تراث الشيخ خلدون الحسنيأرشيف رقمي لآثاره العلمية

الإمام مالك والمسح على الخفين

النص كامل نشره وقدّم له 15 يناير 2007م 9 دقيقة قراءة · 1,669 كلمة
تعريف موجز من إعداد الأرشيفيقدّم الشيخ بكلمة قصيرة بحثًا لعبد العزيز محي الدين الجزائري يزيل إشكال ما ورد في بعض كتب المالكية من أنّ مالكًا لا يرى المسح على الخفين مع كونه من رواة أحاديثه. والبحث يناقش رواية المنع مطلقًا ورواية المنع في الحضر، معتمدًا على المدونة والمنتقى والاستذكار والبيان والتحصيل، وينتهي إلى أنّ مالكًا استقرّ على جواز المسح في الحضر والسفر. ولا يتجاوز كلام الشيخ نفسه الفقرات الخمس الأولى.
ملاحظة: الدراسة لعبد العزيز محيي الدين الجزائري، وكلام الشيخ منها هو التقديم في أولها.

1أيها الإخوة السلام عليكم

2قد يُشكل على البعض عندما يقرأ في بعض كتب المالكية أن الإمام مالكا كان لا يرى المسح على الخفين

3والمسح على الخفين متواتر، والإمام مالك أحد رواة هذا الحديث، فما حقيقة الأمر؟

4للإجابة عن هذا الإشكال قدّم الأخ الطيب الشيخ عبد العزيز محي الدين الجزائري هذا البحث المفيد

5وأدعكم مع البحث.

6الإمام مالك والمسح على الخفين

7*للشيخ عبد العزيز محي الدين الجزائري

8بسم الله الرحمن الرحيم

9إنَّ المسح على الخفين من المسائل المجمع عليها بين علماء الأمة، فلا تفتح كتاباً من الكتب التي اعتنت بمسائل الإجماع إلا وتجده ينص عليها [1]؛ إذ بلغت الأحاديث التي نصت على المسح على الخفين مبلغ التواتر، فلذلك تجد معظم كتب السنة لا تخلوا أبواب كتبها من باب " المسح على الخفين "، وما ذلك إلا لكثرة الرواة الذين رووا هذا الخبر الذي هو كالغرة في جبين الفرس فقد ُذكر عن الحسن البصري أنه قال: ((حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين)) [2]، ولم يقتصر الأمر على كتب الحديث بل حتى كتب العقيدة تجدها تنص عليه في جملة المسائل العقدية؛ إذ أصبح شعاراً لأهل السنة به يتمايزون عن أهل الطوائف الضالة.

10والإمام مالك رحمه الله، من جملة المحدثين الذين رووا أحاديث المسح على الخفين، وموطؤُه أكبر شاهدٍ على ذلك إلا أن هناك بعض الروايات نقلها الأصحاب عن الإمام مالك تفيد أنه كان لا يرى المسح على الخفين، فهل هذا من الإمام مالك - رحمه الله - إنكار للمسح على الخفين؟ هذا ما أريد أن أجيب عنه من خلال هذا البحث.

11وقد قسمته إلى مطلبين أحدهما تكلمت فيه عن موقف الإمام مالك من المسح في السفر والحضر، والآخر تكلمت فيه عن موقف الإمام مالك من المسح في الحضر، وختمت البحث بخاتمة بينت فيها ما استقر عليه الإمام مالك في هذه المسألة.

12الإمام مالك وموقفه من المسح على الخفين في الحضر والسفر:

13روي عن الإمام مالك أنه قال: ((لا يمسح المقيم ولا المسافر)) [3]، ظاهر هذه الرواية يدل على أن الإمام مالكاً يمنع المسح على الخفين، ومعنى المنع أن الخبر الوارد في المسح على الخفين لم يثبت عند الإمام مالك أو ثبت عنده إلا أن ثمت معارض عارض به هذا الخبر، وقد جنح الشيخ أبو بكر الأبهري إلى هذا الأخير عندما حاول أن يجد تأويلاً لهذه الرواية، وهذا المعارض من وجهة نظره هو النسخ، فأحاديث المسح على الخفين منسوخة بآية الوضوء [4]، وهذا التوجيه والتأويل من الشيخ أبي بكر الأبهري يصطدم بحديث جرير الذي قال فيه: (( .... رأيت رسول الله r بال ثم توضأ، ومسح على خفيه)) [5]، وإسلام جرير t كان بعد نزول سورة المائدة، وهذا يعني أن احتمال النسخ غير وارد البتة.

14ويبدو أن هذه الرواية قد شكك في صحتها كثير من محققي المذهب وجهابذته وفي مقدمتهم الشيخ أبو بكر الأبهري الذي قال - عند تأويله لهذه الرواية -: (( .... فإن صحت هذه الرواية .... )) [6]، ولعل الحافظ ابن عبد البركان يعنيها عندما قال: (( .... رواية أنكرها أكثر القائلين بقوله .... )) [7]، ووصفها بأنها شديدة النكارة [8]، وذهب الحافظ أبو العباس القرطبي إلى أنها غير صحيحة (ورواية ابن وهب التي صحت تدفعها) وتخالفها مخالفة ظاهرة [9].

15ورواية ابن وهب التي أشار لها الحافظ أبو العباس هي ما رواه ابن وهب عن الإمام مالك أنه قال: ((لا أمسح في حضر ولا في سفر)) [10]، فهذه الرواية صححها غير واحد من نقاد المذهب ومحققيه، ومن بينهم الحافظ أبو العباس القرطبي [11].

16وظاهر الرواية - كما هو ملاحظ - أن الإمام مالكاً ترك المسح على الخفين في خاصة نفسه، ولم يفت بمنعه على الغير، ((وقد يترك العالم ما يفتي بجوازه)) [12]، ولهذا نجد الإمام المازري عند تأويله لهذه الرواية يجنح إلى أن الإمام مالكاً اختار لنفسه الغسل على المسح، وإن كان يرى جواز المسح على الخفين [13]، وهذا مثل ما أثر عن بعض الصحابة أنهم كانوا يفضلون الغسل [14].

17ومما يدعم هذا التوجيه لقول الإمام ويقويه ما رواه ابن نافع عن الإمام مالك انه قال ((المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح يقين لا شك فيه إلا أني كنت آخذ نفسي بالطهور فلا أرى من مسح مقصراً فيما يجب عليه ورأى المسح قوياً والصلاة تامة)) [15].

18وكذلك ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون و مطرفاً أنهما قالا: ((لم يختلف فيه أهل السنة وما علمنا مالكاً ولا غيره من علمائنا أنكر ذلك في الحضر والسفر)) [16].

19هذا كله يؤكد بطلان الرواية الأولى وشذوذها! فلهذا نجد المالكية لا يعرجون عليها ولا يذكرونها في كتبهم إلا نادراً.

20موقف الإمام مالك من المسح على الخفين في الحضر:

21وردت عن الإمام مالك في مسح الخفين للمقيم روايتان إحداهما المنع من المسح، والثانية إجازة المسح.

22فالرواية الأولى رواها ابن القاسم عن الإمام مالك، جاء في المدونة: ((قال [أي ابن القاسم]: وقال مالك: لا يمسح المقيم على خفيه ... )) [17].

23ووجود هذه الرواية في المدونة، وكونها من رواية ابن القاسم يجعلها في أعلى درجات القوة والقبول عند المالكية! فلهذا نصوا عليها في كتبهم [18]، ونصروها بالأدلة العقلية.

24ومن استدلالهم لهذا القول هو أن المسح أبيح لضرورة السفر الذي غالباً ما يكون مصحوباً بالمشقة، وكذلك فإن السفر يفارق الحضر بكثرة الرخص التي خص بها، فتجد الشارع قد خصه بالقصر، والفطر بالنسبة للصائم، والتنفل على الدابة وما شابه ذلك [19].

25ولكن هذا الدليل العقلي يتهاوى أمام الأحاديث الصحيحة التي تثبت المسح في الحضر؛ فلهذا نجد الحافظ ابن عبد البر يعلق على هذا الاستدلال بقوله: (( .... وهذا ليس بشيء؛ لأن القياس والنظر لا يعرج عليه مع صحة الأثر)) [20].

26ولماذا كان لا يعتد بهذا القياس؟؛ لأنه قياس في مقابلة النص، ومن ثم فهو فاسد الاعتبار.

27ومن جملة هذه الأحاديث حديث علي بن أبي طالب t الذي قال فيه: ((جعل رسول الله r ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم)) [21]، وحديث حذيفة الذي قال فيه: ((كنت مع النبي r فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ، فمسح على خفيه)) [22]، وإضافة السباطة [23] إلى قوم تدل على أن رسول الله r كان في الحضر، ومما يؤكد هذا ما رواه ابن عبد البر بسنده إلى حذيفة أنه قال: ((كنت أمشي مع النبي r بالمدينة فانتهى إلى سابطة قوم .... )) [24].

28هذه الأحاديث وغيرها تقوي ما ذهب إليه الإمام مالك في الرواية الثانية من إباحة المسح في الحضر وأكبر شاهد على هذه الرواية موطؤه الذي عقد فيه باباً خاصاً للمسح على الخفين، وأورد فيه عدة أحاديث تدل على المسح في الحضر منها: ((أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص، وهو أميرها فرآه عبد الله ابن عمر يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه .... فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الخفين، وهما طاهرتان، فامسح عليهما)) [25].

29فإنكار ابن عمر على سعد يدل على أن المسح كان في الحضر، وهذا ما توضحه رواية ابن جريج عن نافع الذي جاء فيها: (( .... وهو مقيم بالكوفة .... )) [26].

30فوجود هذا الحديث وغيره في الموطأ يزيد الرواية ثقلاً في ميزان الترجيح عند علماء المذهب، ويصيرها راجحة ومقدَّمة على غيرها، وهذا ما جعل القاضي أبو الوليد الباجي يجزم بأن هذا القول هو الذي رجع إليه الإمام مالك [27].

31الخاتمة

32مما سبق يتبين أن الإمام مالكاً استقر رأيه في مسألة المسح على الخفين على إجازة المسح في الحضر والسفر [28]، وأن الروايات التي وردت عن الإمام مالك تمنع المسح على الخفين مطلقاً أو تمنعه في الحضر أو ما ظاهرها إنكار المسح يردها موطؤه الذي نقله الجم الغفير من الرواة، والذي عكف عليه ينقحه ويدرّسه إلى أن فارق هذه الحياة.

33ويردها كذلك تلك الروايات التي نقلها عنه أصحابه الذين لازموه وشاهدوا أحواله ومات بين أظهرهم، ورواية ابن نافع المدني الذي لازم الإمام مالكاً ردحاً من الزمن ترسخ هذه الحقيقة، وخصوصاً عندما نعلم بأن الإمام مالكاً قال ذلك الكلام، وهو يجود بروحه [29]، وهذا ما حدا بابن رشد أن يجزم بأن: ((الصحيح من مذهب مالك إجازة المسح في السفر والحضر، فهو مذهبه في موطئه وعليه مات)) [30].

34هذا ما تيسر لي جمعه في هذا الموضوع، وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين.

35وكتبه عبد العزيز محي الدين

36دمشق في 26/محرم/1426 ه

37الموافق لِـ 7/مارس/2006 م


[1]- انظر على سبيل المثال كتاب الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان: 1/ 223.

[2]- فتح الباري: 1/ 306.

[3]- المنتقي للباجي: 1/ 77.

[4]- انظر: المنتقي: 1/ 77.

[5]- أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، (إكمال المعلم بفوائد مسلم).

[6]- المنتقى: 1/ 77.

[7]- الاستذكار: 1/ 258، ويقصد الحافظ ابن عبد البر ((بقوله ... )) أي الإمام مالك رحمه الله.

[8]- انظر الاستذكار لابن عبد البر: 1/ 260.

[9]- انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي: 1/ 527.

[10]- النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني: 1/ 93.

[11]- انظر: المفهم: 1/ 527.

[12]- الذخيرة: 1/ 313.

[13]- انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض: 2/ 80.

[14]- انظر الاستذكار لابن عبد البر: 1/ 260.

[15]- البيان والتحصيل لابن رشد: 1/ 84.

[16]- النوادر والزيادات: 1/ 94.

[17]- المدونة: 1/ 49.

[18]- انظر: المعونة: 1/ 135، والإشراف: 1/ 131 - 132.

[19]- انظر إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، والإشراف للقاضي عبد الوهاب: 1/ 131 - 132.

38وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر أن بعض المالكية استدلوا بحديث شريح ابن هانئ الذي قال فيه: ((أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب! فإنه كان يسافر مع رسول الله r فسألناه فقال: جعل رسول الله r ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم))، انظر الاستذكار: 1/ 261 - 262 وفي هذا الذي ذكره الحافظ ابن عبد البر نظر، وذلك أنني بحثت في المراجع التي هي مظانَّ الأدلة في الفقه المالكي فلم أجد من يستدل بهذا الحديث لنصرة المسألة! بل كل ما وجدته هو اقتصارهم على الدليل العقلي فقط، وكذلك فإن الحديث فيه الدليل على المسح في الحضر فكيف يستدلون بدليل يكون عليهم لا لهم، والغريب أن ابن عبد البر وصف من استدل بهذا الحديث في هذه المسألة بأنه لم يمعن النظر، وتساءل قائلاً: (( .... فكيف يسوغ لعاقل أن يحتج بحديث موضع الحجة منه عليه لا له))، التمهيد: 4/ 393.

[20]- الاستذكار 1/ 262.

[21]- أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين (إكمال المعلم).

[22]- أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين (إكمال المعلم).

[23]- السباطة: المزبلة.

[24]- التمهيد: 4/ 394.

[25]- أخرجه الإمام مالك في موطئه، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين.

[26]- التمهيد: 4/ 392.

[27]- انظر: المنتقي: 1/ 77.

[28]- انظر: شرح البخاري لابن بطال: 1/ 304.

[29]- انظر: البيان والتحصيل: 1/ 84.

[30]- البيان والتحصيل: 1/ 83.

المصادر والنسخ

مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.

1

أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة موضع النشر الأول

باسم: «أبو إدريس الحسني» 15 يناير 2007م

من أرشيف ملتقى أهل الحديث (تصدير المكتبة الشاملة)، بحسابه «أبو إدريس الحسني».

طريقة الإحالة

عبد العزيز محيي الدين الجزائري — نشره الشيخ وقدّم له. «الإمام مالك والمسح على الخفين». أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة، 15 يناير 2007م. ضمن: تراث الشيخ الدكتور محمد خلدون مكي الحسني الجزائري، https://www.khaldunalhasani.com/athar/malik-wal-khuffayn.

آثار ذات صلة