّلاً في هذا الخصوص لينشره في موقعه الخاص، كي يتبيّن للقرّاء الصواب من الخطأ! ولكن يبدو أن ما يُنشر في الإنترنت يبقى ما بقيت الإنترنت!! وأنا لا أريد أن أذكر مؤاخذاتي على مقال الأخ الصمداني ضمن هذا الجواب ، ولكن أنا مضطر إلى الإشارة لبعضها لك حتى تتبيّن الحق. فمن ذلك أنه اعتمد على كتاب (سيرة الأمير عبد القادر) الذي حققه الدكتور يحيى بوعزيز ، في نسبة الأمير إلى عبد القادر الجيلاني، وهذا الكتاب عند المحققين إنما هو من وضع أحد الفرنسيين، لذلك وردت فيه أخطاء ومغالطات كثيرة، ومنها مسألة عمود النسب والانتساب للجيلاني. والأستاذ بوعزيز لا علم له بالأنساب لذلك لم يتنبّه إلى ذلك. وكذلك أخطأ في مسألة عمود النسب الخاص بالأمير ، والتبس عليه الأمر. ولكنني يا أخ محمد قد بيّنتُ لك تفاصيل الموضوع بدقة، فلماذا تتركها وتعود إلى كلام لآخرين وقعوا في نفس خطئك؟ وأذكّرك بما رواه الأخ الصمداني في مقاله عن شيخ الإسلام ابن تيميّة أنه قال : ((…الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه، وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى ، وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه ، وله هذه الشهرة ، لم يمكنه ذلك ، فإنَّ هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلمآء )).انتهى وهل أعجبتك القصّة التي جاءت في أوّل المقال؟ :مدخل صوفي يدعي النسب أمام الحجرة النبوية " .. أخبرني شريفٌ حسيني بأنه توجه لحج بيت الله الحرام و زيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام ، لا حرمنا الله وسائر المسلمين من التوجه لتلك البقاع الشريفة المعظمة المطهرة المنيفة ، وصادف الحال في تلك السنة أن سافر بقصد الحج السيد محمد ... ، المدرس بكلية القرويين ، واجتمع الشريف الحسيني المغربي مع أشرقي المذكور بالمدينة المنورة بباب الحجرة النبوية ؛ فالشريف المذكور كان يتكلم مع أحدٍ بباب الحجرة الشريفة ، و أشرقي المذكور كان يتكلم مع شريف من شرفاء المدينة المنورة ، إذ قال أشرقي للشريف الذي كان يتكلم معه : " نحن شرفاء أبناء عمكم " ، و سمعه الشربف الحسيني المغربي ، الذي قال لي :" والله ما تم كلامه حتى عاقبه الله على قوله ، و مرض، و سافر من المدينة المنورة إلى هذه الحضرة ، ولا زال بها مريضاً".انتهى لأنني لم أجدك علّقت عليها ، وأنت الذي تنتقد قصص الصوفيّة الخرافية والباردة! لقد كتبتُ عشر صفحات في نقدي لبعض ما ورد في هذا المقال، ولكنني لا أرغب في نشرها كي لا يُساء فهمي، ويتحوّل ردّي عليك إلى رد على الأخ الصمداني. وإذا كنتَ حريصًا على معرفة مواضع الخلل في ذلك المقال ، فيمكن أن أرسله لك خاصّة. وختامًا أقول: لقد أجبتك منذ الآن على جميع اعتراضاتك أو وقفاتك ، وعالجتُ هذه المطوّلات التي أرهقتني بها ولم تُكلّف نفسك عناء التمحيص فيها، لكي تعلم أنني لن أجيب على اعتراضات من هذا القبيل مرّة أخرى، ولستُ مستعدًّا لإضاعة المزيد من الوقت في تتبع غرائبك التي تجمعها من هنا وهناك. أمّا إذا كانت لك استفسارات عن موضوعنا الأصلي وهو الأمير عبد القادر، أو أتيت بإثباتات حقيقيّة بخصوص التهم التي وجّهتها إليه، فلا مانع عندي من معالجتها. والله يعلم أنني في كل ما قلته في جوابي هذا كنت أريد به النصح لك ولجميع من يكتب وينشر، كي لا ينساق وراء كل ما يقرأه أو تقع عليه عيناه فيصدقه ويعتمد عليه دون أدنى بحث أو تمحيص أو تحقق؛ ولا أريد به الإساءة إلى أحد أو النيل من أحد ، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، وأن يجعلنا من الوقافين عند حدود الله، والراجعين عن الخطأ. وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وحسبي الله عليه توكلت وإليه أنيب. خلدون بن مكّي الحسني