بسم الله الرحمن الرحيم
1الحمد لله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على آل إبراهيم، أمّا بعد:
2فقد طلَبَ مني أحد الأحباب أن أقرَأَ النقاش الدّائر بين الأخ حنبل والأخ حارث همّام، وأنّ أُعلّقَ عليه بخصوص بعض النقول عن الإمام مالك رحمه الله، فاستجَبْتُ لطلب هذا الأخ الحبيب وقَرَأْتُ الموضوع كاملاً، وكنتُ أودّ أنْ أُعلّق على الموضوع كاملاً، ولكن أسألُ الله تعالى أن يُبارك في أوقاتنا، وعلى كلّ حال ما لا يُدرَك جُلّه لا يُترك كلّه.
3أقول بدايةً: إنّ ما قاله الأخ حارث من ضرورة التّحري الدقيق قبل الإقدام على الطعن بمسلمٍ ما، هو كلامٌ صحيح ويجب الانضباط به، فحُرْمَةُ المسلم عظيمة ولا يجوز التهاون فيها، وهذا أصلٌ ينبغي أن نستحضره في أذهاننا دائماً.
4وكذلك فإنّ ما قاله الأخ حنبل من ضرورة بيان انحرافات البعض (الصوفيّة)، والتّأسي بأئمّة المسلمين في التحذير من تلك الانحرافات وأصحابها، هو كلامٌ صحيح ويجب على أهل العلم العمل به، وإلاّ ضاعَ الحق والتبسَ بالباطل. ورَحِمَ الله الإمام يحيى بن معين فقد سألَه حمّاد بن زيد (الإمام) وقال له:" إنَّ فلاناً يُكثر الكلام في الرجال أليست غِيبَة؟؟ فقال ابن معين: يا أحمق هذا دِيْنٌ وتَرْكُه مُحَابَاة ". {يقصد ترك الكلام في الرجال بالجرح والتعديل}.
5ـ إنّ النصوص التي ذَكَرها الأخ حنبل نقلاً عن الأئمّة المتقدّمين هي نصوص صحيحة ثابتة مستفيضة في كتب العلماء ولا داعي للتكلّف في ردّها أو تقييدها بقيود لم يذكرها أصحابُ تلك النصوص.
6فكل النصوص المنقولة عن الإمام الشافعي رحمه الله مُسنَدَة وصحيحة ومستفيضة في كتب أتباع مذهبه وغيرهم فقد ذكرها البيهقي في كتابه مناقب الشافعي، وابن حجر في كتابه توالي التأسيس في معالي محمد بن إدريس، وعبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي في كتابه مناقب الشافعي، وغيرهم.
7وهي نصوص واضحة وعامّة ومطلَقة لم يُقيّدها الشافعي ولا أحد من أصحابه، فلماذا يريد الأخ حارث أن يخصصها بأقوام دون أقوام ويصرفها عن شمولها الذي أراده الشافعي؟
81ـ روى البيهقي في مناقب الشافعي 2/ 208: عن يونس بن عبد الله الأعلى يقول: سمعت الشافعي يقول: لو أن رجلاً تصوَّف من أول النهار لم يأت عليه الظهر إلا وجدته أحمقَ
92ـ عن الرَّبيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول:
10ما رأيت صوفياً عاقلاً قط إلا مسلم الخوَّاص.
113ـ وعن إبراهيم بن المولد يحكي عن الشافعي أنه قال:
12لا يكون الصوفي صوفياً حتى يكون فيه أربع خصال كسولٌ أكولٌ نؤوم كثير الفضول.
134ـ وروى ابن الجوزي في تلبيس إبليس صـ 371 عن الشافعي قوله:
14"ما لزم أحدٌ الصوفيين أربعين يوماً فعاد عقلُه أبداً.
15أليست هذه النصوص واضحة ودالّة على أنّ مراد الشافعي هو ذم طائفة الصوفيّة جميعها؟ وأنه إذا كان هناك ثَمَّ استثناءٌ فإنه يستثنيه كما في قوله: ما رأيت صوفياً عاقلاً قط إلا مسلم الخوَّاص!!
16فللإنصاف أقول: إنّ ردَّ الأخ حارث لهذه النصوص غير مقبول من الناحية العلمية، وفيه تحكّم واضح بكلام الإمام. ولا أدري لماذا أثبتَ قول الشافعي في "التغبير" دون باقي الأقوال؛ هل لأنّ ابن تيمية ذكره فرضي به الأخ حارث؟؟
17وأمّا القصّة التي ذَكَرها القاضي عياض في كتابه" ترتيب المدارك " والتي فيها استنكار الإمام مالك لأفعال شيوخ الصوفيّة الذين أُخبِرَ عنهم، فهي قصّة ثابتة عن الإمام مالك بدون أدنى شك، وقد ذكَرَها الكثير من العلماء المالكيّة في كتبهم واستندوا إليها في فتاويهم، وثبوتها مماثلٌ لثبوت كل ما رُوي عن مالك من أقوال وفتاوى وفِقه. والذي يريد إنكارها يلزمه إنكار كل أقوال وفقه مالك رحمه الله!! وإنّك إذا نظرتَ في فتاوى العلماء المالكيّة وجدّتهم يستشهدون بهذه القصة على الفور لأنّهم يعدّونها من المسلّمات في المذهب. فقد سُئلَ فقيهُ بجاية وصالحها أبو زيد سيّدي عبد الرحمن الواغليسي عن مثل هذا السؤال.
18فأجابَ عنه بما نصّه:
19" قد نصَّ أهلُ العلم فيما ذكرتَ منْ أحوال بعض الناس منَ الرقص والتصفيق، على أنّ ذلك بدعةٌ وضلال. وقد أنكره مالك وتعجّب ممن يفعل ذلك لمّا ذُكر له أنّ أقواماً يفعلون ذلك فقال: أصبيانٌ هم أم مجانين؟! ما سمِعْنا أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا. انتهى المعيار ج11/ 29
20ـ ينبغي على طلاّب العلم، بل ويجب، أن يتنبّهوا لأمرٍ هام، وهو أنّ البحث عن إسنادٍ متّصل برواية الثقات التَّامِّي الضبط غير المعلل ولا الشاذ، إنما هو خاصّ بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولايمكن سحبه على كلام غيره، لأنّ ذلك يعسر جداً ويكاد يندر. فأخبار الصحابة وفتاويهم ليس لجلّها أسانيد متّصلة، وكذلك السِّيَر والتواريخ والأشعار والمذاهب الفقهيّة وكتب الأئمّة أين أسانيدها؟ إننا إذا أردنا أن نمحّص كل ذلك على طريقة الأخ حارث همام فلن يمكننا الأخذ بأقوال مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغبرهم! فأين أسانيد أقوال مالك وفقهه؟ وأين سند كتاب الأم للشافعي؟ والرّواة لمذهب أبي حنيفة هما الحسن بن زياد اللؤلؤي ومحمد بن شجاع الثلجي ولم يُوثّقهما أحدٌ من
21العلماء ويمكنك مراجعة لسان الميزان لابن حجر. إنّ الطريقة التي يريد الأخ حارث أن ينتهجها الناس عند البحث ستفضي لترك كل تراثنا الفقهي والأدبي والتاريخي وهذا غير مقبول ولم يقُل به أحدٌ من العلماء، بل على العكس لقد كانوا يروون البلاغات والمراسيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فما بالك بمن هو دونه؟
22انظر إلى قول الشيخ ابن القيّم في "إعلام الوقّعين" عند الكلام على رسالة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في القضاء. والتي لا سند لها! قال: (وشهرتها تُغني عن سندها). انتهى
23وانظر إلى قول حافظ المغرب ابن عبد البر القرطبي عند كلامه على حديث معاذ في فضل العلم. قال: (وشُهرته تغني عن سنده).انتهى
24وأمثال هذا يكثر وإنّك إذا رجعتَ إلى كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي أو البداية والنهاية لابن كثير ستجدهم ينهجون هذا النهج.
25نعم إذا كانت المسألة تتعلّق بالحكم على مسلم بالكفر أو الزندقة ولم تكن مشهورة ومستفيضة فعندها ينبغي علينا التحرّي وتوخّي ثبوت المسألة.
26وعلى كلّ حال فإنّ القصّة التي رواها القاضي عياض عن مالك إنّما يرويها عن عبد الله بن يوسف التّنيسي وهكذا هي في الطبعة المغربيّة وقد استشهد بها الشيخ عبد القادر أرناؤوط في تقديمه لكتاب "الرّهص والوقص لمستحل الرقص " صـ7. وكذلك الشيخ عبد الفتّاح أبو غدّة في حاشيته على كتاب "رسالة المسترشدين للمحاسبي "الطبعة الخامسة صـ67 كلاهما رواها عن التنيسي. وأمّا ما وجده الأخ حارث في طبعة دار الحياة، من أن الراوي هو المسيّبي فهذا تصحيفٌ ولاشك. لعدّة أمور:
27أولاً ـ إنّ هذه الطبعة والطبعات المصوّرة عليها مليئة بالأخطاء والسقط والتحريف والتصحيف.
28ثانياً ـ إنّ المسيّبي وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن المسيب المسيبي، مدني سكن بغداد؛ روى عن أبيه عن نافع القراءآت، ويروي الحديث عن يزيد بن هارون وابن عيينة وغيرهما؛ وروى عنه أبو زرعة الرازي ومسلم بن الحجاج وغيرهما، مات ربيع الأول 236هـ ببغداد. ليس من أصحاب مالك ولا من الرواة عنه.
29ثالثاً ـ إنّ الأئمّة المالكيّة المحققين يروون هذه القصّة عن التنيسي عن مالك كما في فتوى الإمام الشاطبي، سُئل الشيخ أبو إسحاق الشاطبي (من أئمة المالكية والمرجع في علم الأصول) عن حال طائفة ينتمون إلى التّصوّف والفقر، يجتمعون في كثير من الليالي عند واحد من الناس، فيفتتحون المجلس بشيء من الذكر على صوت واحد ثمّ ينتقلون بعد ذلك إلى الغناء والضرب بالأكفّ والشطح هكذا إلى آخر الليل ويأكلون في أثناء ذلك طعاماً يَعُدُّه لهم صاحبُ المنزل، ويحضر معهم بعض الفقهاء، فإذا تُكُلِّمَ معهم في أفعالهم تلك يقولون: لو كانت هذه الأفعال مذمومة أو محرّمة شرعاً لما حضرها الفقهاء.
30فأجابَ ما نصّه: الحمد لله كما يجب لجلاله، والصلاة على محمّدٍ وآله .......................... وحَكَى عياض عن التنيسي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله، فقال رجل من أهل نصيبين يا أبا عبد الله عندنا قوم يُقال لهم الصوفيّة، يأكلون كثيراً، ثمّ يأخذون في القصائد، ثمّ يقومون فيرقصون؟ فقال مالك: أَصبيانٌ هم؟ قال: لا، قال: أمجانينُ هم؟ قال: لا، هم قومٌ مشايخ، وغيرُ ذلك عقلاء، فقال مالك: ما سمعتُ أنّ أحداً من أهل الإسلام يفعلُ هذا!! ...... انتهى
31المعيار للونشريسي ج11صـ41
32ولا ينبغي أن يُقال إنّ الشاطبي توفي سنة 790 وعياض توفي سنة 544 لأنّ كتاب عياض معروف، إذاً فرواية الشاطبي عن عياض ليس فيها إشكال. وأمّا رواية عياض عن التنيسي فكما قلتُ آنفاً إنما هي على طريق الرواية لخبر مشهور ومستفيض في المذهب.
33وبالمناسبة إنّ الأخ حارث اعتمد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في نفي حدوث هذا الرقص الصوفي في القرون الثلاثة الأولى. والذي أفهمه من كلام ابن تيميّة أنّه يقصد قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا يقصد المئة الأولى والثانية والثالثة! وكما تعلم فإنّ الإمام مالك هو من تابع التابعين وقد ولدَ سنة 93هـ. فتنبّه.
34وأُحبّ أنْ أنبّه الأخ حارث أنّه قد ارتكبَ خطأً عند كلامه على الشيخ الجُنيد، فقد سَرَدَ أقوال العلماء الذهبي وابن النجار والسمعاني في ترجمة أبو القاسم الجنيد المحدّث المعروف المتوفّى سنة547، ولكنّه جَعَلَها في ترجمة الجُنيد صاحب السري السقطي المتوفى سنة 298!!
35وهذا خلط عجيب لا ينبغي أن يصدر منه وخصوصاً وهو يتحدّث عن الإسناد والتثبّت! وجلَّ من لا يُخطئ. ولكن المشكلة أنّ القرّاء ظنّوا أنّ الشيخ الجنيد هو من المحدّثين والأئمة والأصوليين. والأمر ليس كذلك لأننا إذا رجعنا إلى ترجمة الذهبي للجُنيد سنجده يقول: (الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، والده الخزّاز هو شيخ الصوفيّة، وتفقه على أبي ثور، وسمع من السري السقطي وصحبه ... إلخ انتهى ثمّ ذَكَرَ بعض ما قيل فيه من الثناء وروى بعض أقواله.ولكنّه لم يصفه بالإمام القدوة والمحدّث كما فعل مع الجنيد القايني.
36وفي الختام: إنّ الصوفيّة مذ ظهرت في الإسلام لم تكن مرضيّة ولم يسلكها الأئمّة المتّبعون، وإنّما نُسِبَ إليها أشخاص أفاضل أمثال الفُضيل وبشر الحافي ولا شأن لهم بها، كما أنّه إنتَسَبَ إليها رجالٌ عبّاد وزهّاد وأهل صدق وصلاح أمثال الجنيد والسري السقطي وتَنَزّهوا عن كثيرٍ من أفعال الصوفيّة المخالفة للشرع ولكن هذا لا يعني أبداً أنّ باقي رجال الصوفيّة الذين هم من طبقتهم كانوا على حالٍ مُرْضِيَة، والصحيح إطلاق الذم على الصوفيّة واستثناء أمثال الجنيد. على أنّه لا يمكن أن نتجاهل كون الجنيد أو السري أو المحاسبي قد خاضوا في أمور محدثة ليست من الدين وقد تسبب ذلك في إحداث خَرْقٍ في الدين مازال يتّسع حتى ادّعى الحلاج ـ وهو صاحب الجنيد ـ الحلولَ والاتحاد. وأرجو أن تقرؤا ترجمة الحلاّج عند الذهبي. وللعلم فإنّ كل أصحاب الفرق الباطنيّة كانوا في الأصل من أصحاب السري والجنيد ثمّ زادوا عليهما كثيراً وأسرفوا فوصلوا إلى تأسيس تلك الفرق.
37ونحنُ عندما نقف على وصف ما كان عليه الجنيد من العبادة والزهد وسمو الأخلاق لا يسعنا إلاّ أن نشهد له بذلك، وبالمقابل إذا قرأنا بعض أقواله التي ليست من معين الهدي المحمّدي فلا يسعنا إلاّ أن ننكر عليه ذلك.
38وبالمناسبة إنّ ماذكره الأخ حارث عن المحاسبي والقشيري و أبي نُعيم لا نسلّم له به.
39أمّا المحاسبي فإنّ انتقادات العلماء عليه كثيرة والإمام أحمد انتقده على أمور كثيرة وليس فقط على مسألة علم الكلام. وأمّا القشيري فأمره أشد وانحرافاته كبيرة وقد ردَّ عليه شيخ الإسلام بكتابٍ كبير جداً اسمه "الاستقامة"، وأمّا أبو نُعيم فإنّ الإمام ابن مندة كان معاصراً له ومن بلده وكانا يُكفّران بعضهما! والحديث في هذا يطول ولا أريد أن أفتح هذا الباب. ولكن أحببتُ أن أقول للأخ حارث أنني أظن أني فهمت مرادك وكان يكفيك أن تقول:] ((إنّ بعض الرجال المتقدّمين المنتمين للصوفيّة كانوا ينكرون بعض انحرافاتها ولم يكونوا متلبّسين بكل أخطائها فلا يصح تعميم الحكم عليهم بالمروق والزندقة وخاصّة أن بعض علمائنا الثقات قد أثنوا على جوانب من حياة هؤلاء وحاولوا أن يلتمسوا لهم العذر واستَغْفَروا لهم، وعلينا أن لا نستفيض في الكلام عليهم وإلصاق كل عيوب الصوفيّة بهم، بل علينا أن نتصدّى للصوفيّة الموجودة الآن ونبيّن لهم أخطاءهم ونتناصح معهم، ونحذّر الناس من ضلالاتهم، ويجب علينا أن لا نسمح للمتصوّفة أن يخدعوا الناس بأنّهم أتباع الجنيد أو السري وأنّهم على منهجهم))
40أسأل الله تعالى أن يهدينا سبيل الرّشاد. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
من أجوبته في النقاش
ردود كتبها الشيخ على أسئلة القرّاء واعتراضاتهم في الموضوع نفسه. ويُعرض مع كل رد طرف من آخر مشاركة سبقته، للسياق؛ وقد يكون جوابه موجّهًا إلى مشاركة أقدم منها.
ردّ على حارث همام في الإسناد والصوفية الأوائل27 سبتمبر 2005م
1الحمد لله ربّ العالمين، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم
2أمّا بعد: فإنه من المؤسف حقاً أن يكتبَ المرءُ مقالة عن شيء محدد، ثمّ يتصدى للرد عليه إنسانٌ يرفع راية العدل والإنصاف؛ ولكن مع غير الكاتب؛ فيهجم عليه ويتّهمه بأمور لم يتلفّظ بها بل صرّح أكثر من مرّة بأنّه يرفضها!!! نعم هذا ما حدثَ معي عندما ردَّ على مشاركتي الأخ حارث همام.
3لقد افتتحتُ كلامي بوجوب التحري والتوثق قبل الإقدام على إطلاق حكم الكفر أو الزندقة أو الفسق على أي مسلم، وأعدتُ التأكيد على هذا الأمر في أثناء كلامي ثمّ ختمتُ كلامي به أيضاً ولم أصف أحداً بكفرٍ أو زندقة في مشاركتي كلّها!
4ولكن الأخ حارث همام كان؛فيما يبدو؛ يقرأ كلامي من خلال المساجلات التي تجري بينه وبين الأخ حنبل وغيره، ولذلك فهو يردّ على كلامٍ في مخيلته ولكن ينسبه لي ويردّ عليّ به!!!
5فها هو يقول لي:
61ـ " .. أذكّرُكَ غفر الله لك بأن الحكم على الأشخاص بزندقة أو كفر أو بدعة أو فسق أو معصية، حكم شرعي لايقال بغير دليل، ولايقبل من كل دعي، (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ".
72ـ "وأنت تقول الصوفية متقدمهم ومتأخرهم زنديق، والشافعي يقول من أحدث التغبير زنديق،
8وكل هذه الآثار لاتدل على ما ذهبت إليه من حكم على القوم بالقبورية والزندقة."
93ـ " .. والحاصل إذا أردت أن تستأنس بالأشعار والأقوال فلك ذلك، أما إذا أردت أن تحتج بها في الكفر والإيمان، والبدعة والفسوق، والحلال والحرام عند منازع لك في بعضها فأنت مطالب عندها بالتثبت. "
104ـ " وهل تثبت عنه كل ما ينسب إليه من المجاهيل وما كذب عنه بدعوى الاستفاضة! أم تتحرى عندما تنسب بدعة أو كفر إليه؟ "
115ـ " وكان جدير بك –أخي الكريم- أن تذب أنت عن أعراضهم طالما أن رأيك حسن فيهم تعذر مخطأهم باجتهاده أو على الأقل تنكر وصفهم بالزندقة ورمي بعض من سموا بالبدعة."
12فلا أدري على أي شيء اعتمد الأخ حارث في اتهامه لي؟؟ مع أنّه يُنادي بالذب عن أعراض المسلمين، أفلا يراني منهم؟ لماذا كل هذا الهجوم وهذه الاتّهامات الباطلة؟ ولماذا هذه اللهجة في الخطاب؟ وأين التثبّت؟ و لم يمض على كلامي إلا أيّام، والحمد لله مازال موجوداً كما هو، فهلاّ أشار الأخ همام إلى المواضع التي فهم منها خلاف ما أريد؟ مع أنّ كلامي واضح وبسيط!
13ثمّ وبعد سلسلة التهم الظاهرة بزعمه! ينتقل الأخ حارث همام إلى سلسلة التهم الباطنة التي أُخفيها في نفسي بزعمه، ولكنّه؛ فيما يبدو؛ قد اطّلع عليها. فها هو يقول لي:
141ـ " ثم قال الذهبي في ختام ترجمته: "رحمه الله وأين مثل الجنيد في علمه وحاله". فهلا أشرت إليه غفر الله لك."
152ـومن العتاب الذي ينبغي أن يوجه هنا لأخينا الفاضل أبو إدريس:
161 - نقلتم فتوى الشاطبي عن المعيار المعرب لتستدلوا بها على إنكار مالك على صوفية ذلك العصر، ولا أدري لماذا تغافلتم عما نقله قبيل قول مالك من كلام الحارث المحاسبي –قال حارث الهمام: وهو في رسالة المسترشدين- نفسه مستدلاً به على نكارة ما جاء في الفتوى الموجهة إليه من صنيع أولئك المتأخرين؟! ألأن هذا يثبت سلامة أئمة ذلك الصدر من تلك البدعة؟ أرجو أن لايكون كذلك! "
173ـ " وإذا كان الأمر كذلك فأبن –أيها الشيخ الكريم- كيف أنزلت كلام الإمام الشافعي على أئمة تلك الطبقة؟ والانصاف عزيز." انتهى ....................
18وأقول: أهذا هو المنهج العلمي الذي ينهجه أهل السنّة؟؟!!
19كيف سمح لنفسه الأخ حارث أن يدخل إلى باطني فيطلق عليه الأحكام كما يشاء؟؟!! ولا أظنه سيدّعي علم الغيب و ما يخفى!!
20أولاً ـ كنتُ ولا أزال أكره للمرء أن يُنادي بأخلاق وشعارات ثمّ يستثني نفسه من العمل بها!
21فإذا كان الأخ حارث يُنادي بتحسين الظن بالآخرين (رغم وجود الكثير من الأمور المريبة حولهم) فلماذا يستثني نفسه من هذا الخلق، ولم يُحسن الظنّ بي (رغم انعدام أي شبهة تساعد على إساءة الظن بي)؟؟ بل أجده يذهبُ بعيداً جداً في إساءة الظنّ بي ودون أي دليل، مع أنّه ينبغي له أن يُحسن الظنّ بي ولو وجد ما يساعد على خلافه، فكيف مع فقدانه؟؟!!!
22ثانياً ـ أمّا المسألة الأولى فكان غرضي منها واضحاً: وهو تنبيهكَ إلى خطأ كبير وقعتَ فيه. وهو نقل ترجمة شخص على أنّها لشخص آخر. فقلتُ لك: إنّك نقلتَ ترجمة الإمام الذهبي والسمعاني وابن النجار لرجلٍ مُحَدّثٍ وجَعَلْتَها لرجلٍ آخر وهو الجنيد مع أنه يوجد بينهما قرون.
23واعتمدتُ في تنبيهي لكَ على أمرٍ ظاهر ولم أتدخّل بباطنك! وقلتُ: إنّ ذلك حدث من قبيل الخطأ ولم أقل إنّك تعمّدتَ ذلك، ولم أغمز بك!
24ولم يكن غرضي نقل ترجمة الجُنيد وما قيل فيه، بل الذي قلتُه أنّ هناك فرقٌ بين البداية التي بدأها الذهبي عند ترجمته للجنيد المحدّث القايني، حيثُ قال:
25" الإمام القدوة المحدث أبو القاسم القايني .... "
26وبين البداية التي بدأها في ترجمة الجُنيد الصوفي النهاوندي، حيثُ قال:
27" الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، والده الخزّاز هو شيخ الصوفيّة، وتفقه على أبي ثور، وسمع من السري السقطي وصحبه ... إلخ
28أليسَ الفرق واضحاً، هذا الذي أردتُ بيانه (غفر الله لي). وقد ذكرتُ أن الذهبي ذَكَرَ بعض ما قيل فيه من الثناء، ولم أقل إنّه طعن فيه، ولكنني قلتُ إنّه لم يصفه بالإمام القدوة والمحدّث كما فعل مع الجنيد القايني. وهذا واضح في الترجمة. فلماذا يغمز بي الأخ حارث ويأثّمني ثمّ يستغفر لي؟؟؟!!!
29وأمّا ثانياً ـ فأنا لم أنقل فتوى الإمام الشاطبي لأستدلّ بها في إنكار مالك على صوفيّة عصره!
30كما يتوهّم الأخ حارث ثمّ يتَقوَّل علي!!
31بل نقلتها لأُبيّن له أنّ الشاطبي ذكرها عن عياض عن التنيسي!!!!
32وهذا هو الغرض الوحيد من نقل الفتوى، وهذا كان موضوع حديثي، وهذا واضح لكل ذي نظر فكيف إذا كان النّاظر من أهل الإنصاف والورع والنقد والتمحيص!!؟؟
33ثمّ يتابع الأخ حارث اتّهاماته الباطلة لي فيقول: " ولا أدري لماذا تغافلتم عما نقله قبيل قول مالك من كلام الحارث المحاسبي "انتهىوإنني لأعجبُ حقاً من قوله هذا و تخرّصه عليّ!!!
34يا أخي من قال لك أنني أتغافل أو تغافلت؟؟ لماذا تُهلكُ نفسك بالوقيعة بي من دون بيّنة أو أثارة من بيّنة؟
35إنّ فتوى الإمام الشاطبي قدرها ثلاث صفحات وأنا لم أنقل منها سوى أربعة أسطر مكان الشاهد فحسب. ولم أتعرّض لموضوع السماع والغناء أبداً ولم يكن ذلك موضوع مشاركتي، وهذا واضح في كلامي لكل متأمّل. ومع ذلك لم يكتفِ الأخ حارث بكل اتهاماته تلك حتى ختمها بقوله غامزاً: " ألأن هذا يثبت سلامة أئمة ذلك الصدر من تلك البدعة؟ أرجو أن لايكون كذلك! " انتهى
36وأقول:سبحان الله! هل يُعقل أنّ الورع والإنصاف والعدل التي يُنادي بها الأخ حارث هي التي دفعته لهذا الكلام والجرح؟؟
37وأعود فأذكّر الأخ حارث بأنني لم أتعرّض لموضوع السماع في مشاركتي، ومِنْ ثَمَّ فأنا لم أنسب للصوفيّة الأوائل أي شيء بهذا الخصوص ولم أكتم شيئاً مما قالوه، لأنني أصلاً لم أتعرّض لهذا الموضوع. أرجو أن يكون هذا واضحاً عندك.
38ولأُبيّنَ لك سوء ظنّك بي، فإنني منذ مدّة قريبة جداً نشرتُ في موقع أهل الحديث رسالةً لي جمعتُ فيها أقوال وفتاوى العلماء من المذاهب الأربعة ومن ضمنها فتوى الشاطبي كاملةً، وأضفتُ في آخر الرسالة مذهب الصوفيّة وأثبتُ فيه سبعة نقول عن أئمّة الصوفيّة في النهي عن السماع وذمّه، وجاء ذكر مقولة المحاسبي في أكثر من موضع من الرسالة، ولم أتغافل عن ذكر أي مقولة للصوفيّة في ذمّ السماع، فما قولك؟ وكذلك كنتُ قد كتبتُ رسالة في مسألة زيارة قبور الأولياء وتعظيمها، وتعمّدتُ أن آتي فيها بنصوص وفتاوى شيوخ الصوفيّة الذين أنكروا ما يفعله صوفيّة عصرنا عند القبور لأُبيّن للناس أنّه حتى شيوخ الصوفيّة الذين تدّعي الصوفيّة الاقتداء بهم برآءُ مما يفعله هؤلاء الجهلة! هذا هو منهجي ولي عدّة رسائل أدافع فيها عن بعض رجال الصوفيّة الذين يُتّهمون بغير حق! وإن شئتَ أرسلتُ لك تلك الرسائل.
39وأمّا ثالثاً ـ فأنا عندما أوردتُ كلام الإمام الشافعي كان غرضي أن أُبيّن لك أنه ورد عن الأئمّة الكبار أمثال الشافعي كلامٌ مسندٌ وصحيح الإسناد فيه ذمٌ مطلقٌ للصوفيّة، مثل ما روى البيهقي في مناقب الشافعي 2/ 208: عن يونس بن عبد الله الأعلى يقول: سمعت الشافعي يقول:
40" لو أن رجلاً تصوَّف من أول النهار لم يأت عليه الظهر إلا وجدته أحمقَ "
41وعلّقتُ عليها قائلاً " أليست هذه النصوص واضحة ودالّة على أنّ مراد الشافعي هو ذم طائفة الصوفيّة جميعها؟ وأنه إذا كان هناك ثَمَّ استثناءٌ فإنه يستثنيه كما في قوله: ما رأيت صوفياً عاقلاً قط إلا مسلم الخوَّاص!!
42فبدل أن يُقرّ الأخ حارث بهذا النقل وبوضوح معناه، وبدل أن يُجيب عليه، ذهب إلى مسألة التغبير وأطنبَ فيها، وجعل محور الأقوال كلها يدور عليها، وهذا تحكّم غير مقبول ولا سائغ، ثمّ بعد ذلك يقول لي: " " وإذا كان الأمر كذلك فأبن –أيها الشيخ الكريم- كيف أنزلتَ كلام الإمام الشافعي على أئمة تلك الطبقة؟ والانصاف عزيز." انتهى
43وكما ترون تتابع التهم علي، مع أنني بريء منها، وليت شعري من هو البعيد عن الإنصاف والإنصاف في كلامه عزيز؟؟؟ لماذا اللف والدوران؟ والطعن في الآخرين بسوء الظن والكلام على البواطن. هلاّ أجبتَ يا أخ حارث على مقولة الشافعي هذه!!! "
44" لو أن رجلاً تصوَّف من أول النهار لم يأت عليه الظهر إلا وجدته أحمقَ "
45ـ وأمّا مسألة ترجمة الشيخ الجنيد، التي غمزني الأخ حارث بعدم نقلها، فكما قلتُ آنفاً لم يكن غرضي الكلام في ترجمته. ولكن عندما قلتُ إن الجنيد كان له أقوال ليست من معين الهدي النبوي. فذلك لما وردَ في ترجمته عند الذهبي قال: " .... وقيل إنّ بعض المتكلمين؛ ويقال هو ابن كلاب ولم يصح؛قيل له قد ذ كرت الطوائف وعارضتهم ولم تَذْكُر الصوفية؟ فقال لم أعرف لهم علماً ولا قولاً ولا ما راموه. قيل بل هم السّادة وذكروا له الجنيد ثم أتوا الجنيد فسألوه عن التصوف فقال: " هو إفراد القديم عن الحدث، والخروج عن الوطن، وقطع المحاب، وترك ما عُلم أو جُهل،وأن يكون المرءُ زاهداً فيما عند الله، راغباً فيما لله عنده،فإذا كان كذلك حَظاه إلى كشف العلوم، والعبارة عن الوجوه،وعلم السرائر، وفقه الأرواح، فقال المتكلم هذا والله علم حسن فلو أعدته حتى نكتبه قال كلا مر إلى المكان الذي منه بدأ النسيان.
46وذكر فصلا طويلا فقال المتكلم إن كان رجل يهدم ما يثبت بالعقل بكلمة من كلامه، فهذا، فإن كلامه لا يحتمل المعارضة ..... انتهى
47ـ والسؤال: هل هذا الكلام من السنّة؟ أم هو مُبتَدَع ويخالفها؟ وما حكم قائله؟
48وهذه القصّة لم يعترض عليها الذهبي أو يقدح في سندها. بل إنّه أتى على ذكر أبي الحسين النوري صديق الجنيد في أثناء ترجمة الجنيد وذكر الكثير من بدعه وغرائبه، فلماذا لم تذكرها يا أخ حارث؟ ألم يذكر الذهبي أنّه لمّا مات النوري قال الجنيد: ذهب نصف العلم.!!
49ثمّ قال وقيل قال النُّوري للجنيد: غَشّشتَهم فَصَدَّروك، ونَصَحْتُ لهم فَرَمَوني بالحجارة.!!! انتهى
50لعلّك ستقول إنّ أسانيدها لم تثبت عندي؟ وأقول لك: ألَسْتَ القائل: " غير أنه يحسن التنبيه هنا إلى أن التصوف اصطلاح وأهل هذا الاصطلاح يجمعون على أن أولئك داخلون فيه، وأنت تريد أن تخرجهم منهم لأنك قررت أصلاً لم يسبقك له إمام محقق -[أعني رميهم بالبدعة عموماً لواحد منهم]- مخالفاً لاصطلاح القوم لماذا لأنك اعتقدت أولاً ثم نظرت ثانياً وهذا لاينبغي في حقك. بل ينبغي أن تنظر في اصطلاحهم –عوضاً عن مغالطته- ثم تحكم عليه مفصلاً كما هو شأن المحققين من أهل العلم." انتهى
51فهل هذا الكلام يلزمُ غيرك ولا يلزمك؟؟ إنّ أهل هذا الاصطلاح أثبتوا هذا الكلام عن الجنيد والنوري وغيرهما فلماذا ترفضه ولم يرفضه أحدٌ من العلماء المحققين من قبل؟؟
52المشكلة يا أخ حارث أنّك تحمل كلامي على غير محمله ولا تعطي نفسك الوقت الكافي لمعرفة ما يريده محاورك، بل تسرع الطعن فيه كما في قولك لي: " لأنك اعتقدت أولاً ثم نظرت ثانياً وهذا لاينبغي في حقك." انتهى
53أنا لستُ كما تتخرّص، وأنا لا أبتدع أقوالاً من عندي ولا أفتري على أحد، ومعاذ الله أن أفعل ذلك، الذي أفعله أنني أُثبت ما ذكره أئمّتنا وعلماؤنا وسلفنا الصالح عن أحوال زمانهم وأخبار رجاله هكذا بعمومه، دون الخروج بأحكامٍ فيها تكفير أو ما شابهه. أنا لم أقل أبداً إنّ الشافعي يقصد بكلامه الحكم على الصوفيّة بالزندقة، ولا أظنّ كلامه بحاجة لمزيد من التوضيح، لأنّه واضح لكل من يقرؤه بإمعان وتروٍّ. الزنادقة هم الذين أحدثوا التغبير هذا مراد الشافعي ولا يستطيع أحدٌ أن يُنكر هذا المعنى من كلامه، وليس كل من حضرَ التغبير أو سمعه يكون زنديقاً كما يتوهّم الأخ حارث وينسبه لي!!
54ومكان الشاهد من هذا الكلام هو: ما حكم الذي يتلبّس بفعلٍ أحدثه الزنادقة؟ هل يكون متّبعاً للسنّة النبويّة؟ وهل يكون بفعله ذلك من أئمّة الهدى؟ أم يكون مبتدعاً جاهلاً!
55والعجيب من الأخ حارث أنّه يتوسّع في هذه المسألة لدرجة أنه يريد أن يقنعنا بأنّ التغبير ليس مُحدثاً وأن الإمام أحمد كان غير جازم في حكمه عليه فمرّة قال عنه محدث ثم قال مكروه ثم رجع عن قوله الأول ثم فصّل القول فيه بل إنه قد سمعه واستحسنه!! ويستدلُّ الأخ حارث بروايةٍ مبدؤها التوزي ومنتهاها القطيعي ويقول عنها إنّ سندها صالح للاعتبار ولا يخرج عن حدّ الحسن! هكذا يقول!
56ـ وأنا أسأله للاعتبار مع ماذا؟ مع الرواية التي ساقها السلمي أم مع الرواية التي ساقها ابن طاهر وكلاهما غير ثقة ولا مأمون!! والتوزي ضعيف والقطيعي ضعيف!!
57أهذا هو الإسناد الذي تطالب به لحسم الأمور؟؟ أبإسنادٍ كهذا تقبل أنّ عبد الله ابن الإمام أحمد كان يُغافل أباه ويأتي بالمغني للبيت ليغني له مع نهي الإمام أحمد له عن سماعه؟ وبإسنادٍ كهذا تقبل أنّ الإمام أحمد كان يتسمّع للمغني الذي عند ولده ويعجبه بعد ذلك؟ وبهذا الإسناد تريد منّا أن نلغي كل ما ورد عن الإمام أحمد من ذمّه للتغبير وبأسانيد صحيحة كما روى أبو بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: " التغبير محدث " وقال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله عن التغبير وقلت: إنه تَرِقُّ عليه القلوب. فقال: " هو بدعة " وروى غيره أنه كرهه، ونهى عن إسماعه. أهذا هو التحقيق عندك يا أخ حارث؟ وهذا هو الإسناد الذي تنادي به؟
58إذا كنتَ تحسّن إسناداً كهذا، وهذه الطريقة غير مرضيّة، فعلى أقل تقدير لا يحلّ لك أن تدفع بهذا السند سنداً آخر صحيحاً لا غبار عليه!!
59ـ عندما قلتُ إنّ القصّة التي رواها القاضي عياض عن مالك ـ في إنكاره على أولئك الذين يأكلون كثيراً ثمّ يغنون ثم يرقصون ويلطمون ـ هي قصّة مشهورة عن مالك ومستفيضة، وشهرتها تغني عن إسنادها. فذلك لأنه ليس فيها أي تكفير لأحد بعينه ولا بعمومه، بل فيها الإنكار على أمور لا يسعُ أحداً من العقلاء إلا إنكارها، فما بالك بالإمام مالك الذي ينكر ما هو أقل منها بكثير!!!!!!! وليس فيما صحَّ عن مالك أي شيء يعارضها!! ولم يردّها أحدٌ من العلماء المعتبرين من مذهب مالك أو غيره. وليس في نسبتها للإمام مالك أي جُرحة له أو انتقاص من قدره. ومع ذلك فقد رفضها الأخ حارث وصار يريد الكلام على التصحيف والتحريف والإسناد وغير ذلك وبتكلّفٍ شديد.
60ولكنّه رضيَ أن ينسبَ للإمام أحمد ولابنه تلك القصّة الباردة المهلهلة الإسناد والتي فيها انتقاص لهما لأنّهما تلبّسا بأمرٍ ثبتَ أن الإمام الشافعي قال إنّ الزنادقة قد أحدثوه، فضلاً عن مخالفتها الصريحة لكل ما ورد عن الإمام أحمد بأسانيد صحيحة!! وفضلاً عن إنكار بعض أصحاب الإمام أحمد لها، واستشهادهم بأقواله المخالفة لها واعتمادهم عليها في الفتوى. والعجيب أنّ الأخ حارث لا يعجبه كلام الإمام المحدّث المحقق ابن الجوزي وهو من كبار شيوخ المذهب الحنبلي المتقدّمين؛ عندما يُثبت بعض الأقوال وينفي غيرها، لكنّه يحتجُّ عليَّ بالصّاوي ويقول إنّه أنكر القصّة التي رواها عياض عن مالك ويجعله في مقابلة عياض والشاطبي والونشريسي .... عجيبٌ حقاً، ومتى كان الصاوي ممن يُحتجُّ بهم؟ وكيف يقبل الأخ حارث كلامه مع أنّه حريصٌ على علم الإسناد والرجال؟
61إنّ الصاوي يُنكر الحديث الصحيح إذا عارضَ مذهبه، بل يحكم بردّة من يعمل بغير المذاهب الأربعة ويحكم بكفر من يأخذ بظاهر الآيات والأحاديث! أيريد مني الأخ حارث أن ألتفتَ لأمثال الصاوي؟ في حين يرفضُ هو احتجاجي بالإمام الشاطبي!!!!!!!
62مع أنّه قال لي في ردّه عليّ: "ومن قال للناس احتجوا في دينكم بما لم يثبت، إذا لم تثبت لكم الفتوى عن الصحابي أو تبين لكم ضعف نسبتها إليه فكيف تسندونها إليه؟ لا أخالفك في أنها تنسب، ولكن هل تكون تلك النسبة حجة لك في ترجيح قول أو النقل عن أصل مستقر ثابت الأصل استصحابه؟ انتهى
63فهل نسي ما قاله أم هذا الكلام فقط يُلزِمُ به غيره؟!
64إنّ قصّة الإمام مالك في إنكاره على الشطح الصوفي قد رواها إمامان كبيران الأوّل هو القاضي عياض في أقصى المغرب، والآخر هو الإمام ابن الجوزي في أقصى المشرق، وهما متعاصران ولم ينقلها أحدهما عن الآخر! فهذا يدل على أنّ القصّة كانت معروفة في زمانهما ومنشرة في المشرق والمغرب!!. والقاضي عياض ذكرَ في مقدّمة كتابه أنّه يُعوِّل فيه على كُتب من سبقه ككتاب أبي عبد الله التستري المالكي محمد بن أحمد 273ـ 345 وكتاب الإمام المحدث الحسن بن إسماعيل الضراب 313ـ 392.
65والإمام ابن الجوزي يروي القصّة ويقول في أوّلها وبإسنادٍ!! وعياض يروي عمّن هو أعلى منه، ولكنهما اختصرا الكلام ولم يذكرا السند كاملاً، ولكن هناك إسنادٌ طبعاً، ولم يرد على حد علمي أي إنكار للقصّة من العلماء المحققين، مع أنّهم قد ردّوا بعضَ ما رواه عياض أو ابن الجوزي، وهناك ردودٌ مطوّلة لشيخ الإسلام ابن تيميّة حول بعض القصص التي رواها عياض (وهي مسندة) ومع ذلك رفضها ابن تيمية رحمه الله وبيّن أسباب ذلك، في حين لم يتعرّض لهذه القصّة بالنقض بل أثبتها عن مالك.
66وأنا عندما أقول هذه القصّة ثابتة عن مالك لشهرتها واستفاضتها، لم آتي ببدع من القول ولم أخالف أحداً من الأئمّة، وإنّما أسير على نهجهم، فهذه هي كتبهم يروون فيها تلك القصص وأكثر منها، ويروون أموراً فيها ذكر استتابة بعض العلماء وتكفير البعض وشطط البعض .. دون أن يُطالبوا أحداً باعتقاد تلك القصص والأحداث والتعبّد بها!!
67· وإذا أراد الأخ حارث الحجّة والبرهان، فإنّه قد ذكره بنفسه في ردّه عندما ذكر قول
68الشيخ ابن تيميّة رحمه الله بخصوص مواقف العلماء الأوائل من الصوفيّة قال: " ثم قال: "وقد تكلم بهذا الاسم قوم من الأئمة كأحمد بن حنبل، وغيره، وقد تكلم به أبو سليمان الداراني، وغيره، وأما الشافعي فالمنقول عنه ذم الصوفية، وكذلك مالك فيما أظن، وقد خاطب به أحمد لأبي حمزة الخراساني، وليوسف بن الحسين الرازي، ولبدر بن أبى بدر المغازلي. وقد ذمَّ طريقهم طائفة من أهل العلم ومن العبّاد أيضاً، من أصحاب أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأهل الحديث والعباد ومدحه آخرون". انتهى
69أرأيت يا أخ حارث هذا شيخ الإسلام؛ كما نقلتَ بنفسك؛ يُثبت ذم الصوفيّة على لسان كل من الأئمّة الأربعة وأصحابهم وأهل الحديث والعبّاد. وأنا لم أزد شيئاً على ما قال، فإذا كان كلامي لا يعجبك وكنتَ منصفاً كما تزعم؛ فلماذا لا تتوجّه بالنقد اللاذع لشيخ الإسلام على ما قال؟؟ ولماذا لا تحذّر الناس مما قاله وأثبته من ذمّ الأئمّة المتقدّمين لصوفيّة زمانهم؟؟؟
70ولماذا لا تطالب شيخ الإسلام بالأسانيد المتّصلة الصحيحة لإثبات دعواه في ورود ذم الصوفيّة الأوائل على لسان الأئمّة المعاصرين لهم؟؟
71بل على العكس أجدك تكثر من النقول عنه والاحتجاج بما يرويه عن بعض أقطاب التصوّف، مع أنّه إمّا يروي الأخبار بدون إسناد، أو بأسانيد لا تصح أبداً!!!!!! وكذلك فعلتَ في نقولك عن الذهبي!!!!!!! فمثلاً:
721ـ قلتَ ناقلاً عن الذهبي: " ونقل أيضاً: " .. أبو عبدالرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن الحضرمي، عن أبيه، قال كنت جالسا عند الجنيد، إذ ورد شاب عليه وجلس ساعة، فأقبل عليه الجنيد فقال له سل ما تريد أن تسأل!
73فقال: له ما الذي باين الخليقة عن رسوم الطبع؟
74فقال الجنيد: له أرى في كلامك فضولا، لم لا تسأل عن ما في ضميرك من الخروج والتقدم على أبناء جنسك؟
75فأقبل الجنيد يتكلم، وأخذ هو يعارضه، إلى أن قال له الجنيد أي خشبة تفسدها يريد أنه يصلب".انتهى
762ـ ونقلتَ عن ابن تيميّة: " وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلا، فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه، وأخرجوه عن الطريق مثل الجنيد بن محمد سيد الطائفة، وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد.
77فهذا أصل التصوف ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع .. ".
78وعلّقتَ عليه فرحاً به ومعتقداً فيه قائلاً: "فهل هذا الكلام واضح وصريح في مبتدئهم أو لا؟ "
793ـ وقال: "والمقصود هنا أن المشايخ المعروفين الذين جمع الشيخ أبو عبد الرحمن أسماءهم في كتاب طبقات الصوفية، وجمع أخبارهم وأقوالهم، دع من قبلهم من أئمة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين جمع أبو عبد الرحمن وغيره كلامهم في كتب معروفة، وهم الذين يتضمن أخبارهم كتاب الزهد للإمام أحمد وغيره، لم يكونوا على مذهب الكلابية الأشعرية، إذ لو كانت كذلك لما كان أبو عبدالرحمن يلعن الكلابية". [قال حارث الهمام: ولم يذكر الأشعرية لأنه لم يدرك أوان انتشارهم أشار إليه شيخ الإسلام في موضع آخر]. انتهى
80فالمشكلة أنّ أبا عبد الرحمن السلمي عند أهل الحديث غير ثقة وتُهْمَتُه أنّه يضع الأحاديث للصوفيّة. ووصفَ الذهبي كتابَه حقائق التفسير بأنّه قرمطةٌ، وقال ابن الصلاح إن كان يعتقد أنّ ذلك تفسير فقد كفر.وما يُذكر من ثناءٍ على بعض أقطاب التصوف في كتب التراجم ككتاب السير للذهبي فمنه الكثير مرويٌّ عن السُلمي، كما في ترجمة السري السّقطي وغيره!!
81فكيف يسوغ للأخ حارث وكيف يرضى لنفسه؛ وهو الذي يهجم على الآخرين لأجل قصّة لا ينبني عليها كبير أمرٍ لأجل انقطاع في سندها؛ أن يورد أمثال هذه الروايات مستدلاً بها بكل ثقة ويطلب منا أن نخضع لأقواله المبنيّة على هذه الروايات الباطلة!!
82فإذا قال: إنني لا أعتمد جرح السلمي وهو عندي مقبول. قلنا له هذه ليست طريقة أهل الحديث والأسانيد. وعلى كلّ حال فلا بأس إذا كنتَ ترى صحّة الاستدلال بروايات السلمي فعليك أن تسلّم وترضى بما قال: أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة.
83قال السلمي وأُخرِجَ أبو سليمان الداراني من دمشق وقالوا إنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه وشهد قومٌ على أحمد بن أبي الحواري أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة. وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى أنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول لي معراج كما كان للنبي "صلى الله عليه وسلم " معراج فأخرجوه من بسطام وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام قال السلمي وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم فأنكر ذلك عليه العوام حتى نسبوه إلى القبائح فخرج إلى البصرة فمات بها.
84قال السلمي وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات فهجره أحمد بن حنبل فاختفى إلى أن مات. انتهى تلبيس إبليس صـ 187فهل سيسلّم الأخ حارث بهذه الروايات وهناك أشد منها، أم أنّه سيرفضها، فيكون متناقضاً مع نفسه وأمام الناس.
85إذاً الروايات السابقة التي رواها ابن تيميّة وساقها الأخ حارث همام مستدلاً بها ومنتصراً لها وبها!! غير صحيحة ولا يعوّل عليها أبداً، وخاصّة إذا كان الناقل لها متمسّك بالأسانيد الصحيحة المتّصلة! ومع ذلك فهو يعدُّ نفسه صاحب المنهج الصحيح المتثبّت المسلسل بالأسانيد.
86وأمّا أنا فيقول لي:
87" واعلم أخي الكريم أنكم في هذا الكلام:
881 - خرقتم الإجماع المنعقد على خلافه، فقد قال سائر أهل العلم وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار أن الإنقطاع في الخبر علة في إيجاب العمل به، سواء عارضه خبر متصل أو لا نقل هذا الإجماع غير واحد منهم ابن عبدالبر ومنهم ابن القطان تجده في الإقناع في مسائل الإجماع (1/ 67)."
89يقول لي هذا الكلام فقط لأنني قلت إنّه يجب علينا ألا نعالج كل ما يصادفنا من أخبار في السير والتواريخ والأشعار والأدب وأخبار الصحابة والأئمّة بنفس الطريقة التي يُعالج بها الحديث النّبوي الشريف. لأنّ علم الحديث والجرح والتعديل إنّما وُضعا وتوخيَ فيهما شدّة التوثّق لأنّ الأمر يتعلّق بكلام نبي الإسلام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فقد فرّق العلماء في معالجة الأسانيد ورجالها بين الحديث والقرآن.
90ولا أدري لماذا لم يُجب الأخ حارث عن أسئلتي، وبدلاً من ذلك راح يضخّم المسألة ويوهم القارئ أنني أقول بقبول الأحاديث بدون إسناد أو بإسناد ضعيف وأنني أخرق الإجماع وما إلى ذلك؟؟
91قلتُ له إنّ أقوال أبي حنيفة و فتاويه إنّما هي مرويّة عن طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي ومحمد بن شجاع الثلجي وكلاهما متروك باتّفاق، فهل نستخدم كلام أهل الجرح والتعديل فيهما عندما ينقلان عن أبي حنيفة؟ إذا قال نعم. قلنا له إذاً ضاع المذهب!
92قلتُ له: إنّ الكثير من أقوال وفتاوى مالك والشافعي وسفيان والليث وغيرهم أسانيدها منقطعة ولكنّها مشهورة ومستفيضة في كتب العلماء وتلقّوها بالقبول، فهل نطرحها لأجل الانقطاع؟ فلم يجب أيضاً. وراح يتكلّم عن نسبة الكتب ونسبة الأقوال والفرق بينهما ... وكالعادة يتكلّف في الكلام .... يا أخي إذا قلنا لك هذا الكتاب يُنسب للشافعي وفيه كلامٌ له عن الصوفيّة. أو قلنا لك هذا القول في الصوفيّة يُنسب للشافعي، وكلى الأمرين بنفس النسبة فما الفرق بينهما؟؟ هذا ما أردته لا ما ظننته ووصفتني بالذي يخلط ...
93وكالعادة يمنعني من القبول بكتاب الشافعي بدون سند صحيح متّصل، ويستشهد بشيخ الإسلام ابن تيميّة الذي يقبل الكتب بدون سند إذا كانت مشهورة عند العلماء؟؟؟!! وهذا ما رواه الأخ حارث: شيخ الإسلام ابن تيمية وشمس الدين ابن القيم الذين مع معرفتهما بهذا الشأن بل مع إمامتهما فيه يحتجان بتلك الرسائل في الجملة (أي التي ليس لها سند يعوّل عليه).
94ليتك يا أخ حارث تلتزم بطريقة ابن تيميّة في التعامل مع الأمور فعندها يكون منهجك واضحاً ونعلم أنّ لك سلفاً تتبعه!
95وأمّا الإجماع الذي تذكره فهو في الأخبار النبويّة، وهذا الإمام الحافظ ابن عبد البر القرطبي المالكي الذي تروي عنه الإجماع يقول:
961ـ حديث سادس وعشرون من البلاغات
97مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما بيعين تبايعا، فالقول قول البائع أو يترادان)
98......... وهذا الحديث محفوظ عن ابن مسعود كما قال مالك، وهو عند جماعة العلماء أصلٌ تلقّوه بالقبول، وبنوا عليه كثيراً من فروعه؛ واشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرةً يُستغنى بها عن الإسناد.كما اشتهر عندهم قوله ـ عليه السلام ـ (لا وصية لوارث)
99ومثل هذا من الآثار التي قد اشتهرت عند جماعة العلماء استفاضة يكاد يستغنى فيها عن الإسناد لأن استفاضتها وشهرتها؛ عندهم؛ أقوى من الإسناد. انتهى
100التمهيد ج 24 صـ290
1012ـ وقال أبو عمر: هذا الحديث وإن كان في إسناده مقال من جهة الانقطاع مرة وضعف بعض نقلته أخرى فإن شهرته عند العلماء بالحجاز والعراق يكفي ويغني. انتهى
102التمهيد ج24صـ293
1033ـ وقال ابن عبد البر: حديث ثان وثلاثون من البلاغات
104مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه).
105وهذا أيضا محفوظ معروف مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم شهرة يكاد يستغني بها عن الإسناد وروى في ذلك من أخبار الآحاد أحاديث من أحاديث أبي هريرة وعمرو بن عوف. انتهى التمهيد ج 24 صـ 331فهل هذه النقول تجيب عن سؤالك الاستنكاري لي: وهل وجدت أثراً واحداً لا يعرف له سند يعرف قالوا شهرته تغني عن إسناده؟
106وأمّا قصّة رسالة عمر في القضاء فبعد أن ساق خبرها ابن القيّم في كتابه أعلام الموقّعين ج1صـ92 قال في ختامه: " قال أبو عبيد: فقلتُ لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا ".
107ثم علّق على ذلك ابن القيم فقال: وهذا كتابٌ جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، و الحاكم والمفتي أحوج شيء إليه و إلى تأمله والتفقه فيه. انتهى
108و هذه القصة كما تعلم ليس لها سند يصح.
109أم أنّ الأخ حارث يريد صورة إسناد فقط بغضّ النظر عن صحّته أو ضعفه واتّصاله أو انقطاعه؟
110ــ وأوجه للأخ حارث هذا السؤال: إذا قال لك شخصٌ إنّ إسنادي في القرآن هو عن ... عن ... عن حفص عن عاصم ..
111فهل ستقول له إنّ حفصاً قال عنه البخاري: تركوه وقال مسلم متروك وقال ابن معين ليس بثقة كان كذّاباً،وقال ابن المديني والنسائي وأحمد: متروك الحديث، وقال صالح محمد: أحاديثه كلها مناكير، وقال ابن خراش: كذّاب متروك يضع الحديث، وقال عبد الرحمن بن مهدي: لا تحلّ الرواية عنه ...
112فسندُك بالقرآن غير صحيح وباطل؟! أم تقول له إنّ حفصاً متروك الحديث نعم؛ ولكنّه إمامٌ في القراءة. كما أنّ الواقدي متروك الحديث مع إمامته في السيرة والتواريخ. وكذلك شأن الكثير من الفقهاء لا يُأخذ حديثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، في حين هم مرجع في حديث إمام مذهبهم.
113الذي أحببتُ أن أنبّه إليه في مشاركتي السابقة، هو أنّ المنهج الجديد الذي بدأ البعض بنشره والتعويلِ عليه، والقاضي بمعالجة السِّيَر والتواريخ والأشعار والحِكَم وأمثال ذلك، بنفس الطريقة التي يُعالج بها الحديث النبوي الشريف، منهجٌ محدث (وبالمناسبة فإنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة لم يكن هذا منهجه كما هو واضح للباحثين في كتبه)
114قال ابن تيمية في الفتاوى ج14صـ365: " ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد اللّه: أنه لما دخل الزّنْجُ البَصْرة، قيل له في ذلك، فقال: هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا اللّه أن يزيل الجبال عن أماكنها لأزالها، ولو سألوه ألا يقيم القيامة لما أقامها، لكنهم يعلمون مواضع رضاه، فلا يسألونه إلا ما يحب. وهذه الحكاية، إما كذب على سهل ـ وهو الذي نختار أن يكون حقاً ـ أو تكون غلطاً منه، فلا حول ولا قوة إلا باللّه وهذه. " أرأيتَ كيف يتعامل شيخ الإسلام مع أخبار الرجال!. وكمثال قريب يقول بعضهم في كتابٍ له إنّ قصيدة ابن المبارك: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا .....
115باطلة لأنّ في سندها فلان متروك الحديث.
116ـ لقد مضى على هذه القصيدة أكثر من أحد عشر قرناً تناقلها العلماء والفقهاء والمحدّثين والمفسّرين بالرضى والقبول،قبلَ الأدباء والشعراء، ولم يرد أنّ أحداً أنكرها. فما معنى ما يحدث في هذه الأيّام؟!
117أنا أفهم أنّه في حالة وروود قصيدة أو مقولة أو حادثة معيّنة فيها إشكال كبير وينبني عليها خلاف كبير فإننا نضطرّ إلى الاحتكام لكتب الجرح والتعديل ومعالجة السند بالطريقة المعروفة حديثياً، هذا لا خلاف فيه (ومن المستغرب جداً أن يكون كل العلماء السالفون قد مرّوا على تلك الأحداث ولم ينكروها ثمّ نحن اليوم نزعم أنّ فيها ما يُنكر) وقد قلتُ سابقاً إذا تعلّق الأمر بالحكم على مسلم بالكفر أو الزندقة أو ما شابه ذلك فلابد من توخي الحرص والتّثبت. وما ذكرته عن أخبار الصحابة لم أعن فيه ما جاء عنهم من أمور الحلال والحرام التي تعلّموها من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ... كما فهم الأخ حارث، وإنّما قلتُ أخبارهم وفتاويهم. والله المستعان.
118ــ وأمّا ما ذكرتُهُ في مشاركتي السابقة من كون الصوفيّة منذ نشأتها في الإسلام غير مَرْضِيّة ولم يسلكها الأئمّة المتّبعون، وإنّما نُسِبَ إليها أشخاص أفاضل أمثال الفُضيل وبشر الحافي ولا شأن لهم بها، كما أنّه انتَسَبَ إليها رجالٌ عبّاد وزهّاد وأهل صدق وصلاح أمثال الجنيد والسري السقطي وتَنَزّهوا عن كثيرٍ من أفعال الصوفيّة المخالفة للشرع ولكن هذا لا يعني أبداً أنّ باقي رجال الصوفيّة الذين هم من طبقتهم كانوا على حالٍ مُرْضِيَة، والصحيح إطلاق الذم على الصوفيّة واستثناء أمثال الجنيد.
119فأنا مازلت على هذا القول، لأنّ أمثال الفضيل ومعروف الكرخي وبشر الحافي ومالك بن دينار وأمثالهم من علماء المسلمين الربانيين، لم يصفوا أنفسهم بأنهم متصوّفة ولم يصفهم أقرانهم ومن عاصرهم من العلماء بالصوفيّة!! في حين أنّ الجنيد وصف نفسه بالصوفي وطريقته وعلمه بالتصوّف.
120ـ هل وجد الأخ حارث كلاماً للإمام مالك أو سفيان أو أبو حنيفة أو الشافعي وأمثالهم ممن هم في طبقتهم، يصفون فيه الفضيل أو مالك بن دينار أو الكرخي بالمتصوّفة؟؟ إذا كان عندك نقلٌ بهذا الخصوص فأظهره لنا.
121لقد سألَ رجلٌ مالكاً: مَنْ أهلُ السُّنّة يا أبا عبد الله؟ قال: " الذين ليس لهم لقبٌ يُعرفون به، لا جهمي ولا رافضي ولا قدري .. " انتهى ترتيب المدارك ج1 صـ 172
122ـ إنّ الذي ينبغي أن يعرفه الأخ حارث وغيره أنه إذا ترجّح لديهم معنىً خاص في منشأ كلمة صوفيّة، فهذا لا يسمح لهم أن يحملوا كلام الآخرين؛ المخالفين لهم في هذا الترجيح؛ على ما ترجّحَ عندهم، ومن باب أولى أن لا يحملوا كلام المتقدّمين الذين سبقوهم بقرون طويلة على فهمهم الخاص!
123والذي أحب أن أنبّه الأخ حارث عليه هو أنّ كلمة صوفي وصوفيّة موجودة ومستخدمة قبل الإسلام، ونجد في تراجم رجال الكنيسة النصارى من يوصف بأنّه صوفي! فهم يقولون أغناطيوس الصوفي مثلاً. ولذلك عندما جاء ذلك الرجل من أهل نَصيبين (وهي في شمال بلاد الشام حيث الروم النصارى) للإمام مالك وقال له عندنا قومٌ يُقال لهم الصّوفيّة ثمّ ذَكَرَ أفعالهم العجيبة ... أجابه مالك قائلاً: ما سمعتُ أنّ أحداً من أهل الإسلام يفعلُ هذا.
124فلو كان مالك يصف أمثال الفضيل بأنه صوفي لَمَا أجاب بذلك الجواب.
125وكذلك أقوال الشافعي رحمه الله في ذمّ الصوفيّة لم تكن لتصدر عنه لو كان يعتقد أنّ أمثال الكرخي و الحافي وابن دينار من الصوفيّة.
126ومما يساعد على فهم هذا المعنى الذي أُشير إليه قول الإمام سفيان بن عُيينه، المشهور: " مَنْ فَسَدَ من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود، ومَنْ فَسَدَ من عُبّادنا ففيه شبهٌ من النصارى "
127قال المناوي في فيض القدير ج 5 صـ 261
128: ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. انتهى
129وقال ابن كثير في تفسيره ج 2 صـ 461
130كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. انتهى
131فمن هذا المنظار نحن ننظر لقضيّة الصّوفيّة الأولى وما قيلَ فيها وبخاصّة كلام الأئمّة المتقدّمين كمالك وسفيان والشافعي. والحديث في هذا يطول وشرحه يحتاج للكثير من الوقت وظروفي لا تسمح. (وبالمناسبة رأيت برنامجاً عن الصوفيّة في قناة الجزيرة عَرَضوا فيه لقاءً مع زعيم طريقة صوفيّة اسمها "نعمة الله " قال فيه: " إنّ أساتذة الصوفيّة الذين كانوا يؤمنون بوحدة الخالق وبقيم الفروسيّة قَبِلوا الإسلام ولم يقبلوا ثقافة العرب، والسبب في ذلك هو أنّ ثقافة العرب لم تكن آنذاك أي شيء سوى ثقافة قتل وسلب واغتصاب، وربّما حتى اليوم لم يتغيّر الأمر كثيراً. لقد أخذنا رحيق الإسلام وألقينا بقشرته إلى العرب. الأذكياء فقط يعلمون أننا لسنا مسلمين والأغبياء يظنوننا مسلمين مثلهم. انتهى كلامه)
132ـ وأنا عندما نبّهت الأخ حارث لقضيّة ما يقصده الشيخ ابن تيمية من القرون الأولى وهي الصحابة و التابعون وأتباعهم وليس المئة الأولى والثانية والثالثة، كنتُ أتكلّم من هذا المنطلق وكلامي لا يُعارض كلام شيخ الإسلام ولم أسقه لأخرم به كلام ابن تيمية كما زعم الأخ حارث؛ لأنّ الرقص الصوفي كان موجوداً عند الصوفيّة ولم يكن موجوداً عند الفضيل والحافي وابن دينار!
133وفي الحقيقة فإنني نبّهتُ على ذلك لأنني لمستُ في كلام الأخ حارث شيئاً من الغياب للربط التاريخي المتسلسل، ولطبقات الرجال، فإقحامه للجنيد ضمن الطبقة التي ذمّها الشافعي من الصوفيّة دليل آخر على ذلك لأنّ الجنيد ليس من طبقة الشافعي بل في القرن الذي بعده!! وأما الآخرون كالفضيل والكرخي وهؤلاء فكما قلت لك لم يكن الشافعي يسمّيهم صوفيّة أصلاً!!!!
134ـ وأحب أن أسأل الأخ حارث لماذا كل هذا الصخب؟ لقد قلتُ لك إنّ الأسماء التي ذَكَرْتَها في الطبقة الأولى من الصوفيّة جلّهم ليسوا منها ولم يسمّهم علماء التراجم المتخصصون كالذهبي بالصوفيّة، وإنما أوردهم متأخرة الصوفية في أسماء رجالهم وهذا لا يسلّم لهم أبداً، وكما تعلم فإنّ معظم هؤلاء الكتّاب كالسلمي والسراج وأمثالهم من الصوفيّة مجروحون ولا يعوّلُ المهتمّون بالأسانيد على كلامهم!!
135فمن بقي إذاً السري السقطي والجنيد وكم .. ثلاثة آخرون أم خمسة؟ طيّب قلنا لك إنهم مستثنون من الذمّ، فلماذا تظهر المسألة وكأنّها ذمٌ للمئات أو العشرات من أمثال الجنيد، ليتك تذكر أسماءهم في تلك الطبقة حتى نعلم عمن تدافع!
136· والعجيب من الأخ حارث كيف يتعامل مع الأمور؟! ففي حين أنّه يُطالب بالأسانيد واتّصالها وصحّتها وسلامة رجالها، نجده يرضى بما يسوقه له شيخ الإسلام من منامات ومكاشفات القلوب ومعرفة لما في الصدور وأمثال ذلك، والتي أقل ما يُقال فيها أنّه لا يبني عليها أي حكم شرعي أو حتى علمي، فضلاً عن أن تكون حجّة دامغة أو مرجّحة!!
137فانظر إلى ما ساقه الأخ حارث كدليل يريد أن يحسم به الأمور ويُسكت به الآخرين.
138قال: " وكذلك نقل الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهروردى، وحدثنيه عنه الشيخ عز الدين عبد الله بن أحمد بن عمر الفاروثي، أنه سمع هذه الحكاية منه، ووجدتُها معلقة بخط الشيخ موفق الدين أبي محمد بن قدامة المقدسي، قال السهروردي: كنت عزمت على أن أقرأ شيئا من علم الكلام وأنا متردد هل أقرأ الإرشاد لإمام الحرمين، أو نهاية الإقدام للشهرستاني، أو كتاب شيخه، فذهبت مع خالي أبي النجيب وكان يصلى بجنب الشيخ عبد القادر (يعني الجيلاني)، قال فالتفت الشيخ عبدالقادر وقال لي يا عمر! ما هو من زاد القبر ما هو من زاد القبر! فرجعت عن ذلك. فأخبر أن الشيخ كاشفه بما كان في قلبه، ونهاه عن الكلام الذي كان ينسب إليه القشيرى ونحوه" انتهى
139وليس ذلك فحسب بل يرضى بقصص وحكايات فيها تكفيرٌ لمئات من الأئمّة والعلماء على طول الدهر، أو قصص فيها نفي وجود أولياء لله في مدن كاملة. قال حارث: " وحدثني أيضا الشيخ محمد بن أبي بكر بن قوام، أنه سمع جده الشيخ أبا بكر بن قوام يقول: إذا بلغك عن أهل المكان الفلاني -سماه لي الشيخ محمد- إذا بلغك أن فيهم رجلاً مؤمناً، أو رجلاً صالحاً فصدق، وإذا بلغك أن فيهم ولياً لله فلا تصدق!
140فقلت: ولم يا سيدي؟
141قال: لأنهم أشعرية.
142ويُعلّق الأخ حارث على هذه الحكايات قائلاً:
143" أفلا يحسن أن يستفاد من مثل هذا في الدعوة عوضاً عن الخوض فيما لايجدي؟! انتهى
144وأقول: فإن تعجب فعجبٌ قولهم، يا أخي حارث ما هو المجدي من هذه القصص؟ قلنا لك إنّ الأئمّة الكبار ذموا الصوفيّة فلم ترضَ! وقلنا لك إنّ عند بعض أوائل الصوفيّة ابتداع فثارت ثائرتك! ورفعتَ راية الذبّ عن أعراضهم، فقلنا طيّب لأن يُخطئ المرءُ في حُسن الظن خيرٌ له من أن يُخطئ في سوء الظن، ولكنّ المفاجأة كانت عندما نجد الأخ حارث يرضى بقصصٍ عن أشخاصٍ ليسوا في رتبة الأئمّة ولا يُقاربوها؛ وفيها الطعن والتكفير بالجملة وبإطلاق!!
145قال حارث:" ثم قال: "وقال شيخ الإسلام الأنصاري: سمعت أحمد بن حمزة، وأبا علي الحداد يقولان: وجدنا أبا العباس أحمد بن محمد النهاوندي، على الإنكار على أهل الكلام، وتكفير الأشعرية، وذكرا عظم شأنه في الإنكار على أبي الفوارس القرمسيني، وهجر ابنه إياه لحرف واحد.
146قال شيخ الإسلام سمعت أحمد بن حمزة يقول: لما اشتد الهجران بين النهاوندي وأبي الفوارس، سألوا أبا عبد الله الدينوري فقال لقيت ألف شيخ على ما عليه النهاوندي. انتهى
147أهذا ما يرضيك؟ أهذه القصص عندك أولى من كلام الأئمة؟ أهذه هي الأسانيد التي تنادي بها؟
148- وعندما يمرّ الأخ حارث على قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وقال:"وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة". يعلّق عليه بكل ثقة وعزم: "فهل تراه يترضى على مبتدع؟
149- يا أخ حارث إنّ ابن تيميّة يصرّح بأنّ الهروي (صاحب منازل السائرين) له كلام فيه شيء من الحلول كما أنّه يحكي عنه مسائل خطيرة في الاعتقاد، وطبعاً لا يوافقه عليها أبداً بل يعُدّها من أخطر بدع العقائد؛ ويقول عنه إنّه يوافق جهماً، ومع ذلك يقول عنه ويصفه كلّما ذَكَرَه بشيخ الإسلام الهروي!!
150كما في الفتاوى كتاب الإيمان الكبير: " وكذلك قال شيخ الإسلام الهروي: الإيمان تصديق كله ". انتهى
151وإليك كلام شيخ الإسلام الذي جاء في الفتاوى ج14صـ 352، 358
152" ... والمقصود هنا أن جهماً اشتهر عنه نوعان من البدعة: أحدهما: نفي الصفات. والثاني: الغلو في القدر والإرجاء. فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل العباد لا فعل لهم و لا قدرة. .... ...........................
153وشاع هذا القول في كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة، فصاروا يوافقون جهماً في مسائل الأفعال والقدر، وإن كانوا مكفرين له فى مسائل الصفات، كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، صاحب كتاب (ذم الكلام)، فإنه من المبالغين فى ذم الجهمية لنفيهم الصفات. وله (تكفير الجهمية) ويبالغ فى ذم الأشعرية، مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث، وربما كان يلعنهم. وقد قال له بعض الناس؛ بحضرة نظام المُلك؛: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده مغضبًا.
154ومع هذا، فهو فى مسألة إرادة الكائنات، وخلق الأفعال، أبلغ من الأشعرية. لا يثبت سبباً ولا حكمة، بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له استحسان حسنة، ولا استقباح سيئة.
155والحكم ـ عنده ـ هي المشيئة؛ لأن العارف المحقق ـ عنده ـ هو من يصل إلى مقام الفناء، فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق، وجميع الكائنات مرادة له، وهذا هو الحكم عنده. والحسنة والسيئة يفترقان فى حظ العبد؛ لكونه ينعّم بهذه، ويعذّب بهذه. والالتفات إلى هذا هو حظوظ النفس، ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق. وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد، كما ذكر ذلك فى غير موضع. وبين لهم الجنيد الفرق الثاني، وهو أنهم ـ مع مشاهدة المشيئة العامة ـ لابد لهم من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما يحبه وما يبغضه. وبين لهم الجنيد، كما قال فى التوحيد: هو إفراد الحدوث عن القدم. فمن سلك مسلك الجنيد، من أهل التصوف والمعرفة، كان قد اهتدى ونجا وسعد. ومن لم يسلك فى القدر مسلكه، بل سوى بين الجميع، لزمه ألا يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين الأنبياء والفساق، فلا يقول: إن اللّه يحب هؤلاء وهذه الأعمال. ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال، بل جميع الحوادث هو يحبها كما يريدها، كما قاله الأشعري. وإنّما الفرق: أنّ هؤلاء ينعمون، وهؤلاء يعذّبون.
156والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا ـ بالنسبة إلى المخلوق ـ كان أعقل منهم. فإن هؤلاء يدعون أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لا يفرق بين هذا وهذا. وهم غلطوا في حق العبد وحق الرب ....................
157والمقصود هنا: الكلام على من نفى الحكم والعدل والأسباب في القدر من أهل الكلام والمتصوّفة، الذين وافقوا جهماً في هذا الأصل. وهو بدعته الثانية التي اشتهرت عنه، بخلاف الإرجاء، فإنه منسوب إلى طوائف غيره. فهؤلاء يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه ويمكن فعله، من غير مراعاة حكمة ولا رحمة ولا عدل. ويقولون: إنّ مشيئته هي محبّته. ولهذا تجد من اتبعهم غيَر معظّمٍ للأمر والنهي، والوعد والوعيد، بل منحلّ عن الأمر الشرعي كلّه أو عن بعضه، أو متكلّف لما يعتقده أو يعلمه، ............ وهؤلاء يدعون الفناء عن الحظوظ. فتارة يقولون فى امتثال الأمر والنهي: إنه من مقام التلبيس، أو ما يشبه هذا، كما يوجد فى كلام أبي إسماعيل الهروي ـ صاحب منازل السائرين. انتهى
158فهل يصحّ أن يُقال في مذهبك يا أخ حارث عن الهروي شيخ الإسلام؟
159إن قلتَ لا. قلنا لك قد قالها ابن تيمية.
160وإن قلتَ نعم. رسبتَ في الامتحان وكنتَ متناقضاً.
161لذلك أنصحكَ أن تلتزم بالدليل الحقيقي والحجّة القاطعة ولا تلتفت إلى أمثال هذه الأشياء، فأقوال الشيخ ابن تيميّة في هذا السياق لا يمكنك أن تُنْزِلها منزلة أقوال النبي صلى الله عليه وسلّم في الإقرار والإطلاق كما يفعل أهل الفقه والأصول.
162على أنّه ينبغي أن نعلم أن كلام الإمام ابن تيمية في مسألةٍ ما، لا يمكن حمله على محملٍ معيّن حتى يُجمع كل ما قاله في تلك المسألة ويُمحّص ومن ثَمَّ يمكن إطلاق الحكم عليه. هذا لكي لا يتقوّل أحدنا عليه ويسقط أراءه الخاصّة على كلامه رحمه الله.
163ـ هناك شخصيّات ليست من الصحابة وإنّما من أعيان القرن الرابع وما بعده، عندما يصف الإمام ابن تيميّة أحدهم يقول رضي الله عنه! ويقول العارف بالله، ويقول قدّس الله روحه وأمثال هذه الكلمات. فهل إذا قال أحدهم إنّ كلمة رضي الله عنه خاصّة بالصحابة والسلف لم يستخدموها مع غيرهم، وكلمة العارف بالله وقدس الله روحه مُحدَثة لم تجري على ألسنة السلف! سيرضى الأخ حارث أم ستثور ثائرته؟ مع العلم أنّ كون ذلك مُحدَث لا يطعن بإمامة شيخ الإسلام.
164وختاماً أقول: والله العظيم إنني لم أتعرّض في حياتي كلّها للكلام في أمثال الجنيد أو السري وهذه أوّل مرّة أضطر فيها للخوض في هذه الأمور، ومع ذلك فأنا لم أنسبهما إلى كفر أو زندقة أو فسق كما يوهم كلام الأخ حارث، ولم تكن مشاركتي السابقة انتصاراً للأخ حنبل أو لغيره ولم تكن هجوماً على أحدٍ أبداً، وإنّما أحببتُ أن أوضّحَ مسألة كانتَ محلّ خلاف بين المتحاورين، ولم يكن غرضي إطلاق حكم على أحد من صالحي الأمّة التي خلَت، ويبدو أنّ الأخ حارث أساء فهمي جداً وحمّل كلامي ما لا يحتمل وصار يخاطبني وكأنني أنا صاحب عنوان الموضوع.
165بقي أن يعرف الأخ حارث أنني إنما أكتب وأشارك باسمي الحقيقي الذي أُعرف به، ولا أستخدم اسماً وهمياً كما يفعل الكثيرون، وعندما أكتب فأنا أراعي تَبعَات ذلك. فأرجو من الأخ حارث أن يراعي ذلك.
166ملاحظة: أرجو التنبّه لأمر هام وهو أنّ هذه الرسالة التي كتبتُها تعليقاً على بعض القضايا التي ورَدَت في رد الأخ حارث، إنّما هي لمحات موجزة وعناوين مختصرة، وليست بحوثاً أو تحقيقات محكمة العرض والتناول، والغرض منها التنبيه على مسائل وأصول علميّة ينبغي أن تأخذ في الحسبان عند النظر في ما كُتِبَ ويُكتب في المؤلّفات القديمة أو الحديثة.
167ولذلك أرجو أن لا تُتّخذ أمثال هذه الردود والتعليقات كمرجع لتصنيف الكاتب. وإذا كان هناك ثَمّةَ إشكال في فهم المراد من بعض التعليقات فأرجو أن لا يتسرّع الإخوة في إطلاق الحكم قبل الاستفسار من الكاتب.
168والحمد الله في بدء وفي الختام والسلام.
المصادر والنسخ
مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.
أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة موضع النشر الأول
من أرشيف ملتقى أهل الحديث (تصدير المكتبة الشاملة)، بحسابه «أبو إدريس الحسني».