تراث الشيخ خلدون الحسنيأرشيف رقمي لآثاره العلمية

جوابه في موضوع: «حكم ترتيل القنوت»

الإسرار بدعاء القنوت والنهي عن التطريب فيه

النص كامل منشور بحسابه 16 أكتوبر 2005م 4 دقيقة قراءة · 796 كلمة
تعريف موجز من إعداد الأرشيفيقرّر الشيخ أنّ الأصل في دعاء القنوت الإسرار والتضرّع لا الترتيل والتطريب، ناقلًا مذهب مالك وأبي حنيفة في الإسرار، وقول الشافعية بالجهر دون جهر القراءة، وكلام ابن حزم والنووي عن الغزالي، والمدونة والطرطوشي وابن الحاج في المدخل. ويفرّق بين تحسين الصوت بالقرآن وبالدعاء، وينتقد أئمة يخالفون مذاهبهم في رمضان فيطيلون القنوت ويجهرون به إرضاءً للناس، مستشهدًا بحديث «يعتدون في الطهور والدعاء».
السؤال أو الموضوع الذي أجاب فيه — كتبه ابن أبي حاتم، 6 نوفمبر 2002مأيها الأخوة في هذا المنتدى .. من المسائل التي عمت وطمت أن كثيرا من الأئمة يرتلون الدعاء مع أنه إضافة وصف للعبادة لم يأت في التشريع .. أرجو منكم إثارة الموضوع .. والله يحفظكم

1أيّها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

2فقد اطّلعت على نقاشكم اللطيف، ووجدّت أنّكم تعدّون دعاء قنوت الوتر سنّة مؤكّدة، كما جاء في مختصر علل العتيبي لابن أبي حاتم بتحقيق الأزهري السلفي، ثمّ أشكل عليكم ترتيل هذا الدعاء أو التطريب به.

3فقلتُ في نفسي لعلّي أن أضعَ بين يديّ الإخوة بعض الأمور التي قد تساعدهم في ترجيح ما هو صواب. فأقول:

41ـ صفةُ دعاء القنوت بوجهٍ عام عند الإمام مالك وأبي حنيفة أن يكون سرّياً لا جهرياً.

5لأنّ الله تعالى يقول: (ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفية إنّه لا يحبُّ المعتدين).

62ـ وأمّا الشافعيّة فعندهم قولان الأوّل أنّه سري والثاني أنّه جهري وهو المشهور في المذهب ومع ذلك فأصحاب القول الثاني يقولون:إنّ الإمام يجهر به، ولكن الجهر به دون الجهر بالقراءة.

7كما لا يجوز الإطالة به أكثر من قدر الفاتحة، فإن أطال بطلت صلاته!

83ـ وقال الإمام ابن حزم أثناء انتصاره لمشروعيّة القنوت:

9((مع أنّ القنوت ممكن أن يخفى؛ لأنّه سكوتٌ متّصل بالقيام من الركوع، لا يعرفه إلاّ من سأل عنه، وليس فرضاً فيعلمه الناس ولا بد.)) انتهى

104ـ وذكر النووي في الأذكار من آداب الدعاء نقلاً عن الغزالي:

11(( .. الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر. والخامس أن لا يتكلّف السجع وقد فُسّر به الاعتداء في الدعاء، والأَوْلَى أن يقتصر على الدعوات المأثورة، فما كلُّ أحدٍ يُحسِن الدعاء فيُخاف عليه الاعتداء. وقال بعضهم: اُدع بلسان الذلّة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق.)) انتهى

125ـ وقال مالك في المدوّنة: الأمر في رمضان الصلاة وليس بالقصص في الدّعاء.

13قال الطرطوشي رحمه الله فقد نهى مالك أن يقُصَّ أحدٌ بالدّعاء في رمضان وحكى أنّ الأمر المعمول به في المدينة القراءة من غير قصص ولا دعاء.

14وروى ابن القاسم أيضاً عن مالك أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلاً قائماً يدعو رافعاً يديه، فأنكر ذلك وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود. قال مالك التقليص رفعُ الصوت بالدعاء ورفع اليدين.

15وقال ابن الحاج في "المدخل" معلّقاً على ما سلف: فإذا تقرر هذا من مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى فاعلم أنّ الكراهة المذكورة محمولة على الجهر ورفع الصوت في جماعة، وأما الدعاء في السر فهو جائز أو مندوب بحسب الحال، وعلى هذا درج السلف والخلف رضي الله عنهم.

16ثمّ قال وهو يتكلّم على الأدعية التي يفعلونها عند ختم القرآن في رمضان .... وهذا ضد ما يفعلونه في هذا الزمان عقب الختم من قراءة القصائد والكلام المسجّع حتى كأنه يشبه الغناء لما فيه من التطريب والهنوك وخلوّه من الخشوع والتضرّع والابتهال للمولى الكريم سبحانه وتعالى، قال عزّ وجل في كتابه العزيز {أمّن يُجيب المضطرّ إذا دعاه} ولم يقل أمّن يُجيب القوَّال. انتهى

176ـ وقد قال مالك رحمه الله في القوم يقدّمون الرجل ليُصلي بهم لحسن صوته؛ إنّما يقدّمونه ليُغنّي لهم.

18وهذا إذا كان على ما يُعلم من التطريب في القراءة ووضعها على الطرائق التي اصطلحوا عليها التي تشبه الهنوك، وأمّا لو قدّموه لدينه وحسن صوته وقراءته على المنهج المشروع فلا شك أن هذا أفضل من غيره. انتهى (المدخل لابن الحاج المالكي)

197ـ وأما بخصوص تشبيه تحسين الصوت في الدعاء بتحسينه في القراءة فهذا مُشكل!!

20لأنّ تحسين الصوت في القراءة له عدّة أسباب لا توجد في الدعاء.

21فمن ذلك أنّ القراءة تكون بالقرآن والواجب أداء القرآن مرتّلاً والواجب تحسين الصوت فيه لأنّه كلام الله، وهكذا أُمرنا.

22ثمّ إنّ تحسين الصوت بالقرآن إنّما هو في القراءة الجهرية كما هو معلوم، وهذا فيه الامتثال للأمر الأوّل، وفيه شدٌّ للمأموم للإنصات والتدبر فيما يسمع.

23في حين أنّ الأصل في الدعاء الإسرار والتضرّع وهو من كلام العبيد عند لجوئهم لربّهم الكريم، ولم نُؤمر فيه بتحسين الصوت ورفعه (لأنّ الدّاعي مضطر) بل أمرنا بخفضه وإسراره.

24ثمّ إنّ مسألة تحسين الصوت بالقرآن عند القراءة جرى فيها خلاف كبير بين العلماء، والراجح عندهم هو عدم جواز القراءة بألحان العجم والفسقة، والتمطيط. بل إنّهم لم يُجيزوا أن يُأذّن بالألحان.

25والملفت للنظر! أنّه في أيّامنا هذه نجد الكثير من أتباع المذاهب والمتعصّبون لها، يُخالفون مذاهبهم في مسألة القنوت. فمثلاً نجد الإمام الحنفي؛ الذي يصرّ في دروسه على أنّ القنوت قبل الركوع ولا يُجهر به ويقيم الأدلّة لبيان بطلان ما قاله الشافعيّة وغيرهم؛ في شهر رمضان يخالف مذهبه الذي كان بالأمس ينتصر له فيقنتُ بعد الركوع ويجهر به ويطيل الدعاء!! فلماذا؟؟

26لقد بات من الواضح أنّ الكثير من الأئمة في زماننا صاروا يراعون في تصرفاتهم ما يُرضي الناس ويعجبهم، أكثر من مراعاتهم وجوب فِعلِ الأصوب!!

27أليس من العجيب أن تستغرق صلاة الوتر ثلاث ركعات مع الإمام عشر دقائق مثلاً، ثمّ هو يقف في آخر ركعة ليقنت فيستغرق معه الدعاء عشرين دقيقة!!

28وقد صحّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: ((إنّه سيكون في هذه الأمّة قومٌ يَعتَدون في الطّهور والدّعاء))

29انظر كيف جمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بين الطهور والدعاء! وهذا مما يساعد في فهم المراد.

30فقوله يعتدون أي يتجاوزون الحدّ الذي شُرِّعَ لهم.

31ففي الطهور يكون الاعتداء بالزيادة على الثلاث، وإسراف الماء، والمبالغة في الغسل إلى حدّ الوسواس ...

32وأمّا في الدعاء فيكون برفع الصوت، والصياح، والدعاء بما لا يجوز، وتكلّف السجع، والتطويل، والتطريب ....

33هذا ما يحضرني الآن ولعلّه يكون مفيداً للإخوة أثناء بحثهم في هذه المسألة، والسلام عليكم.

المصادر والنسخ

مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.

1

أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة موضع النشر الأول

باسم: «أبو إدريس الحسني» 16 أكتوبر 2005م

من أرشيف ملتقى أهل الحديث (تصدير المكتبة الشاملة)، بحسابه «أبو إدريس الحسني».

طريقة الإحالة

الحسني، محمد خلدون بن مكي. «جوابه في موضوع: «حكم ترتيل القنوت»». أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة، 16 أكتوبر 2005م. ضمن: تراث الشيخ الدكتور محمد خلدون مكي الحسني الجزائري، https://www.khaldunalhasani.com/athar/ahl-answer-qunut.

آثار ذات صلة