1الأخ الكريم أبو سجا السلام عليكم
2كنت قرأت رسالة الأخ ظافر وعلّقتُ عليها وهذا بعض التعليق:
3..... فوجئتُ عندما قرأت رسالة الأخ ظافر فإني وجدته يقول عن التعزية:
4ومعلومٌ أن التعزية عبادة من العبادات ........
5وكذلك يقول: ...........
6وقد جعل الإسلام هذا الأصل من حق المسلم على المسلم، في تشييع جنازته، والصلاة عليه، والمشاركة في دفنه، وتعزية أهله من بعده، ورتب على ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل، كل ذلك لأجل التقارب والتراحم والتعاطف، وشرع أيضا مواساة أهله، والوقوف معهم، وتصبيرهم وتذكيرهم بالله، حتى لا يُقَطِّع الحزن جنانهم، ولا يدخل الشيطان عليهم بالوسوسة، وبالتحزين، وحتى لا يجرهم ذلك لفعل البدع والمنكرات.
7• ثم قال: وإذا عُلم أن التعزية سنة مشروعة، فإن البدعة لا تحيي سنة،
8وقال: فإن التعزية مقصد، لما ورد من مشروعيتها، وفضلها، ولا وسيلة لتحصيلها في مثل هذه الأزمنة إلا باستقبال المعزين، والجلوس ..........
9والذي أريد أن أسأله للأخ ظافر من أين استقيت هذه الأحكام عن التعزية؟ أعني قولك عنها: سنة مشروعة، أو مقصد شرعي، وعبادة من العبادات، ومن حق المسلم على أخيه المسلم؟؟؟؟؟؟؟؟ حبّذا لو تدلني على مراجعك العلمية لأستفيد منها.
10• والذي فاجأني أيضاً قوله: وإن من المسائل التي كثر الكلام عليها بين أهل العلم مسألة الجلوس للتعزية، وخاصة في هذا الزمن، بل قد سمعت من بعضهم من يقول بأن الجلوس للتعزية بدعة منكرة، انتهى
11فكلامه يوحي أنها مسألة جديدة في زمننا وأنّ القول ببدعيّتها محدث وجديد. مع أننا نعلم أن العلماء من لدن الصحابة إلى زمننا يصفون التصدي للعزاء بأنه بدعة منكرة، وقد ذكر الأخ ظافر بعض كلامهم في رسالته، فلماذا نسيه؟
12ثمّ عاد ففاجأني بقوله: اختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في مسألة الجلوس للتعزية على قولين: ............ انتهى
13فأوحى للقارئ أنّ المسألة فيها خلاف بين العلماء أو المذاهب قديماً. واستدلّ لكلامه فقال:
141ـ نُقل عن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ الرخصة في ذلك، فقد نَقل ابن مفلح (ت 884هـ)، والمرداوي (ت885هـ) ـ رحمهما الله تعالى ـ عنه (الرخصة لأهل الميت، نقله حنبل واختاره المجد؛ وورد عنه أيضاً الرخصة لأهل الميت ولغيرهم، وقال بكراهته إذا كان فيه تهيج للحزن) (2).
152ـ وقال ابن قدامة (ت620هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: (وجملته أنه يستحب إصلاح طعام لأهل الميت، يبعث به إليهم، إعانة لهم، وجبرا لقلوبهم؛ فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم).
16فقول ابن قدامة: (وبمن يأتي إليهم) فيه دليل على أن الاجتماع للعزاء هو قوله. ا. ه
17والكلام الذي نقله عن الإمام أحمد غير واضح و لا مفهوم والمعروف عنه خلافه وهو المنصوص عليه في كل كتب الحنابلة.
18قال المرداوي الحنبلي: (ويكره الجلوس لها، هذا المذهب وعليه أكثر أصحابنا ونص عليه، قال في الفروع: اختاره الأكثر، قال في مجمع البحرين: هذا اختيار أصحابنا)،
19والذي أريد أن أسأله للأخ ظافر: إذا كان ابن قدامة الحنبلي في كتابه المغني يفتي بكراهة الجلوس للعزاء ولم ينقل قولاً مخالفاً لا في مذهبه ولا في غيره، فكيف يصح أن تنسب إليه القول بالجواز؟!
20والواضح في النص الذي نقلته عن ابن قدامة أنه يتكلّم عن صنع الطعام لأهل الميت وأنه مستحب، ولكنكَ فهمت من قوله: فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم)
21أنه يقول بالجواز، وهذا الفهم بعيد، لأنّك حمّلت الكلام أكثر مما يحتمل ونسبتَ للرجل خلاف قوله ثم قلتَ: اختلف العلماء؟؟؟
22• حبذا يا أخ ظافر أن تدلنا على أسماء العلماء الأوائل الذين صرّحوا بجواز الجلوس للعزاء، لكي نضعهم في مقابلة العلماء الآخرين وننظر في أدلة كل طرف.
23ـ ثمّ يتابع الأخ ظافر فيقول واستدلّوا لهذا القول بأدلة منها:
24الدليل الأول:
25حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ في الصحيحين: (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن ـ إلا أهلها وخاصتها ـ أمرت ببُرْمَةٍ من تَلبينة فطبِخَت, ثمّ صنع ثريدٌ فصُبّتِ التّلْبينَةُ عليها ثم قالت: كلنَ منها, فإِنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "التّلبينة مَجمّةٌ لفؤاد المريض, تَذهبُ ببعضِ الحُزْن" (1).
26فهذا الحديث فيه الدلالة على أنهم كانوا لا يرون في الاجتماع بأساً، لا اجتماع أهل الميت، ولا اجتماع غيرهم معهم، ففي الحديث "أنها كانت إذا مات الميت " فهذا يدل على أنها كانت عادة عندهم، إذا مات الميت اجتمع لذلك أهل الميت، وفي الحديث "ثم يتفرقون" ولا يتفرقون إلا بعد اجتماع، ويبقى أهلها وخاصتها، مما يدل على أن غيرهم كان معهم ثم ذهب، كما أن أهل الميت يصنعون لأنفسهم طعاماً، فهو من صنعة الطعام. انتهى
27• وهنا أعود فأسأل الأخ ظافر من هو الإمام الذي استدل بهذا الحديث؟؟
28ـ أمّا البخاري فقد استدل به في باب الأطعمة وفي باب الطب، ولم يستدل به في باب العزاء!!
29وأما الإمام مسلم فقد استدل به في باب السلام. وقال شارحه: وإنما كانت عائشة رضي الله عنها تصنع ذلك لأهل الميت لأنهم شغلهم الحزن عن الغذاء فيشتد عليهم حرارة الجوع والحزن فإذا أكلوا ذلك سكنت عنهم تلك الحرارة. انتهى
30وأمّا أنا فيدفعني الفضول لمعرفة من الذي استدل بهذا الحديث من العلماء في جواز الجلوس للعزاء؟
31وأمّا بخصوص ما فهمه الأخ ظافر من الحديث فإني أرى أنه قد تكلّف جداً حتى خرج بهذا المعنى، وأظن أنه لم يُسبق إليه.
32يا أخ ظافر إن علماء هذه الأمة لم يمنع واحد منهم الاجتماع عند أهل الميت عند مصيبة الموت لكي يعينوهم ويقفوا معهم في مصيبتهم ويؤدوا إليهم حقوقهم، وهذا الأمر معروفٌ قديماً وحديثاً فبمجرّد وصول نبأ الوفاة يهرع الأقارب والجيران والأصدقاء إلى بيت الميت ليقدّموا العون الممكن وليصبّروا أهل الميت ويساعدوهم في أمور التغسيل والتكفين والصلاة والدفن ثم بعد ذلك ينصرفون إلى حوائجهم ويبقى المقرّبون من أهل الميت من أقاربه وذويه ثم بعد ذلك ينصرفون هم أيضاً، وهذا المفهوم من حديث عائشة، ولكن هذا لا علاقة له بمجلس العزاء الذي يقام في الأيام التالية وعلى الهيئة المعروفة!
33وأما الدليل الثاني الذي ساقه الأخ ظافر فهو:
34الدليل الثاني:
35استدلوا بما روته عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قتلُ ابن حارثة و جعفر وابن رواحة جلسَ يُعرفُ فيه الحُزنُ، وأنا أنظرُ من صائر الباب شق الباب، فأتاه رجلٌ فقال: إن نساء جعفر ـ وذكر بكاءهن ـ فأمره أن ينهاهن فذهب، ثم أتاه الثانية لم يطعنه، فقال: إنهَهُن، فأتاه الثالثة قال: والله غلبننا يا رسول الله، فزعمت أنه قال:"فاحثُ في أفواههن التراب"، فقلت: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من العَنَاء). انتهى
36وأنا أسأل الأخ ظافر: مَنْ استدل بهذا الحديث على جواز مجالس العزاء؟
37فقد رواه البخاري واستدل به في باب الجلوس عند المصيبة يُعرف فيه الحزن. قال شارحه: أي جلس حزيناً، وعدل إلى قوله: يُعرف، ليدل على أنه صلى الله عليه وسلم كظم الحزن كظماً. وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جِبِلَّة البشرية. وهذا موضع الترجمة، وهو يدل على الإباحة لأن إظهاره يدل عليها. نعم إذا كان معه شيء من اللسان أو اليد حرم. انتهى
38وكذلك فعل أبو داود، أما الإمام مسلم فقد استدل به في التشديد في النياحة وأما النسائي ففي النهي عن البكاء على الميت.والواضح في الحديث يا أخ ظافر أن الرجل الذي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزّه بل جاءه ليخبره ببكاء نساء جعفر عليه فأمره أن ينهاهن عن البكاء. فما وجه الاستدلال؟؟ ثم إنّ كلامنا في مجالس التعزية خاصّة وليس في كل جلوسٍ يجلسه المرء ويمكن أن يُعزّى فيه! فهذا في علمي لم يمنعه أحد.
39وأما الأدلة الأخرى التي ساقها الأخ ظافر فهي كما قال: كلها ضعيفة لا تثبت ولا يحتج بها، ومع ذلك فإنه أيضاً تكلّف في تحميلها المعنى الذي يريده وهي لا تحتمله.
40ثم ختم الأدلة بقوله: الدليل السادس:
41ومما يدل على جواز الاجتماع للتعزية، أن الاجتماع للعزاء من العادات، وليس من العبادات، بناء على الأصل، والأصل في الأشياء الإباحة، وهذا ظاهر من حديث أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن ... الحديث). فقول: (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك) أنه كان عادة عندهم، ولم أرَ أحداً من العلماء ـ مع بحثي القاصر ـ قال: إن الاجتماع للعزاء عبادة، ومعلوم أن البدع لا تكون في العادات المحضة، إلا إذا اعتقد بها التقرب إلى الله تعالى، وليس لها أصل في الشرع فهذه العادة تصبح بدعة. انتهى
42ثم استشهدَ بقول شيخ الإسلام ابن تيمية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: (فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به، وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله).
43وأقول: يا أخ ظافر ألا ترى معي أن كلام شيخ الإسلام واضح في حسم المسألة، لأنه كما تعلم أن مجالس العزاء صارت عند الناس من الواجبات والمستحبّات ولذلك قال العلماء عنها إنها بدعة منكرة.
44وكذلك قولك في العادات المحضة، فهل هذه المجالس عادات محضة؟ وأنت الذي قلتَ إن التعزية عبادة وسنة ومقصد، وهذه المجالس وسيلة إليها فكيف تجعلها عادات محضة!!!!!!
45فإذا أتاك من يقول إن الاحتفال بالمولد النبوي هو من العادات المحضة وهو مباح، فهل سترضى بذلك؟
46ثم إن المباحات ليست بإطلاق، كما قال الإمام الشاطبي:
47" إن كل مباح ليس بمباح بإطلاق، وإنما هو مباح بالجزء خاصة (أي بالنظر إليه في ذاته) وأما بالكل (أي بالنظر فيما يتعلّق به من الأفعال) فهو إما مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك " انتهى
48فإذا تجاوزنا معك وقلنا إن الجلوس للعزاء بحد ذاته مباح، ونظرنا فيما يتعلّق به من الأفعال، لوجدنا أنه يتعلّق به الكثير من البدع والمنكرات والتكاليف والإزعاجات والإرهاق والإثقال وتضيع لبعض المصالح كما هو مشاهد وكما أشرتَ إليه في رسالتك، ومن ثمَّ فإنه مطلوب الترك ولم يعد مباحاً. فكيف و في الأصل لم نسلم لك بأنه مباح؟
49ثم أسألك يا أخ ظافر لماذا كل هذا التضخيم في كلامك حين تقول:
501ـ فدلت الأحاديث والآثار على أن السلف كانوا لا يرون بأساً في الاجتماع ...
512ـ أما الجلوس للتعزية فقط فهذا لا يُعلم أن أحداً من السلف قال: إنه من النياحة وحده، أو أنه نهي عنه، بل حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ حديث التلبينة ـ الذي استدل به أصحاب القول الأول يرده.
523ـ ومما يدل على اجتماع السلف ما ذكره ابن حجر
534ـ فهذا أبو النضر يذكر أنهم كانوا عند المسعودي وهو يُعزى في ابن له، مما يدل أن السلف كانوا يجتمعون، وليس فيه بأس.
545ـ قلت: أما قوله ـ رحمه الله تعالى ـ: (التصدي للعزاء بدعةٌ ومكروه) فيُرد على هذا القول بالأدلة والآثار الصحيحة التي استدل بها أصحاب القول الأول. انتهى
55والسؤال:
56• أين الأحاديث والآثار التي تتكلم عنها وتوحي للقارئ بكثرتها ولم تذكر سوى حديث عائشة، الذي لم يستدل به أحد من السلف على ما ذهبتَ إليه، بل وليس فيه ما يساعد على قولك بالجواز.
57• وأين الدليل على أن السلف كانوا يجتمعون للعزاء؟؟، أمّا قصة المسعودي (في رسالتك يوجد خطأ مطبعي فوفاته كانت 160هـ وليس 65هـ) فليس فيها دليل على وجود مجلس عزاء، ثم هب أنه فعل ذلك فهل فعله بالضرورة يكون جائزاً، ألم تنح بعض الصحابيات على موتاها رغم النهي النبوي عنها، أم سيأتي من يبيح النياحة لفعلهنّ!!!
58ـ ثم يا أخ ظافر الإمام مالك نهى عن الجلوس للعزاء وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وكل من كان في طبقتهم، وأنت لا أدري لماذا لا تعتبرهم سلفاً، في حين تعتبر ابن حجر العسقلاني الذي جاء بعدهم بسبعة قرون فتقول عنه إنه هو السلف؟؟؟؟
59وهذا قولك: إن فهم الحديث الشريف لا يكون إلا بما فهمه السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ فهذا ابن حجر يقول في شرحه لهذا الحديث: (وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار).
60ومع ذلك فإنّ كلام ابن حجر ليس فيه إباحة مجالس العزاء، بل هو يعني مطلق الجلوس وهذا لا خلاف فيه (بمعنى أن الرجل إذا كان جالساً في بيته أو متجره أو بستانه فأتاه من يعزيه بميّته فهذا مشروع، لا أن يُحدث مجلساً خاصّاً للعزاء!) وهذا هو مقصود ابن حجر وهو شافعي المذهب ولم يُخالف أحدٌ من الشافعية في مسألة كراهية مجالس العزاء!
61يا أخ ظافر إذا كنتَ تريد أن تعرف ما هو فهم السلف لهذه المسألة فبإمكانك أن تنظر في فهارس كتب السنّة لتجد أنهم كانوا يبوّبون فيقولون كما في سنن ابن ماجة:
62باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام
63وجاء في مصنف ابن أبي شيبة
64ما قالوا في الإطعام عليه والنياحة. ثم روى
6511348 حدثنا معن بن عيسى عن ثابت عن قيس قال: أدركتُ عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الميت الجماعات يقول: ترزؤون وتغرمون.
66و إسناده حسن.
6711349 حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة قال: قدم جرير على عمر رضي الله عنهما فقال: هل يناح قِبلكم على الميت؟ قال: لا. قال: فهل تجتمع النساء عندكم على الميت، ويطعم الطعام؟ قال: نعم. فقال: تلك النياحة.
68وهذا إسناد صحيح عند من اكتفى من الثقة غير المدلس المعاصرة فقط لمن يحدث عنه، وطلحة بن مصرّف قد عاصر جريراً، وكلاهما سكنا الكوفة. (وطلحة ثقة كبير) وهذا هو مذهب جمهور المحدّثين، إلا أنّ البخاري رحمه الله اشترط في صحيحه المعاصرة والتصريح بالسماع، وإذا كان الأخ ظافر (وقد ضعّفَ هذا الأثر) يعُدّ هذا الشرط ضرورياً، فإنه يلزمه أن يضعّف نصف الأحاديث النبوية التي رواها الإمام مسلم وأصحاب السنن والمسانيد!!! ولم أجد من نفى سماع طلحة من جرير، بل إنّ ابن معين نفى سماع طلحة من أنس رضي الله عنه، مع أنّ البخاري ومسلم والنسائي رووا لطلحة عن أنس!!!!!!!!!
69فهذان أثران صحيحان يبيّن فيهما السلف أن الاجتماع عند الميت للعزاء منهي عنه!
70وبهذا نجد أنّ قول الأخ ظافر: " أما الجلوس للتعزية فقط فهذا لا يُعلم أن أحداً من السلف قال: إنه من النياحة وحده، أو أنه نهي عنه ". غير صحيح.
71والعجيب أن الأخ ظافر يقول في رسالته: ولا خلاف في تحريم المآتم.
72والسؤال ما الفرق بين المآتم ومجالس العزاء؟؟ إذا كان الشافعي يقول:
73"والمأتم هي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء "
74وهل مجالس العزاء عندكم هي للأفراح، أم تجدد الحزن؟
75والأعجب من ذلك أن الأخ ظافر وبكل بساطة أتى إلى حديث جرير البجلي وهو: " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة " فضعّفه وزعم أنّ الدارقطني قد أعلّه!!!
76وبعد ذلك أعلن أنه لم يبقَ للمانعين أي دليل يعتمدون عليه.مع أن الحديث صحيح باتفاق كل العلماء المحدّثين الأوائل والأواخر، وهذا الأثر صححه الإمام النووي كما في المجموع.
77وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: (إسناده صحيح رجال الطريق الأول على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم).
78وصححه الألباني في أحكام الجنائز، وفي صحيح ابن ماجه.
79بل قال شارحه السندي: قوله:" كنا نعدّ الاجتماع .. هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة، أو تقرير النبي صلى الله عليه وسلّم، وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حجّة .. "
80وأمّا تضعيف الأخ ظافر للحديث بكل طرقه فلا يمكن أبداً، قد يضعّف أحد طرقه، أمّا أصل الحديث وبكل طرقه فهذا غير ممكن وغير مقبول وفيه خروج على قواعد علم الحديث، وعلى إجماع أئمة هذا الشأن. ولبيان ذلك أقول:
81أولاًـ إن حديث الطبراني بمفرده كاف وواف، وهو:
822278 حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني ثنا سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال: قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: ....... الحديث
83وهذا إسناد في غاية الصحة
84ثانياً ـ بالنسبة لتدليس هشيم فهذا مُسلّم به، ولكن ما هي رتبة هذا الإسناد إن سلمنا أن هشيم قد دلس فيه، خاصة وأن شيخ هُشيم الذي دلسه قد عُرف وهو شريك بن عبد الله القاضي.
85قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع.
86وقال الذهبي: .. أحد الأعلام وثّقه ابن معين، وقال غيره سيء الحفظ، وقال النسائي: ليس به بأس، هو أعلم بحديث الكوفيين من الثورى قاله ابن المبارك.
87وهذا يعني أن هذا الإسناد يصلح للاعتبار عند جميع المحدثين المتشددين منهم وغيرهم، والغريب أن الأخ ظافر قد أهمل الحديث ولم يجعل له أي اعتبار.
88ثالثاً ـ يقول الأخ ظافر: إن الدارقطني أعلَّ إسناد عباد بن العوام، ولا أعلم كيف فهم هذا من كلام الدارقطني، فمن المعلوم لمن طالع في كتاب علل الدارقطني أن الدارقطني يتكلم فيه على الأحاديث والأسانيد على وجه عام فيصحح تارة ويضعّف أخرى، ويتكلم على الرجال فيضعّف تارة ويوثق أخرى .... .
89ولم يقل أحدٌ من أهل العلم أن مجرد مرور ذكر إسناد أو حديث في علل الدارقطني هو إعلالٌ لهذا الحديث منه، خاصة إذا كان إيراد الإسناد، كما في حالتنا هذه، في معرض تبيين أصل الحديث، ورواياته، أو ما صح من أسانيده أو بذكر المخالف، أو رجحان الآخر ... .
90فلماذا الطعن في إسناد عباد بن العوام، وهو إسناد صحيح بلا خلاف؟!، وطريقه مغايرة لطريق هشيم!! ولماذا إلصاق هذا الطعن بالإمام الدارقطني وهو منه بريء؟؟
91وإليكم عبارة الدارقطني التي ساقها الأخ ظافر قال:
92" .. وأعله الدارقطني (كذلك)، فقد سئل عن حديث قيس عن جرير رضي الله عنه: (كانوا يرون الاجتماع إلى أهل الميت، وصنع الطعام من النياحة) فقال: يرويه هُشيم بن بشير واختلف عنه فرواه سريج بن يونس والحسن بن عرفة عن هُشيم عن إسماعيل عن قيس عن جرير، ورواه خالد بن القاسم المدائني. (قيل: ثقة؟، قال ـ أي الدارقطني ـ: لا أضمن لك هذا. خرجوه عن هُشيم عن شريك عن إسماعيل، ورواه أيضا عباد بن العوام عن إسماعيل كذلك.
93والسؤال: أين ذكر إعلال هذا الحديث في كلام الدارقطني؟؟؟
94أرجو من الأخ ظافر أن يعيد النظر في هذه المسألة.
95وكذلك فإن قول الأخ ظافر إن النياحة يكون فيها أمران مجتمعان:
96الاجتماع للعزاء وصنعة الطعام، ولا تكون بواحد منهما منفرداً، وهذا بعيد لأن قول جرير البجلي: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة "
97ليس يلزم منه إقترانهما ضرورة. وهذا ما فهمه العلماء في جميع المذاهب وقد نقلتُ بعض أقوالهم في رسالتي. وبدليل تفريقهم بين ذكر الإطعام وبين النياحة:
98جاء في مصنف عبد الرزاق
99باب الصبر والبكاء والنياحة. ثم روى
1006689 عبد الرزاق عن الثوري عن هلال بن خباب عن أبي البختري قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية، وبيتوتة المرأة عند أهل الميت من أمر الجاهلية، والنياحة من أمر الجاهلية.
101وهذا إسناد حسن.
102وجاء في مصنف ابن أبي شيبة
103ما قالوا في الإطعام عليه والنياحة. ثم روى
10411346 حدثنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن هلال بن خباب عن أبي البختري قال: الطعام على الميت من أمر الجاهلية، والنوح من أمر الجاهلية.
105وهذا إسناد حسن كما سبق.
106ثمّ ختم الأخ ظافر رسالته بهذه النتيجة:
107الراجح في هذه المسألة:
108الذي ترجح لي في هذه المسألة هو القول الأول، فلا بأس بالجلوس لاستقبال المعزين وذلك بشروط:
109أ- أن يخلو المجلس من المنكرات، والبدع.
110ب- ألاَّ يكون فيه تجديد للحزن، وإدامة له.
111ت- ألاَّ يكون فيه تكلفة مالية على أهل الميت، وإثقال عليهم.
112د- ألاَّ يصاحب الجلوس نياحة، أو تسخط، أو جزع.
113هـ- ألاَّ يطيل المعزي المكث عند أهل الميت، حتى لا يفضي ذلك إلى الإثقال عليهم.
114ز- ألا يكون في جلوسه تضييع لمصالحه الشخصية، أو لمصالح المسلمين.
115فإذا كان مجلس العزاء خالياً من هذه المحاذير فالجلوس فيه مباحٌ لا بأس به. والله ـ تعالى ـ أعلم.
116يا أخ ظافر ولمّا كانت مجالس العزاء لا تخلو عن واحدة من هذه المحاذير ألم يكن من الأولى ترجيح القول الثاني (الذي عليه كل المذاهب السلفية والخلفية) في منع هذه المجالس.
117ولكنني أجدك قد أخذت بحديث عائشة فضخّمته جداً ثم رحت تبطل به حجج كل العلماء وأخبار السلف وفتاوى المذاهب وهو لا يحتمل ذلك. أرجو من الأخ ظافر أن يكون صدره رحباً ويتسع لما أقول. وفي الحقيقة أنني كنت أتمنى أن أقع في رسالتك على أمر يمكنني به أن أترخّص في هذا الأمر الذي يسبب لي ضغطاً اجتماعياً ولكنني لم أجد.والسلام عليكم.
من أجوبته في النقاش
ردود كتبها الشيخ على أسئلة القرّاء واعتراضاتهم في الموضوع نفسه. ويُعرض مع كل رد طرف من آخر مشاركة سبقته، للسياق؛ وقد يكون جوابه موجّهًا إلى مشاركة أقدم منها.
نفي نسبة القول بالجواز وتضعيف جرير إلى أحمد25 فبراير 2008م
1السلام عليكم وبارك الله فيكم
2بداية أرجو من الإخوة المشاركين الذين نقلوا أن مذهب أحمد هو جواز هذه المجالس أن يدلوني على مكان هذه الرواية؛ فالكتب التي ذكرتموها ليست عندي.
3والذي وجدته في كتب المذهب الحنبلي هو عدم الجواز سواء في (المغني) أو (الإنصاف) أو غيرها
4وبخصوص ما قيل أن الإمام أحمد قال عن حديث جرير: (لا أصل له)
5فهذا بعيد جدًا فيما أرى. وذلك لأسباب:
61ـ إن هذا القول لا وجود له في النسخة المدنية لـ (مسائل الإمام أحمد) لأبي داود!
72ـ وإنما ـ حسب ما ورد في نسخة رشيد رضا ـ هذا القول وجدوه في ورقات وجدوها مرفقة في آخر النسخة الدمشقية (الظاهرية) فأضافوها إلى النسخة المطبوعة.
83ـ إن جميع المحدّثين عندما تعرّضوا للكلام على هذا الحديث لم يذكروا قول الإمام أحمد هذا! فلو كان معروفًا ومحفوظًا عندهم لذكروه.
94ـ قال الإمام البوصيري في (مصباح الزجاجة) بعد روايته لحديث جرير: ((هذا إسناد صحيح، رجال الطريق الأول على شرط البخاري، و الثاني على شرط مسلم .. ))
انتهى [1/ 535]
105ـ فحديث بهذا الإسناد كيف يُعقل أن يقول عنه الإمام أحمد لا أصل له؟؟!!
116ـ روى هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده، وأحمد بن منيع في مسنده، وابن ماجه في سننه
12بالسند المتصل ومع المتابعات، ولم يطعن فيه أحدٌ من أئمة علم الحديث، فلا يُعقل أن يقول فيه الإمام أحمد (لا أصل له)!!
137ـ قال الإمام السندي في شرح هذا الحديث: ((قوله (كنا نرى) هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة رضي الله عنهم أو تقرير النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الثاني فحكمه الرفع وعلى التقديرين فهو حجة؛ ثمّ قال: ((وبالجملة فهذا عكس الوارد، إذ الوارد أن يصنع الناسُ الطعامَ لأهل الميت، فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلَّفوا لأجلهم الطعام قلبٌ لذلك، وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلبٌ للمعقول لأن الضيافة حقها أن تكون للسرور لا للحزن!))
انتهى حاشية السندي على ابن ماجه.
14والسلام عليكم
المصادر والنسخ
مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.
أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة موضع النشر الأول
من أرشيف ملتقى أهل الحديث (تصدير المكتبة الشاملة)، بحسابه «أبو إدريس الحسني».