تراث الشيخ خلدون الحسنيأرشيف رقمي لآثاره العلمية

التجلية لحكم الجلوس للتعزية

نُشر بعنوان: إذا كنت من رواد مجالس العزاء .. فهنا تقبل التعزية!

النص كامل منشور بحسابه 13 أبريل 2005م 16 دقيقة قراءة · 2,963 كلمة
تعريف موجز من إعداد الأرشيفيرى الشيخ أنّ «جلسة التعزية» المعروفة في الشام بالتمساية والعصرية بدعة. فيعرض عادات الجاهلية عند الموت ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عنها، ومنها الإسعاد في النياحة، ثم يبيّن أنّ السنة الثابتة اتباع الجنائز والصلاة عليها ودفنها، وأنّ التعزية مستحبة ليس فيها حديث صحيح. وينقل كراهة الجلوس للعزاء عن الحنفية (ابن عابدين، البزازية) والشافعي والنووي والحنابلة والمعيار، وحديث جرير «كنا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميت…». وفي ردّه يناقش أدلة رسالة «ظافر» في الجواز ويصحّح أثر جرير.
ملاحظة: جوابه الطويل الملحق بهذا البحث انقطع في نسخة الأرشيف، وتتمته في جوابه المحفوظ ضمن موضوع «إشكال في الاجتماع وصنع الطعام للميت».

1التجلية، لِحُكْم الجلوس للتعزية

2الحمد لله المحيي المميت، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد و على آله و أزواجه أمّهات المؤمنين، أمّا بعد:

3فقد استقرّت في أذهان الكثير من النّاس أمورٌ يظنون أنها من الدّين، وأنّهم يتقرّبون إلى الله بفعلها، فهم يتنافسون فيها ويَعِيبُون على من قصّر فيها، ثم لا يَجِدُون من يخالفهم بشأنها، فتصير من المسلّمات التي لا مجال للحديث فيها. وتمضي الأيّام فإذا هذه الأمور قد أصبحت من عقائد الناس و أُقحمت عُنوة في الشريعة، مع أن الشريعة قد جاءت بخلافها، و لكنّ الناس بدّلوا و غيّروا ..

4ومن هذه الأمور (جلسة التعزية) أو ما يسمّى في بلاد الشام بـ (التمساية للرجال و العصريّة للنساء) وسأعرض لك، أخي المؤمن، الأحكام الشرعيّة التي أمرنا الله بها، وبيّنها لنا رسوله صلى الله عليه وسلّم ونصّ عليها جميع علماء المسلمين على اختلاف مدارسهم الفقهيّة، بخصوص هذا الأمر، ليظهر لك البون الكبير بين ما أمرنا الله به و ما يفعله الناس في زماننا هذا. و قبل الشروع في هذا العرض سأقدم بين يديه بياناً موجزاً لما كان يفعله العرب في الجاهلية عند الموت و بعد الدفن:

5ـ روى رزين عن عبد الرزاق، و أبو داود عن أنسٍ قال: (كانوا في الجاهلية يَعْقِرون عند القبر بقرة، أو ناقة، أو شاة ً، و كانوا يسمّون العقيرة: البَليِّة، فلمّا جاء الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لا عَقْر في الإسلام). وهو حديث صحيح.

6و العَقْرُ: ضرب قوائم الفرس أو البعير بالسيف وهو قائم فيسقط، و كذلك كانوا يفعلون في الجاهلية عند قبر الميّت، ويقولون: إنّ صاحب القبر كان يعقر للأضياف فنحن نفعل كذلك في موته كما كان يفعله في حياته.

7و البليّة: هي النّاقة التي كانت تُعقَل في الجاهليّة عند قبر صاحبها، فلا تُعلف و لا تسقى إلى أن تموت أو يحفرون لها حُفيرة و يتركونها فيها إلى أن تموت، لأنهم كانوا يزعمون أن الناس يحشرون يوم القيامة ركباناً على البلايا، إذا عُقلَت مطاياهم عند قبورهم.

8انظر جامع الأصول لابن الأثير ج 9صـ141.

9و كانوا يضربون الخدود، ويشقّون الجيوب [1] عند مصيبة الموت؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك و قال: (ليس منّا من شقَّ الجيوب، و ضرب الخدود، و دعا بدعوة الجاهليّة).

10رواه البخاري ومسلم.

11و كانوا يقطّعون أثوابهم، ويحلقون شعورهم، و يرفعون أصواتهم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك و قال: (ليس منّا من حَلَقَ، ومن سَلَقَ، ومن خَرَقَ) رواه مسلم و أبو داود.

12و كانوا يُتبِعون الجنازة بنار و أصوات فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال: (لاتُتْبِعوا الجنازة بصوت و لا نار) رواه مالك و أبو داود.

13وكانت النساء يمشين مع الجنازة فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك كما في حديث عليّ رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإذا نسوةٌ جُلوس. فقال " ما يجلسكنّ؟ " قُلن ننتظر الجنازة. قال "هل تغسلْن؟ " قُلْنَ: لا. قال " هل تَحمِلْن؟ " قُلْنَ: لا. قال " هل تُدْلِينَ فيمن يُدْلي؟ " قُلْنَ: لا قال: (فارجعْنَ مأزوراتٍ غير مأجورات). رواه ابن ماجه وهو صحيح كما قال البوصيري في الزوائد.

14و كانوا ينوحون على الميّت فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك كما في حديث أمّ عطيّة قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم نهانا عن النّياحة) رواه البخاري ومسلم.

15و النّياحة: الصّياح و البكاء على الميّت، وكذلك ذِكْر مآثره و عَدُّ شمائله ولو بدون بكاء؛ قال أبو الطيّب العظيم آبادي: " يُقال ناحت المرأة على الميت إذا نَدَبَتْهُ أي بكت عليه و عددت محاسنه " ا. هـ عون المعبود ج 6صـ37

16و قد قال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (منْ نِيحَ عليه فإنّه يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه يوم القيامة) رواه مسلم.

17و يُبيّنُ معنى هذا الكلام حديثُ النعمان بن بشير قال: (أُغمِيَ على عبد الله بن رواحة، فجعلت أُختُه عَمْرَةُ تبكي: واجبلاه، واكذا واكذا، تُعدِّدُ عليه، فقال حين أفاق: ما قُلتِ شيئاً إلا قيل لي: أنت كذلك؟ " فلمّا مات لم تَبْكِ عليه) رواه البخاري.

18و قد تشدَّد [2] رسول الله صلى الله عليه وسلّم في النهي عن النياحة، فقال: (أربعٌ في أُمتي مِنْ أمر الجاهليّة لا يتركونها: الفخر في الأحساب و الطعن في الأنساب، و الاستسقاء بالنّجوم،و النِّياحةُ) وقال: (النَّائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقام يوم القيامة و عليها سربالٌ من قَطِران و درعٌ من جَرَب) رواه مسلم.

19وقال عليه الصلاة والسلام:

20(اثْنَتَانِ في النَّاس هُما بهم كُفْرٌ: الطَّعنُ في النَّسب و النِّياحة على الميّت) رواه مسلم.

21_ قال الإمام النووي في كتابه " الأذكار " باب تحريم النياحة: و اعلم أن النياحة: رفعُ الصوت بالندب، و الندبُ: تعديد النّادبة بصوتها محاسن الميت، و قيل هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. قال أصحابنا: و يحرُمُ رفع الصوت بإفراط في البكاء. وأمّا البكاء على الميت من غير ندب و لا نياحة فليس بحرام ا. هـ

22_ وكان أهلُ الجاهليّة حريصون كل الحِرص على تقاليدهم الخاصة بما بعد الموت فمن ذلك أنهم كانوا يَعُدُّون حُضُورَ مجالس النِّياحة أمراً واجباً؛ وهو كالدَّيْن فلا بدَّ مِنَ الوفاء به؛ ومَنْ لم يَفِ به فإنه، بلا شك، قد أساء لنفسه؛ ويجب أن يُعامل بالمثل. إلى حدّ أن إحدى النساء لمّا أتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم لِتُبَايعَهُ، أخذ عليها مع البيعة ألا تنوح فامتنعت، حتى ذهبت فشاركت جارتها في مجلس نياحتها ثم عادت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في الحديث عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت: (لمّا نزلت هذه الآية {يُبَايِعْنَكَ على أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً ........... ولا يَعْصِينَكَ في معروف} [الممتحنة: 12] قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يارسول الله، إلا آلَ فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بُدَّ لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إلا آل فلان). رواه مسلم

23وقي رواية أخرى (قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقرأ علينا {أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً ... }، نهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ مِنَّا يَدَها، فقالت: فلانة ُ أَسْعَدَتْنِي، فأنا أريد أن أَجزِيَها، فما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئاً، فانطلقت، ثم رَجَعَتْ، فبايعها).

24وفي حيث أنسٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أَخَذَ على النساء؛ حين بايعهنّ؛ أن لا يَنُحْنَ فَقُلْنَ: يا رسول الله، إن نساءً أَسْعَدْننا في الجاهلية: أفنُسْعِدُهُن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (لا إِسْعَادَ في الإسلام). صحيح رواه أحمد والنسائي وابن حبان.

25قال ابن الأثير في " النهاية " 2/ 366: وقوله (لا إسعاد في الإسلام): هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة، فنُهِينَ عن ذلك.

26· إذاً لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمراً مما كان يفعله العرب في الجاهلية عند الموت إلا ونهى عنه وجَعَلَه محرّما على المسلمين. ثمّ سنَّ لنا سُننَ هدى، و شرَّع لنا شرائعَ أمرنا بها و حضَّنا عليها عند مصيبة الموت، و ما قبلها، و ما بعدها. و من تلك السنن قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرتم المريض أو الميّت فقولوا خيراً، فإنّ الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون) رواه مسلم.

27ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم عندما أرسلت له إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن ابناً لها في الموت، فقال للرَّسول: " ارْجِعْ إليها فأَخْبِرْها: إِنَّ للهِ ما أخذَ ولهُ ما أعطى، وكل شيئٍ عنده بأجَلٍ مُسمّى فَمُرْها فَلْتَصْبِر ولْتَحْتَسِب ". رواه مسلم.

28ومنها دعاؤه صلى الله عليه وسلّم عندما دخل على أبي سَلَمة وقد مات فقال صلى الله عليه وسلّم: " اللهُمَّ اغفر لأبي سلمة و ارفعْ دَرَجتَه في المهديِّين واخلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغابرين و اغفر لنا وله يا ربَّ العالمين، وافسَحْ له في قبره، ونوِّر له فيه " رواه مسلم.

29ثمّ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بغَسْل الميّت و تكفينه و الصلاة عليه و اتّباع جنازته، و الأحاديث في ذلك كثيرة و متواترة.

30قال الإمام النووي رحمه الله: " اعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، و كذلك غسله و تكفينه و دفنه، و هذا كلّه مجمع عليه ". (الأذكار) باب أذكار صلاة الميّت.

31· و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، و عيادة المريض، و اتباع الجنائز، و إجابة الدعوة، وتشميت العاطس) متفق عليه.

32· و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (من اتّبَع جنازة مسلم إيماناًَ و احتساباً، و كان معه حتى يُصلَّى عليها و يُفرَغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أُحدٍ، و من صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط). رواه البخاري.

33_ مسألة التّعزية:

34_ الأصلُ الشرعي لمسألة التعزية استفادَهُ العلماء من النصوص العامّة كقوله تعالى:

35{و تعاونوا على البر و التقوى} وهذا من أحسن ما يُستدلُّ به في التعزية، ومن قوله عليه الصلاة والسلام الثابت في الصحيح (و الله في عون العبد ما كان العبدُ في عون أخيه)

36ذَكَرَ ذلك الإمام النووي في " الأذكار" باب التعزية.

37· قال الإمام النووي في كتابه " الأذكار ": و اعلم أن التعزية هي التصبير و ذُكر ما يسلِّي صاحبَ الميّت و يخفِّفُ حزنه و يهوّن مصيبته، و هي مستحبّة. ا. هـ

38· قال الإمام الشوكاني في كتابه " نيل الأوطار " ج4 صـ116:

39وثمرةُ التعزية الحثُّ على الرجوع إلى الله تعالى ليحصل الأجر. قال في البحر "و المشروع مرّة واحدة " انتهى. قال الهادي و القاسم والشافعي: وهي بعد الدفن أفضل لعظم المصاب بالمفارقة. و قال أبو حنيفة و الثّوري: إنّما هي قبله لقوله صلى الله عليه وسلّم: (فإذا وَجَبَ فلا تبكينّ باكية) أخرجه مالك و الشافعي وأحمد و أبو داود و النسائي و ابن حبّان و الحاكم، و المراد بالوجوب: دخول القبر كما وقع في رواية لأحمد. و لأنّ وقت الموت حال الصدمة الأولى كما سيأتي، و التعزية تسلية فينبغي أن يكون وقت الصدمة التي يشرع الصبر عندها. ا.هـ

40· _ وأمّا الأحاديث التي تُروى في ثواب التعزية فلا تصحّ كما قال علماء الحديث.

41· فحديث (من عزّى مُصاباً فله مثل أجره) قال عنه النووي إسناده ضعيف.

42· وحديث (منْ عزّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْداً في الجنة) قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي.

43· وحديث (ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عز ّوجلّ من حُلَلِ الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجه و في سنده " قيس أبو عمارة " قال عنه الإمام البخاري: فيه نظر. و ذكره العقيلي في الضعفاء، وأورد له حديثين وقال: لا يتابع عليهما، أحدهما الذي أخرجه ابن ماجه في التعزية بالميت.

44انظر تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني.

45· _ مما سبق يعلم أن السنّة التي حضّنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلّم و جعلها من حق المسلم على أخيه المسلم هي: اتباع الجنازة و الصلاة عليها و دفنها. وأحاديثها صحيحة.

46و أمّا التعزية فليس فيها حديث يصح، و إنما استفادها العلماء من عموم النصوص، وكذلك من فعله صلى الله عليه وسلّم وقالوا إنها مستحبّة و فيها تسلية للمصاب خاصّة إذا كان جزعاً.

47· و الذي يحدث في أيّامنا هذه، بعيدٌ كل البعد عن كل ما ذكر، فقد أحدثوا أمراً جديداً و هو مجلس العزاء (التمساية، أو العصرية) وقد انعكس الأمر فيه فصار مجلس النّساء صامتاً، يدخُلْنَ بصمت إلى غرفة قليلة النور، ويخرجن بصمت و لا يعزي أحدٌ أحداً، ومجلس الرجال فيه النياحة، يرفعون أيديهم عند الدخول كناية عن السلام، وقد يلقيه بعضهم، وعند الخروج يقول عظّم الله أجركم، بعد أن يجلس بقدر شرب فنجان من القهوة! والاستماع إلى شيء من القرآن يقرؤه بعض المأجورين من المغنين!!.

48· قال الإمام النووي (الشافعي) في كتابه الأذكار باب ما يقوله الماشي مع الجنازة

49: " و أمّا ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق و غيرها من القراءة بالتمطيط و إخراج الكلام عن موضوعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحتُ قبحه و غلظ تحريمه و فِسْقَ من تمكَّن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراء، و الله المستعان " ا. هـ

50· جاء في حاشية ابن عابدين (الحنفي) ج1صـ492

51_ مطلب في بطلان الوصيّة بالختمات و التهاليل:

52قال: { .... و به ظهر حال وصايا أهل زماننا فإن الواحد منهم يكون في ذمّته صلواتٌ كثيرة و غيرها من زكاة و أضاحٍ و أيمانٍ، ويوصي لذلك بدراهم يسيرة، و يجعل معظم وصيّته لقراءة الختمات و التهاليل التي نصَّ علماؤنا على عدم صحّة الوصيّة بها، و أن القراءة لشيءٍ من الدنيا لا تجوز، و أن الآخِذَ و المُعْطِي آثمان، لأن ذلك يشبه الاستيجار على القراءة، و نفس الاستيجار عليها لا يجوز فكذا ما يشبهه، كما صُرِّح بذلك في عدة كتب من مشاهير كتب المذهب. و إنما أفتى المتأخرون بجواز الاستيجار على تعليم القرآن لا على التلاوة وعللوه بالضرورة، و هي خوف ضياع القرآن، ولا ضرورة في جواز الاستيجار على التلاوة كما أوضحتُ ذلك في "شفاء العليل" وسيأتي بعض ذلك في باب الإجارة الفاسدة إن شاء الله تعالى. انتهى

53_ وفي أيّامنا هذه صارت مجالس العزاء تقابل " الإسعاد " في الجاهليّة؛ فمعظم الناس يحضرون هذه المجالس من باب ردِّ الدَّيْن الذي عليهم، أو خشية أن ينتقدهم أهل الميت ومن حولهم، وبمعنى أوضح، من باب الخوف من الخروج عن الأعراف السائدة، وقد يعترض بعضهم، فيزعم أنه إنما يَحْرِصُ على حضور هذه المجالس من باب تطبيق السنّة و التقرّب إلى الله؛ فيُقالُ له: لماذا إذاً لا تحرص على حضور الجنائز و الصلاة عليها وشهود الغسل والتكفين والدَّفن؟ مع أن النصوص الشرعية قد وردت في الحضِّ عليها، بخلاف مجالس العزاء؟!

54_ وبعد أن ذكرنا صفة هذا المجلس وما يحدث فيه، و أقوال العلماء في البدع المستحدثة فيه ونصُّهم على تحريم الدِّين لها، أُورِدُ لك، أخي المؤمن، أقوالَ العلماء بخصوص مجلس العزاء نفسه.

55· روى الإمام أحمد في مسنده عن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنّا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميت و صَنعَةَ الطعام بعد دفنه من النياحة).

56قال الشوكاني في الشرح: يعني أنهم كانوا يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه، و أكل الطعام عندهم نوعاَ من النياحة لما في ذلك من التثقيل عليهم و شغلهم مع ما هم فيه من شَغْلَة الخاطر بموت الميت وما فيه من مخالفة السنّة لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت طعاما فخالفوا ذلك و كلفوهم صنعة الطعام لغيرهم. ا. هـ نيل الأوطار ج4 صـ118.

57· و جاء في حاشية ابن عابدين ج1صـ603:

58_ مطلب في كراهة الضيافة من أهل الميت:

59قال: " .... ويُكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت لأنه شُرِعَ في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة. روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال: (كنا نعدُّ الاجتماعَ إلى أهل الميت وصَنعةَ الطعام من النياحة). وفي "البزازية ": ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع ... واتخاذ الدعوة لقراءة القرآن وجمع الصلحاء والقرّاء للختم أو لقراءة سورة الأنعام أو الإخلاص. والحاصل أن اتخاذ الطعام عند قراءة القرآن لأجل الأكل يكره .... وأطال في ذلك في " المعراج" و قال: وهذه الأفعال كلها للسُّمعة ِو الرياء فيُحتَرَزُ عنها لأنهم لا يريدون بها وجه الله تعالى. ثم قال: مع قطع النظر عما يحصل عند ذلك غالباً من المنكرات الكثيرة كإيقاد الشموع والقناديل ... و الغناء بالأصوات الحسان .. و أخذ الأجرة على الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك مما هو مشاهد في هذه الأزمان، وما كان كذلك فلا شك في حرمته وبطلان الوصية به ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتهى

60· و جاء في حاشية ابن عابدين ج1 صـ604:

61وقال:" كثيرٌ من مُتأخري أئمتنا يكره الاجتماع عند صاحب البيت، ويكره له الجُلوسُ في بيته حتى يأتي إليه من يعزيه، بل إذا فَرَغَ ورجَعَ الناس من الدفن فليتفرقوا ويشتغل الناس بأمورهم وصاحب البيت بأمره. قلت ُ: وهل تنتفي الكراهة بالجلوس في المسجد و قراءة القرآن حتى إذا فرغوا قام وليّ الميّت و عزَّاه الناس كما يُفعَلُ في زماننا؟ الظّاهر لا لكون الجلوس مقصُوداً للتعزية لا للقراءة ا. هـ

62· و جاء في الفتاوى البزازية في الفقه الحنفي ج4 صـ357

63: والجلوس في المسجد ثلاثة أيّام للتعزية يكره و في غير المسجد جاءت الرخصة للرجال و تركه أولى.

64· و في حاشية ابن عابدين ج1صـ604: قال: (قوله تُكره التعزية ثانياً، وعند القبر، وعند باب الدار): في "التتارخانيّة" و لا ينبغي لمن عزّى مرّةً أن يعزي أخرى رواه الحسن عن أبي حنيفة ا. هـ و قوله: (و عند القبر): .. و يشهد له ما أخرج ابن شاهين عن إبراهيم: التعزية عند القبر بدعة ا. هـ قلت: لعلّ وجهه أن المطلوب هناك القراءة و الدعاء للميت بالتثبيت. (قوله و عند باب الدّار) في " الظهيرية " و يُكرهُ الجلوس على باب الدار للتعزية لأنه عمل أهل الجاهليّة و قد نُهي عنه، وما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط و القيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح ا. هـ

65· قال الإمام الشافعي في كتابه " الأم " ج1 صـ 318

66: " و أكره المأتم و هي الجماعة و إن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن و يكلف

67المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر ".

68· وجاء في كتاب " المغني " في الفقه الحنبلي ج3 صـ 486:

69قال أبو الخطاب: يُكرَهُ الجلوس للتعزية. و قال ابن عقيل: يكره الاجتماع بعد خروج الرّوح، لأن فيه تهييجاً للحزن.

70· و جاء في كتاب " المعيار" في الفقه المالكي ج11 صـ153

71: (قال علماؤنا المالكيون: التّصدي للعزاء بدعة و مكروه).

72· جاء في كتاب " الأذكار " للإمام النووي الشافعي صـ137

73: " قال الشافعي و أصحابنا رحمهم الله يكره الجلوس للتعزية قالوا: يعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم و لا فرق بين الرجال و النساء في كراهة الجلوس لها، صرّح به المَحَاملي، و نقله عن نص الشافعي رضي الله عنه، و هذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها مُحْدَثٌ آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة، كما هو الغالب منها في العادة، كان ذلك حراماً من قبائح المحرمات لأنه مُحْدَث، و ثبت في الحديث الصحيح: (إن كل مُحْدَثٍ بدعة، و كل بدعة ضلالة).

74· فهذه نُقُولٌ من المذاهب الأربعة المعتمدة كلّها تصرّح بكراهة و حرمة

75الجلوس للعزاء، وتعلل ذلك بأنه أمر مبتدع في الدين، ويرهق أهل الميت و يكلّفهم نفقات كبيرة و يهدر أوقاتهم، و أهمُّ من ذلك أنّه بسبب هذه البدعة تَرَكَ النّاسُ الأمرَ الواجبَ، و هو حضورُ الجنازة و الصلاة عليها، و صاروا يكتفون بحضور مجلس العزاء لمدة خمس دقائق مساءً، و انتهى الأمر، و أعجبُ من ذلك أنهم صاروا يعدُّون من يلتزم شرع الله في هذا الخصوص و يتَّبع فتاوى العلماء الأعلام في المذاهب الإسلامية المشهورة، شاذاً مخالفاً للصّواب، وهذه هي بحق غُرْبَةُ الدِّين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما قال: (أربع في أمتي منْ أمر الجاهلية لا يتركونها: الفخر في الأحساب، و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم، والنّياحة). و إنا لله و إنّا إليه راجعون.

د. خلدون مكي الحسني دمشق 5 / شعبان / 1425


[1]ـ الجيب: فتحة القميص عند الرقبة

[2]ـ تشدَّدَ في الأمر: بالغ فيه و لم يُخفِّف.

الشواهد على وجوده

ما بين أيدينا من نصوص تثبت هذا الأثر أو تصفه، منقولة بألفاظها مع مواضعها.

  • «التجلية في حُكم الجلوس للتعزية.»

    — ويكيبيديا العربية، قائمة بحوثه

من أجوبته في النقاش

ردود كتبها الشيخ على أسئلة القرّاء واعتراضاتهم في الموضوع نفسه. ويُعرض مع كل رد طرف من آخر مشاركة سبقته، للسياق؛ وقد يكون جوابه موجّهًا إلى مشاركة أقدم منها.

مناقشة أدلة رسالة ظافر في جواز الجلوس للعزاء5 مايو 2005م
آخر مشاركة قبل جوابه في الموضوع (للسياق)، كتبها إحسان العتيبينفع الله بك

1أيها الإخوة المشاركون السلام عليكم أما بعد:

2في البداية أشكر لكم اهتمامكم بالموضوع المعروض، وأقول للأخ ظافر إنه لمن الطريف حقاً أن نتفق على عنوان الرسالة ثم نختلف في النتيجة. علماً أنني لم أكن على معرفة بوجود رسالته أو ما يشابهها، وإنما جاءت تسميتي لرسالتي موافِقَةً لتسميته من باب القدر.

3وأود أن أخبركم أنني كنت ممن يواظب على حضور مجالس العزاء، إلى أن وجدت أن المذاهب الفقيهة الأربعة و أهل الحديث أيضاً متّفقون على كراهية الجلوس للعزاء، ثمّ تبيّن لي أن معظم العلماء في بلادنا (الشام) كانوا في القرن الماضي ينهون عن مجالس العزاء ولا يحضرونها ولهم وصايا مطبوعة في هذا الخصوص. فعندها توقفتُ عن حضورها وراجعتُ أهل العلم ببلدنا فقالوا لي: إن عدم الحضور هو الصحيح ولكننا نحضر من باب التحبب إلى الناس الذين ابتعدوا عن أهل العلم في هذا الزمن ومن باب إلقاء المواعظ، وأيضاً من باب كف أذى الناس عنّا!!

4وقد احتجّ بعضهم بأنها عادة وليست عبادة، مما دفعني إلى البحث في هذه المسألة فكانت رسالتي السابقة، وخلاصتها:

51 ـ أنّ قضايا الموت لم يتركها الشرع دون بيان بل إن الشرع قد ألغى كل ما كان في الجاهلية وشرّع لنا أحكاماً جديدة يلزمنا العمل بها. فصار كل ما في الجنائز وتوابعها من العبادات لا من العادات.

62ـ أن التعزية ليس فيها أي حديث صحيح يحضّنا عليها أو يأمرنا بها، وإنما جاءت في معرض بعض الأحاديث يقول فيها الراوي مثلاً كلمة: (يعزّيه)

7إذاً لا يوجد نص صحيح فيه أن النبي يأمرنا بها أو نص يخبرنا أن النبي كان يواظب عليها.

8ولذلك تجد العلماء يقولون عن التعزية: إنها مستحبّة فقط. أُنظر الفتاوى لابن تيمية والأذكار للنووي وغيرها. وقولهم ذلك لأنهم اعتبروها من الآداب.

93ـإن تعريف التعزية عند جميع العلماء لا يخدم أبداً الرأي القائل بتجويز مجالس ما يسمّونه العزاء. لأنهم يقولون التعزية: هي التصبير وذكر ما يسلّي صاحب الميت ويخفف حزنه. والذي يحدث في تلك المجالس أنها تنشأ بعد الدفن وإلى اليوم الثالث، أي بعد الصدمة الأولى التي تحدّث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيها لا تصبير و لا مواساة، بل يجلسون بصمت ويستمعون للقرّاء المأجورين ويشربون القهوة. (وأنا أتكلّم على ما يحدث في بلاد الشام)

104ـ أن النياحة كلمة تشمل أفعالاً متعددة ذكر منها العلماء: الصراخ و العويل والندب وتعداد شمائل الميّت وفضائله وهي لاتكون إلا في مجالس يجتمع لها النساء أو الرجال وسمّاها النبي الكريم الإسعاد، وقال: لا إسعاد في الإسلام. ومن ثمَّ فإن مجالس العزاء في أيامنا هذه مندرجة تحت مفهوم النياحة، وهذا ما فهمه سلف الأمّة.

11(وسيأتي مزيد لتوضيح ذلك)

125ـ ونقلت في رسالتي اتفاق العلماء على تسمية هذا المجلس بالبدعة المنكرة.

13ولكنني فوجئتُ عندما قرأت رسالة الأخ ظافر فإني وجدته يقول عن التعزية:

14ومعلومٌ أن التعزية عبادة من العبادات ........

15وكذلك يقول: ...........

16وقد جعل الإسلام هذا الأصل من حق المسلم على المسلم، في تشييع جنازته، والصلاة عليه، والمشاركة في دفنه، وتعزية أهله من بعده، ورتب على ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل، كل ذلك لأجل التقارب والتراحم والتعاطف، وشرع أيضا مواساة أهله، والوقوف معهم، وتصبيرهم وتذكيرهم بالله U، حتى لا يُقَطِّع الحزن جنانهم، ولا يدخل الشيطان عليهم بالوسوسة، وبالتحزين، وحتى لا يجرهم ذلك لفعل البدع والمنكرات.

17· ثم قال: وإذا عُلم أن التعزية سنة مشروعة، فإن البدعة لا تحيي سنة،

18وقال: فإن التعزية مقصد، لما ورد من مشروعيتها، وفضلها، ولا وسيلة لتحصيلها في مثل هذه الأزمنة إلا باستقبال المعزين، والجلوس ..........

19والذي أريد أن أسأله للأخ ظافر من أين استقيت هذه الأحكام عن التعزية؟ أعني قولك عنها: سنة مشروعة، أو مقصد شرعي، وعبادة من العبادات، ومن حق المسلم على أخيه المسلم؟؟؟؟؟؟؟؟ حبّذا لو تدلني على مراجعك العلمية لأستفيد منها.

20· والذي فاجأني أيضاً قوله: وإن من المسائل التي كثر الكلام عليها بين أهل العلم مسألة الجلوس للتعزية، وخاصة في هذا الزمن، بل قد سمعت من بعضهم من يقول بأن الجلوس للتعزية بدعة منكرة، انتهى

21فكلامه يوحي أنها مسألة جديدة في زمننا وأنّ القول ببدعيّتها محدث وجديد. مع أننا نعلم أن العلماء من لدن الصحابة إلى زمننا يصفون التصدي للعزاء بأنه بدعة منكرة، وقد ذكر الأخ ظافر بعض كلامهم في رسالته، فلماذا نسيه؟

22ثمّ عاد ففاجأني بقوله: اختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في مسألة الجلوس للتعزية على قولين: ............ انتهى

23فأوحى للقارئ أنّ المسألة فيها خلاف بين العلماء أو المذاهب قديماً. واستدلّ لكلامه فقال:

241ـ نُقل عن الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ الرخصة في ذلك، فقد نَقل ابن مفلح (ت 884هـ)، والمرداوي (ت885هـ) ـ رحمهما الله تعالى ـ عنه (الرخصة لأهل الميت، نقله حنبل واختاره المجد؛ وورد عنه أيضاً الرخصة لأهل الميت ولغيرهم، وقال بكراهته إذا كان فيه تهيج للحزن) (2).

252ـ وقال ابن قدامة (ت620هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: (وجملته أنه يستحب إصلاح طعام لأهل الميت، يبعث به إليهم، إعانة لهم، وجبرا لقلوبهم؛ فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم).

26فقول ابن قدامة: (وبمن يأتي إليهم) فيه دليل على أن الاجتماع للعزاء هو قوله. ا. ه

27والكلام الذي نقله عن الإمام أحمد غير واضح و لا مفهوم والمعروف عنه خلافه وهو المنصوص عليه في كل كتب الحنابلة.

28قال المرداوي الحنبلي: (ويكره الجلوس لها، هذا المذهب وعليه أكثر أصحابنا ونص عليه، قال في الفروع: اختاره الأكثر، قال في مجمع البحرين: هذا اختيار أصحابنا)،

29والذي أريد أن أسأله للأخ ظافر: إذا كان ابن قدامة الحنبلي في كتابه المغني يفتي بكراهة الجلوس للعزاء ولم ينقل قولاً مخالفاً لا في مذهبه ولا في غيره، فكيف يصح أن تنسب إليه القول بالجواز؟!

30والواضح في النص الذي نقلته عن ابن قدامة أنه يتكلّم عن صنع الطعام لأهل الميت وأنه مستحب، ولكنكَ فهمت من قوله: فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم)

31أنه يقول بالجواز، وهذا الفهم بعيد، لأنّك حمّلت الكلام أكثر مما يحتمل ونسبتَ للرجل خلاف قوله ثم قلتَ: اختلف العلماء؟؟؟

32· حبذا يا أخ ظافر أن تدلنا على أسماء العلماء الأوائل الذين صرّحوا بجواز الجلوس للعزاء، لكي نضعهم في مقابلة العلماء الآخرين وننظر في أدلة كل طرف.

33ـ ثمّ يتابع الأخ ظافر فيقول واستدلّوا لهذا القول بأدلة منها:

34الدليل الأول:

35حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ في الصحيحين: (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن ـ إلا أهلها وخاصتها ـ أمرت ببُرْمَةٍ من تَلبينة فطبِخَت, ثمّ صنع ثريدٌ فصُبّتِ التّلْبينَةُ عليها ثم قالت: كلنَ منها, فإِنّي سمعت رسول الله r يقول: "التّلبينة مَجمّةٌ لفؤاد المريض, تَذهبُ ببعضِ الحُزْن" (1).

36فهذا الحديث فيه الدلالة على أنهم كانوا لا يرون في الاجتماع بأساً، لا اجتماع أهل الميت، ولا اجتماع غيرهم معهم، ففي الحديث "أنها كانت إذا مات الميت " فهذا يدل على أنها كانت عادة عندهم، إذا مات الميت اجتمع لذلك أهل الميت، وفي الحديث "ثم يتفرقون" ولا يتفرقون إلا بعد اجتماع، ويبقى أهلها وخاصتها، مما يدل على أن غيرهم كان معهم ثم ذهب، كما أن أهل الميت يصنعون لأنفسهم طعاماً، فهو من صنعة الطعام. انتهى

37· وهنا أعود فأسأل الأخ ظافر من هو الإمام الذي استدل بهذا الحديث؟؟

38ـ أمّا البخاري فقد استدل به في باب الأطعمة وفي باب الطب، ولم يستدل به في باب العزاء!!

39وأما الإمام مسلم فقد استدل به في باب السلام. وقال شارحه: وإنما كانت عائشة رضي الله عنها تصنع ذلك لأهل الميت لأنهم شغلهم الحزن عن الغذاء فيشتد عليهم حرارة الجوع والحزن فإذا أكلوا ذلك سكنت عنهم تلك الحرارة. انتهى

40وأمّا أنا فيدفعني الفضول لمعرفة من الذي استدل بهذا الحديث من العلماء في جواز الجلوس للعزاء؟

41وأمّا بخصوص ما فهمه الأخ ظافر من الحديث فإني أرى أنه قد تكلّف جداً حتى خرج بهذا المعنى، وأظن أنه لم يُسبق إليه.

42يا أخ ظافر إن علماء هذه الأمة لم يمنع واحد منهم الاجتماع عند أهل الميت عند مصيبة الموت لكي يعينوهم ويقفوا معهم في مصيبتهم ويؤدوا إليهم حقوقهم، وهذا الأمر معروفٌ قديماً وحديثاً فبمجرّد وصول نبأ الوفاة يهرع الأقارب والجيران والأصدقاء إلى بيت الميت ليقدّموا العون الممكن وليصبّروا أهل الميت ويساعدوهم في أمور التغسيل والتكفين والصلاة والدفن ثم بعد ذلك ينصرفون إلى حوائجهم ويبقى المقرّبون من أهل الميت من أقاربه وذويه ثم بعد ذلك ينصرفون هم أيضاً، وهذا المفهوم من حديث عائشة، ولكن هذا لا علاقة له بمجلس العزاء الذي يقام في الأيام التالية وعلى الهيئة المعروفة!

43وأما الدليل الثاني الذي ساقه الأخ ظافر فهو:

44الدليل الثاني:

45استدلوا بما روته عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (لما جاء النبي r قتلُ ابن حارثة و جعفر وابن رواحة جلسَ يُعرفُ فيه الحُزنُ، وأنا أنظرُ من صائر الباب شق الباب، فأتاه رجلٌ فقال: إن نساء جعفر ـ وذكر بكاءهن ـ فأمره أن ينهاهن فذهب، ثم أتاه الثانية لم يطعنه، فقال: إنهَهُن، فأتاه الثالثة قال: والله غلبننا يا رسول الله، فزعمت أنه قال:"فاحثُ في أفواههن التراب"، فقلت: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك رسول الله r ولم تترك رسول الله r من العناء). انتهى

46وأنا أسأل الأخ ظافر: مَنْ استدل بهذا الحديث على جواز مجالس العزاء؟

47فقد رواه البخاري واستدل به في باب الجلوس عند المصيبة يُعرف فيه الحزن. قال شارحه: أي جلس حزيناً، وعدل إلى قوله: يُعرف، ليدل على أنه صلى الله عليه وسلم كظم الحزن كظماً. وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جِبِلَّة البشرية. وهذا موضع الترجمة، وهو يدل على الإباحة لأن إظهاره يدل عليها. نعم إذا كان معه شيء من اللسان أو اليد حرم. انتهى

48وكذلك فعل أبو داود، أما الإمام مسلم فقد استدل به في التشديد في النياحة وأما النسائي ففي النهي عن البكاء على الميت.

49والواضح في الحديث يا أخ ظافر أن الرجل الذي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزّه بل جاءه ليخبره ببكاء نساء جعفر عليه فأمره أن ينهاهن عن البكاء. فما وجه الاستدلال؟؟ ثم إنّ كلامنا في مجالس التعزية خاصّة وليس في كل جلوسٍ يجلسه المرء ويمكن أن يُعزّى فيه! فهذا في علمي لم يمنعه أحد.

50وأما الأدلة الأخرى التي ساقها الأخ ظافر فهي كما قال: كلها ضعيفة لا تثبت ولا يحتج بها، ومع ذلك فإنه أيضاً تكلّف في تحميلها المعنى الذي يريده وهي لا تحتمله.

51ثم ختم الأدلة بقوله: الدليل السادس:

52ومما يدل على جواز الاجتماع للتعزية، أن الاجتماع للعزاء من العادات، وليس من العبادات، بناء على الأصل، والأصل في الأشياء الإباحة، وهذا ظاهر من حديث أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن ... الحديث).

53فقول: (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك) أنه كان عادة عندهم، ولم أرَ أحداً من العلماء ـ مع بحثي القاصر ـ قال: إن الاجتماع للعزاء عبادة، ومعلوم أن البدع لا تكون في العادات المحضة، إلا إذا اعتقد بها التقرب إلى الله تعالى، وليس لها أصل في الشرع فهذه العادة تصبح بدعة. انتهى

54ثم استشهدَ بقول شيخ الإسلام ابن تيمية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ: (فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به، وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله).

55وأقول: يا أخ ظافر ألا ترى معي أن كلام شيخ الإسلام واضح في حسم المسألة، لأنه كما تعلم أن مجالس العزاء صارت عند الناس من الواجبات والمستحبّات ولذلك قال العلماء عنها إنها بدعة منكرة.

56وكذلك قولك في العادات المحضة، فهل هذه المجالس عادات محضة؟ وأنت الذي قلتَ إن التعزية عبادة وسنة ومقصد، وهذه المجالس وسيلة إليها فكيف تجعلها عادات محضة!!!!!!

57فإذا أتاك من يقول إن الاحتفال بالمولد النبوي هو من العادات المحضة وهو مباح، فهل سترضى بذلك؟

58ثم إن المباحات ليست بإطلاق، كما قال الإمام الشاطبي:

59" إن كل مباح ليس بمباح بإطلاق، وإنما هو مباح بالجزء خاصة (أي بالنظر إليه في ذاته) وأما بالكل (أي بالنظر فيما يتعلّق به من الأفعال) فهو إما مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك " انتهى

60فإذا تجاوزنا معك وقلنا إن الجلوس للعزاء بحد ذاته مباح، ونظرنا فيما يتعلّق به من الأفعال، لوجدنا أنه يتعلّق به الكثير من البدع والمنكرات والتكاليف والإزعاجات والإرهاق والإثقال وتضيع لبعض المصالح كما هو مشاهد وكما أشرتَ إليه في رسالتك، ومن ثمَّ فإنه مطلوب الترك ولم يعد مباحاً. فكيف و في الأصل لم نسلم لك بأنه مباح؟

61ثم أسألك يا أخ ظافر لماذا كل هذا التضخيم في كلامك حين تقول:

621ـ فدلت الأحاديث والآثار على أن السلف كانوا لا يرون بأساً في الاجتماع ...

632ـ أما الجلوس للتعزية فقط فهذا لا يُعلم أن أحداً من السلف قال: إنه من النياحة وحده، أو أنه نهي عنه، بل حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ حديث التلبينة ـ الذي استدل به أصحاب القول الأول يرده.

643ـ ومما يدل على اجتماع السلف ما ذكره ابن حجر

654ـ فهذا أبو النضر يذكر أنهم كانوا عند المسعودي وهو يُعزى في ابن له، مما يدل أن السلف كانوا يجتمعون، وليس فيه بأس.

665ـ قلت: أما قوله ـ رحمه الله تعالى ـ: (التصدي للعزاء بدعةٌ ومكروه) فيُرد على هذا القول بالأدلة والآثار الصحيحة التي استدل بها أصحاب القول الأول. انتهى

67والسؤال:

68· أين الأحاديث والآثار التي تتكلم عنها وتوحي للقارئ بكثرتها ولم تذكر سوى حديث عائشة، الذي لم يستدل به أحد من السلف على ما ذهبتَ إليه، بل وليس فيه ما يساعد على قولك بالجواز.

69· وأين الدليل على أن السلف كانوا يجتمعون للعزاء؟؟، أمّا قصة المسعودي (في رسالتك يوجد خطأ مطبعي فوفاته كانت 160هـ وليس 65هـ) فليس فيها دليل على وجود مجلس عزاء، ثم هب أنه فعل ذلك فهل فعله بالضرورة يكون جائزاً، ألم تنح بعض الصحابيات على موتاها رغم النهي النبوي عنها، أم سيأتي من يبيح النياحة لفعلهنّ!!!

70ـ ثم يا أخ ظافر الإمام مالك نهى عن الجلوس للعزاء وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وكل من كان في طبقتهم، وأنت لا أدري لماذا لا تعتبرهم سلفاً، في حين تعتبر ابن حجر العسقلاني الذي جاء بعدهم بسبعة قرون فتقول عنه إنه هو السلف؟؟؟؟

71وهذا قولك: إن فهم الحديث الشريف لا يكون إلا بما فهمه السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ فهذا ابن حجر يقول في شرحه لهذا الحديث: (وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار).

72ومع ذلك فإنّ كلام ابن حجر ليس فيه إباحة مجالس العزاء، بل هو يعني مطلق الجلوس وهذا لا خلاف فيه (بمعنى أن الرجل إذا كان جالساً في بيته أو متجره أو بستانه فأتاه من يعزيه بميّته فهذا مشروع، لا أن يحدث مجلساً خاصّاً للعزاء!) وهذا هو مقصود ابن حجر وهو شافعي المذهب ولم يُخالف أحدٌ من الشافعية في مسألة كراهية مجالس العزاء!

73يا أخ ظافر إذا كنتَ تريد أن تعرف ما هو فهم السلف لهذه المسألة فبإمكانك أن تنظر في فهارس كتب السنّة لتجد أنهم كانوا يبوّبون فيقولون كما في سنن ابن ماجة:

74باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام

75وجاء في مصنف ابن أبي شيبة

76ما قالوا في الإطعام عليه والنياحة. ثم روى

7711348 حدثنا معن بن عيسى عن ثابت عن قيس قال: أدركتُ عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الميت الجماعات يقول: ترزؤون وتغرمون.

78و إسناده حسن.

7911349 حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة قال: قدم جرير على عمر رضي الله عنهما فقال: هل يناح قِبلكم على الميت؟ قال: لا. قال: فهل تجتمع النساء عندكم على الميت، ويطعم الطعام؟ قال: نعم. فقال: تلك النياحة.

80وهذا إسناد صحيح عند من اكتفى من الثقة غير المدلس المعاصرة فقط لمن يحدث عنه، وطلحة بن مصرّف قد عاصر جريراً، وكلاهما سكنا الكوفة. (وطلحة ثقة كبير) وهذا هو مذهب جمهور المحدّثين، إلا أنّ البخاري رحمه الله اشترط في صحيحه المعاصرة والتصريح بالسماع، وإذا كان الأخ ظافر (وقد ضعّفَ هذا الأثر) يعُدّ هذا الشرط ضرورياً، فإنه يلزمه أن يضعّف نصف الأحاديث النبوية التي رواها الإمام مسلم وأصحاب السنن والمسانيد!!! ولم أجد من نفى سماع طلحة من جرير، بل إنّ ابن معين نفى سماع طلحة من أنس رضي الله عنه، مع أنّ البخاري ومسلم والنسائي رووا لطلحة عن أنس!!!!!!!!!

81فهذان أثران صحيحان يبيّن فيهما السلف أن الاجتماع عند الميت للعزاء منهي عنه!

82وبهذا نجد أنّ قول الأخ ظافر: " أما الجلوس للتعزية فقط فهذا لا يُعلم أن أحداً من السلف قال: إنه من النياحة وحده، أو أنه نهي عنه ". غير صحيح.

83والعجيب أن الأخ ظافر يقول في رسالته: ولا خلاف في تحريم المآتم.

84والسؤال ما الفرق بين المآتم ومجالس العزاء؟؟ إذا كان الشافعي يقول:

85"والمأتم هي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء "

86وهل مجالس العزاء عندكم هي للأفراح، أم تجدد الحزن؟

87والأعجب من ذلك أن الأخ ظافر وبكل بساطة أتى إلى حديث جرير البجلي وهو: " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة " فضعّفه وزعم أنّ الدارقطني قد أعلّه!!!

88وبعد ذلك أعلن أنه لم يبقَ للمانعين أي دليل يعتمدون عليه.مع أن الحديث صحيح باتفاق كل العلماء المحدّثين الأوائل والأواخر، وهذا الأثر صححه الإمام النووي كما في المجموع.

89وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: (إسناده صحيح رجال الطريق الأول على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم).

90وصححه الألباني في أحكام الجنائز، وفي صحيح ابن ماجه.

المصادر والنسخ

مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.

1

أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة موضع النشر الأول

الموضوع الأصلي في ملتقى أهل الحديث: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=29139 باسم: «أبو إدريس الحسني» 13 أبريل 2005م

من أرشيف ملتقى أهل الحديث (تصدير المكتبة الشاملة)، بحسابه «أبو إدريس الحسني».

طريقة الإحالة

الحسني، محمد خلدون بن مكي. «التجلية لحكم الجلوس للتعزية». أرشيف ملتقى أهل الحديث — المكتبة الشاملة، 13 أبريل 2005م. ضمن: تراث الشيخ الدكتور محمد خلدون مكي الحسني الجزائري، https://www.khaldunalhasani.com/athar/al-tajliya-fi-hukm-al-taziya.

آثار ذات صلة