1حيّاك الله أخي أبا شهاب وإليك الحلقة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة التاسعة
2والآن مع السبب الرابع الذي وضعه الأخ محمد مبارك كاتب (فك الشيفرة) لتعليل التحول في شخصية الأمير ؛ قال الكاتب :"حب الأمير للسلطة وبالتالي احتياجه الشديد للمال".انتهى
3ثمّ نقلَ قول عبد الجليل التميمي : ((إن المتتبع لحياة الأمير عبد القادر بدمشق، سوف يثير انتباهه تكالب الأمير على اقتناء الدور والأراضي الفلاحية ، والحصول على المال مهما كانت الوسائل المتبعة في ذلك. ففي البداية أقرت الحكومة الفرنسية منح الأمير راتباً سنوياً بما قدره 15.000 فرنك فرنسي(كذا)، وقد بلغ مع السنين ما قدره 300.000 فرنك فرنسي وهو في ذلك الوقت مبلغ خيالي للغاية، بل يفوق ميزانيات كثير من المصالح الحكومية العثمانية ، ولسنا من السذاجة بحيث نعتقد أن ذلك الكرم الفرنسي إنما كان حُباًّ من الامبراطورية الفرنسية لشخص الأمير عبد القادر ، و تقديراً منها لجهاده ضد الفرنسييين ، دون أجندة عمل فرنسية كان الأمير ـ في المقابل ـ مطالبٌ (كذا) بتنفيذها بكلِّ دقَّة ، ولعلَّ تلك الأجندة قد أسفرت عنها المواقف الأميرية المتضامنة مع المصلحة الفرنسية "العليا" خلال ما سيمر بنا من الأحداث المتتالية!!!))
.انت هى
4(والأخ محمد المبارك ينقل كلام التميمي من كتاب الماسوني إسكندر شاهين ، فيما يبدو ، دون الإشارة إلى ذلك!! والله أعلم)
5وأقول : مازال الأخ كاتب (فك الشفرة) يصر على وضع الأوهام التي في ذهنه بصورة عناوين ثم يحتار كيف يأتي بما يبرهن عليها!
6فهاهو يعود لاتهام الأمير بأنه يحب السلطة ـ وهو اتهام لم يُسبق إليه ـ والعجيب أنه يستدل بكلام لآخرين ليس فيه أنّ الأمير يحب السلطة!!
7وقد بيّنت سابقًا عدم حرص الأمير على تكبير وارده المالي ، وعدم سعيه للسلطة في الحلقات السابقة.
8على كل حال ، إن عبد الجليل التميمي كاتب من هذا العصر فهو طبعًا لم يعاصر الأمير ولا أبناءه وهو في كثير مما كتب لم يكن متحريًا للحق ، وهو متحامل فيما يبدو على الأمير إلى درجة أنه يبالغ في تخيّلاته وتحليلاته المبنية على أسس باطلة وكتابات فرنسية زائفة ، بل إنّ الاتهامات التي وجهها للأمير لا وجود لها حتى في تلك الكتابات ، وأمَّا ألفاظه! فالقارئ يلمس تدنّيها!
9وعلى كل حال إنّ وصف الأمير بأنه متكالب على شراء الأراضي والدور ، عجيب .
10إن الأمير لم يكن مختلفًا عن غيره من أصحاب الأموال في عدد ما يملكه من عقارات ، بل إن بعض أثرياء الشام كانوا يملكون أكثر منه بكثير ، مع أنه يختلف عنهم في حجم مسؤولياته وأضيافه ومبرّاته!
11وإنّ كثيرًا من الأراضي التي اشتراها إنما كان يهبها للذين رافقوه من الجزائر أو للمهاجرين الذين لحقوا به ، وبعضها كان لتأمين فرص العمل لهم ، وقد أوقف الكثير منها للجزائريين المهاجرين ، فمثلاً هناك قرية "الهوشة" في فلسطين اشتراها الأمير ووهبها للجزائريين هناك ، وكذلك الأمر في أطراف دمشق وغوطتها ، كما اشترى طاحونة (الإحدى عشريّة) وجعلها لتوفير حوائج الفقراء , وهكذا .
12وإذا قارنا بين أملاك الأمير وأملاك كبار التجار والوجهاء في الشام لوجدناها قليلة ، فقد كان لبعضهم قرىً كاملةٌ وقصورٌ فارهة وأكياس مكدّسة من الذهب . فما بالك بالولاة العثمانيين والباشاوات؟
13إنّ دار الأمير الكبيرة التي في زقاق النقيب بحي العمارة والمقرّ الرئيسي له يسميها البعض قصر الأمير! (ودور الأمير سمّيت قصورًا لأن ساكنها هو الأمير لا لأنها تشبه القصور) وبمقارنة بسيطة بينها وبين قصر أسعد باشا العظم الشهير بدمشق يتبيّن الفارق الكبير جدًا بينهما . فقصر الأمير لا يعدو أن يكون بيتًا كبيرًا واسعًا قياسًا إلى بيوت الطبقة المتوسطة في دمشق ، في حين أنّ قصر (العظم) هو قصر بكل معنى الكلمة ، فمساحته كبيرة جدًا وفيه حدائق كثيرة وساحات وباحات وبحيرات ماء متعددة وأجنحة وغرف وكله أقواس ومقرنصات مذهّبة وأسقف أخشبية موشّاة بالذهب والصدف ، واللوحات الفسيفسائية وغيرها .. يحتاج المرء ساعات طويلة حتى يتجول في أنحائه .وهو من المعالم المعمارية الأثرية في دمشق . وليس شيء من ذلك في دار الأمير.
14وانظروا إلى طريقة التهويل التي اتبعها التميمي ، فهو يضاعف الأرقام من عند نفسه من (150.000) إلى (300.000) ثمّ يقول: ((وهو في ذلك الوقت مبلغ خيالي للغاية، بل يفوق ميزانيات كثير من المصالح الحكومية العثمانية))
.انتهى
15أرأيتم إلى التهويل! وحتى أبيّن لكم حجم تلك الأرقام ، أقول : لقد اشترى ميشال بوشناق ـالتاجر اليهودي الجزائري ـ حليةً من فرنسا بمبلغ (30.000) فرنك ، وباعها لباي قسنطينة بمبلغ (3.520.000) فرنك ، أي بربح يقرب من ثلاثة ملايين وربع المليون!!(وهذا في عصر الأمير عبد القادر) [المقاومة الجزائرية تحت لواء الأمير عبد القادر) لإسماعيل العربي ص8 ]
16فإذا كان والي مدينة من مدن الجزائر يشتري حلية بملغ (3.520.000) دفعة واحدة ، فكيف ساغ للتميمي أن يزعم أن مبلغ (300.000) وهو أقل من عُشر ذلك المبلغ ، يفوق ميزانيات كثير من المصالح الحكوميّة العثمانيّة؟!
17وفي الحقيقة إنّ ما ذكره التميمي غير صحيح أصلاً!
18فقد فرضت فرنسا للأمير مبلغًا قدره (5.000) ليرة ذهبية فرنسية في السنة! وهي تساوي (100.000) فرنك ، ثمّ بعد سنوات ولمّا تبيّن للحكومة الفرنسية أن ذلك المبلغ لا يكفي لسدّ نفقات الأمير (الذي يُنفق على أسرته ومن لحق به من المهاجرين وبعض أهل الشام) ، زادوا المبلغ بالاتفاق مع السلطان العثماني ، فصار (7.500) ليرة ذهبية في السنة وهي تساوي (150.000) فرنك في السّنة ،وهذا آخر ما تلقّاه الأمير.
19والتميمي قام بمضاعفة الرقم من (150.000) إلى (300.000) جهلاً منه أو لأغراض أخرى!
20إذن الرقم الحقيقي والثابت في جميع المراجع المعتمدة هو (150.000) ؛ وكما بينتُ آنفاً فإنّ هذا الرقم ـ وإن كان كبيرًا ـ فهو ليس بالكبير جدًّا فضلاً عن أن يكون خياليًا كما يظن التميمي!
21إنّ رجلاً واحدًا من رجال الكنيسة الفرنسية الذين أقاموا في الجزائر وهو (الأسقف ديبوش) كان يتقاضى راتبًا سنويًا قدره (25.000) فرنك! بصرف النظر عن واردات الكنيسة الخاصة . [الحركة الوطنية ص387]
22ولكي تتضح الصورة أكثر أقول : لقد كان المرتّب الذي يتقاضاه خلفاء الأمير الثمانية في الجزائر أثناء حكم الأمير لها ، يبلغ (52.800) فرنك سنويًا ، هذا بصرف النظر عن التموين واللباس والنفقات المتفرقة .[انظر المقاومة الجزائرية ص220]
23ثم يحاول التميمي أن يتحذلق فيقول :"ولسنا من السذاجة بحيث نعتقد أن ذلك الكرم الفرنسي إنما كان حُباًّ من الامبراطورية الفرنسية لشخص الأمير عبدالقادر ، و تقديراً منها لجهاده ضد الفرنسييين ، دون أجندة عمل فرنسية كان الأمير ـ في المقابل ـ مطالبٌ بتنفيذها بكلِّ دقَّة ،و لعلَّ تلك الأجندة قد أسفرت عنها المواقف الأميرية المتضامنة مع المصلحة الفرنسية "العليا" خلال ما سيمر بنا من الأحداث المتتالية !!!"
24وأقول : صدق أبو الطيب عندما قال :
25إذا ساء فِعْلُ المرء ساءت ظُنُونُه *** وصدَّق مـا يعتادُهُ مـن تَوَهُّمِ
26وعادى مُحبّيه بقول عُدَاتـه *** وأصبح في ليلٍ من الشك مظلمِ
27أيها الإخوة سأعرض لكم بعض الوقائع حتى يتضح لكم حجم تلك الأرقام وسبب دفعها .
28بعد دخول القيادة الفرنسية إلى مدينة الجزائر سنة 1830م قامت بنهب خزينة المدينة وكان فيها ما مقداره (400.000.000) أربعمئة مليون فرنك فرنسي كما ذكرت ذلك المصادر الفرنسية [مذكرات شانكا رنييه] انظر (الحركة الوطنية الجزائرية لسعد الله ص22) .
29ولكي تتوضح الصورة أكثر ، فإن الداي علي باشا الذي كان قد نقل مقر الحكم من قصر الجنينة إلى أعالي القصبة ، استعمل لنقل محفوظات الخزينة خمسين بغلاً كل ليلة طَوال خمسة عشر يومًا!!! [المرجع السابق ص21] .
30وفي سنة واحدة كانت واردات الأوقاف الإسلامية التي اغتصبتها فرنسا في مدينة الجزائر العاصمة وحدها قد بلغت حسب إحصاءاتهم (1.035.914.25) فرنك! .
31هذه مدينة واحدة فما بالكم بمدن الجزائر جميعها؟ بل وقراها ومزارعها . طبعًا هذه كانت أموالاً جاهزة ، ولكن فيما بعد توالت الغلال وثروات الجزائر لتصب في الخزينة الفرنسية وهي بالمليارات ، ((وكما صرّح الفرنسيون أنفسهم أنهم لم يقوموا بحملة سابقة في أي مكان مثل حملة الجزائر إذ إن الحملات الأخرى كانت تكلّفهم ـ ولو نجحوا فيها ـ أموالاً طائلة وخسائر مالية معتبرة، بينما حملة الجزائر قد فاضت على تعويض التكاليف))
[ المرجع السابق ص21]
32وإنّ أملاك أُسْرة الأمير عبد القادر في الجزائر كبيرة ، أضف إليها أملاك المهاجرين مع الأمير ، وقد استولت عليها وعلى غلالها وعائداتها الحكومة الفرنسية ، ومن ثَمَّ أحبَّ نابليون الثالث أن يعوّض الأمير ومن معه عن تلك الأملاك المغتصبة ، بعد أن سرّحوهم إلى بلاد الشام ، وذلك حتى يضمنوا لهم سبل العيش ولا يرجعوا إلى الجزائر!! فليس هذا من الكرم الفرنسي ولا من حب فرنسا للأمير، وكذلك ليس مقابل أي وظيفة تطلبها فرنسا من الأمير.
33وأنا أطالب التميمي والأخ محمد مبارك أن يذكرا لنا أجندة العمل التي طلبت فرنسا من الأمير أن ينفذها بدقة!!! .. بزعمهم.
34يقول العلاّمة جمال الدين القاسمي ، رحمه الله :((ثُم إنّ إخوة الأمير لمّا أطلقت فرنسة سراحهم من سجونها ، عادوا إلى الجزائر واستقرّوا في مدينة (عنّابة) على الساحل الجزائري الشرقي ، ورتّبَت لهم الحكومة الفرنسيّة المرتّبات الكافية ، ثمّ بدا للسيد محمد السعيد الأخ الأكبر للأمير أن يسيرَ إلى تونس ويستوطنها مع إخوته وأبنائه لوَفْرَة علمائها وفُضَلائها ، فكاتَبَ أحدَ أمرائها يستشيره ؛ فرحّبَ به ووَعَدَه أن يقوم بجليل شأنه ؛ فَعَرَضَ أمرَ الرِّحلَة على وكيل الفرنسيين في عنّابة ؛ فأُجيب بأنّه لا يُسرَّح ما لم يُسلِّم راتبه ؛ فأَجابَ بالتّسليم عن نفسه وإخوته ، فهيّأت فرنسا باخرةً ، ونقلته مع إخوته من عنّابة إلى الشام ، وأَلْحَقَتهم بأخيهم الأمير عبد القادر ، ورَفَضَت لهم سُكنى تونس إبعادًا لهم عن قارة المغرب كليًا ، خوفًا من إقبال العموم عليهم ، لِمَا لهذا البيت في المغرب من عِظم الشهرة وكبر الاعتقاد في نفوس العامة والخاصة ، فقضت سياستهم إلحاقهم بأخيهم الأمير ، فقدموا دمشق سنة 1273 هـ أي بعد قدوم الأمير عبد القادر بسنة))
.انتهى[(طبقات مشاهير الدمشقيين) للعلاّمة القاسمي ص83]
35فهل هذه المرتبات كانت أيضًا في مقابل تنفيذ أجندة فرنسيّة بدقة؟! وانظر كيف أنهم أرادوا التحول إلى تونس لوفرة العلماء هناك ، ولأجل ذلك تخلّوا عن تلك المرتبات (والتي هي تعويض عن أملاكهم التي اغتصبتها فرنسة) ، ومع ذلك أبعدتهم فرنسة إلى الشام خوفًا منهم!
36ثمّ إن هذه المخصصات المالية بقيت مستمرة حتى بعد وفاة الأمير ، وكان أولاده الستة عشر وبعض إخوته يقبضونها وينفقونها على الأسرة والأتباع ، فهل هم برأي التميمي ينفذون الأجندة الفرنسية بدقّة لقاء هذا المرتب؟! وكان بعض أولاد الأمير يشغلون مناصب عليا في الدولة العثمانية (في مجلس الأعيان) كالأمير محيي الدين والأمير علي ، وعندما دخلت تركيا الحرب العالمية على الحلفاء (وفيهم فرنسا) كان أبناء الأمير يساندون تركيا في مواجهة فرنسة ، وكان الأمير عليّ يقوم بمهمّات سياسية وعسكرية لمصلحة الدولة العثمانية ، فعن أي أجندة عمل يتحدث التميمي؟!
37يقول الكولونيل تشرشل في معرض حديثه عن المخصصات المالية التي يقبضها الأمير من الحكومة الفرنسية: ((..وعند التأمل في عادات عبد القادر يصبح هذا الدخل أكثر مما يحتاجه ، بل يصبح بذخًا ، وكان يمكنه أن يعيش عيشة أمير بهذه الثروة وينغمس في التباهي ، ولكنه كان خاضعًا لمبادئ أخرى . فعبد القادر الذي كان دائمًا معارضًا لإرضاء النفس قد نظر إلى هذا المرتّب الكبير كأمانة، لذلك قرر أن يأخذ منه ما هو ضروري لمصاريفه الخاصة ، وأن يصرف الباقي على الآخرين. فقد كرّس دخْلَه على تلبية حاجات كثير من أولئك الذين رفضوا بنبلٍ أن ينفصلوا عن مصيره ، بل إنّه كان قادرًا على أن يغمر بكرمه جهات أخرى . ولم يكد يحتفظ لنفسه ولعائلته بسوى النصف من ذلك المبلغ أما الباقي فقد وزّعه في شكل رواتب على قوّاده وأتباعه الذين كانوا في حاجة ماسة ، وفي شكل صدقات على الفقراء ، وهبات إلى المساجد ، وغير ذلك من الأغراض الخيرية ، كما أنه كان يصرف من دخله على أخويه وعائلتيهما))
.انتهى [حياة الأمير ص274]
38أقول : وهذا الكلام فيه إنصاف بخلاف كلام التميمي ، إلاّ أنه غير دقيق . أولاً للأمير أربعة إخوة في دمشق وليس اثنان. ثانيًا ما كان ينفقه الأمير شهريًا كمرتبات ثابتة للعلماء والمشايخ وأعمال الخير أكبر بكثير من إنفاقه على أسرته وموظفيه. وعندي وثيقة نادرة ، وهي المخطوط الخاص بالنفقات الشهرية للأمير ، وهو بخط كاتبه الخاص وفيه بيانات تفصيلية وبأسماء الأشخاص أيضًا تُثْبت ما أقول.
39ويتابع الأخ كاتب (فك الشفرة) مسلسل الاتهامات فيقول :"و عندما قرر الأمير أن يقوم ببعض الإصلاحات على الدارين اللتين سلمتهما له الإدارة العثمانية في الشام ـ بعد أن قامت بتأثيثهما ـ ألحَّ الأمير لدى وزير خارجية فرنسا والسفير الفرنسي باستانبول للقيام بتدخلات لدى الحكومة العثمانية في تمليكه للدارين ، لأنهما محتاجان إلى الإصلاح والزيادة ولايمكن اصلاحهما قبل استملاكهما، ـ كما ألح على السفير نفسه للتوسط لدى الدولة العثمانية للحصول على مبلغ مالي من الحكومة العثمانية لذلك ، وقد قدمت له الدولة العثمانية مبلغاً قدره ألف بورسه ، أي 100.000 فرنك . وكان ذلك المبلغ يساوي ثلاثة أضعاف المبلغ الذي قرر أن يشتري به مسكنا".انتهى
40وأقول : كُل هذا الكلام غير صحيح ، والمراجع التاريخيّة التي تحدثت عن أملاك الأمير في دمشق تذكر خلاف هذا الكلام. والكاتب لم يُبيّن مصدر هذا الكلام المتناقض!
41إنّ الدولة العثمانية استأجرت للأمير دار عزّت باشا الرئيس لينزل فيها وقتيًا ، وبعد ذلك أصدرت الدولة العليّة أمرها إلى والي الشام ليساعد الأمير في اختيار دارٍ لإقامته الدائمة تكون لائقة به، فوقع اختيار الوالي والأمير على دارٍ ، فاشتراها الأمير من ماله الخاص (وكان السلطان قد أنعم على الأمير عند رحيله إلى دمشق بألف كيس ذهبي بدلاً من الدار التي كان أهداها إليه في بروسة) وكان المكان الذي وقع عليه الاختيار مؤلفًا من دارين واسعتين بينهما دار صغيرة (في زقاق النقيب ـ نقيب الأشراف ـ بالعمارة وكان أصل تلك الدار لآل القباقيبي).
42وبعد شراء المكان أُصلِحت الداران وجُهِّزَتا ، وانتقل إليها الأمير وترك الدار التي استأجرتها له الدولة العثمانية . وكانت ضيافة الأمير وعائلته في ولايتي بيروت ودمشق جارية من الولايتين بأمر الدولة العليّة!! وكان السلطان العثماني قد خصص لأفراد الأسرة مرتبات شهريّة .[انظر تحفة الزائر 2/66 ، وغيرها من المراجع]
43وهذا يُظهر بكل جلاء بطلان الكلام الذي ساقه الكاتب .
44وللعلم فإن أثمان البيوت في ذلك الوقت كانت أقل بكثير مما يظن الكاتب أو صاحب ذلك الكلام.
45وأمّا التهمة الجديدة فهي ادّعاؤه أنّ الأمير كان يطلب وساطة وزير الخارجيّة الفرنسي والسفير الفرنسي في اسطنبول للحصول على المال من السلطان!!!!
46وهذا قلبٌ للحقائق ، فالأمير كان محلّ عناية وتكريم واهتمام السلاطين العثمانيين الذين عاصرهم ، والرسائل المتبادلة بينهم لهي من الأدلّة على شدة صلته بهم وشدة حبّهم له.
47وأعجب من ذلك إصرار الكاتب على إيهام القرّاء بأن صلة الأمير بفرنسا كانت أشد من صلته بالدولة العثمانية!!
48يقول محمد باشا :((إنّ الأمير جاء إلى القسطنطينية منفيًا سنة 1269هـ/1853م ، وبعد وصوله إليها دُعيَ للاجتماع بحضرة السلطان الغازي عبد المجيد خان فتشرّف بلقائه ، ورحّب به السلطان وأحسن السؤال عن أحواله وشَكَرَه على ما كابده في الدفاع عن الدين والوطن ، وحَمِدَه على صبره على ما قاساه أيام احتجازه عند الفرنسيس ، ومدح الإمبراطور نابليون الثالث على وفائه بالعهد والقيام بشأنه ، وكان السلطان غاية في التلطف والتعطف ولين الجانب ، وكان بصحبة الأمير رفيقاه في الجهاد السيد قدور بن علال وخادمه قره محمد . وكان الإمبراطور نابليون الثالث طلبَ من السلطان عبد المجيد كفالة عن الأمير!! ( وذلك عندما قرر إطلاق سراح الأمير وإرساله إلى اسطنبول) ، فعقد السلطان جلسة خاصة للمذاكرة في شأن الكفالة فقال شيخ الإسلام عارف حكمت بك للسلطان : "إذا لم تكن لمولانا السلطان حسنة مع كثرة حسناته إلاّ هذه لكفى أن يكفل هذا الرجل المجاهد وينقذه من الأسر"، فحينئذ أجاب السلطان له بالكفالة))
.انتهى[انظر تحفة الزائر 2/51ـ53]
49فهل يُعقل أن يطلب الأمير من الفرنسيين التوسط له عند السلطان والسلطان هو الذي كفله وأراحه من أَسْر الفرنسيين وأنزله في جواره؟!
50وهل يُعقل أن يطلب الأمير وساطة أحد عند السلطان ، والناس كانوا يتوسّطون الأمير لدى السلطان لما له عنده من منزلة وحظوة؟
51سبحان الله!
52ثم يذكر الكاتب أنّ الأمير كان يعيش في دمشق عيشة الملوك!!
53أقول : إنَّ الأمير كان في وضع مالي جيد جدًّا ، ولكن لا يصل إلى حد عيشة الملوك!!
54وأنى له عيشة الملوك وهو يتقاضى راتبًا شهريًا لينفقه على نفسه وأهله وأتباعه ، والأمير مات وعليه ديون!
55ثم يفسّر لنا الكاتب عيشة الملوك فيقول : "إنّ الأمير كان محاطاً بـ 180 شخصاً من عائلته".انتهى
56فلا أدري أهكذا تكون حياة الملوك؟ أن تكون مسؤولاً عن 180 فردًا من أسرتك يجعلك من الملوك؟
57ثم من أين للكاتب هذا العدد؟ ليسمّهم لنا! إنّ أفراد أسرة الأمير في حياته لا يتجاوزون الأربعين.(وهذا الرقم يشمل أولاد الأمير وحريمه وإخوته وأبناءهم!)
58ثم يقول : وكان يعمل عند الأمير (2000) حارس ومزارع وموظف ، وشيئًا فشيئًا التحق بهم (15.000) جزائري ومغربي وتونسي لخدمة الأمير!!!!
59وكما يقولون في المثل الدارج (كيف عرفت أنها كذبة؟ قال : من كبرها!)
60سبعة عشر ألف خادم للأمير!! سبحان الله .
61أتدري أخي الكاتب كم كان عدد سكان مدينة دمشق في حينها؟
62إن عددهم كان قرابة (250.000) أو أكثر بقليل ، وهذا العدد يشمل الرجال والنساء والأطفال ، فإذا صرفنا النظر عن عدد النساء والأطفال ، يكون عدد الرجال العاملين على أكبر تقدير (60.000) تقريبًا!! فهل يريد الكاتب أن يُقنعنا أنّ ثلث أو ربع السكان كانوا حرسًا وخدمًا للأمير؟؟!!
63وهل يدري كم يحتاج هؤلاء لنفقات وتأمين سكن وغيرها ...؟
64وكأنّ الأمير كان يعيش وحده في دمشق ، ونسي الكاتب أن دمشق كانت من أهم الولايات العثمانية وفيها عدد كبير من الباشاوات وأصحاب النفوذ والمال .
65إنّ الأمير لمّا كان في الجزائر حالة حربه مع فرنسة والتي كانت تحاول شراء بعض الخونة ليغتاله لم يكن له حرّاس! فما حاجته للحرس في الشام؟
66وقبل كل ذلك من أين للكاتب هذه المعلومات وهذه الأرقام الخيالية أصلاً؟؟؟
67في الوثائق التي بين يديّ ـ ومنها دفتر بيان النفقات الشهرية والسنوية للأمير ـ لا يوجد فيها أيّ ذكر لحرّاس!! ومجموع الموظفين والخدم فيها هو (30) فقط! منهم عَشْرُ خادمات لحريم الأمير (الزوجات والبنات والأخوات) ولبعض أبنائه الصغار . وباقي العدد يشمل كاتب الأمير ، ووكيل الحسابات ، وعامل الحديقة والبواب و(العشّي) و(الصُفْرَجي) و(القَهْوجي) ، والجمَّالين وسُيّاس الخيل، و(الخولي)!
68فانظروا كيف ارتفع العدد من (30) إلى (2000) إلى (17.000)!!! في سِباحة خيالية ، بل فوق الخيال!
69ولا حول ولا قوة إلاّ بالله .
خلدون بن مكي الحسني
للبحث صِلَة إن شاء الله
من أجوبته في النقاش
ردود كتبها الشيخ على أسئلة القرّاء واعتراضاتهم في الموضوع نفسه. ويُعرض مع كل رد طرف من آخر مشاركة سبقته، للسياق؛ وقد يكون جوابه موجّهًا إلى مشاركة أقدم منها.
جواب أسئلة في المواقف والديوان والنياشين7 أكتوبر 2008م
1الأخ عبد الحق آل أحمد ؛ السلام عليكم ورحمة الله.
2كنت سأترك الجواب على أسئلتك إلى وقت آخر حتى لا أخرج عن صلب موضوع الحلقات التي أنا بصددها ، ولكنني خشيت أن تظن أن ذلك لغرض آخر ، لذلك قررت أن أجيبك باختصار ، والموضوع ليس سجالاً بيننا الآن ، وإن شئت التوسع لاحقًا فلا مانع إن شاء الله.
31ـ جوابًا على سؤالك الأول أقول : لقد وضعتَ الإجابة بنفسك وهي قولي: ((وكلُّ كلامٍ صدر من ابن عربي أو غيره ، فيه مخالفة للشريعة أو استخفاف بأصول الدين وقطعيّاته فهو مردود ومرفوض))
؛ وأزيدك توضيحًا: إن أي عبارة أو قصيدة فيها ما يدل على وحدة الوجود أو الحلول والاتحاد فهي مردودة على قائلها كائنًا من كان! فوحدة الوجود والاتحاد والحلول من عقائد الفلاسفة الزنادقة ، وحكمها الشرعي أنها كفر وخروج عن الدين.
4لذلك أقول: إن العبارات المشكلة الواردة في كتاب "المواقف" يمكن الحكم عليها بالفساد أو الإلحاد ، ولكن دون الحكم على الأمير لأنّنا في شكٍ من ثبوت ذلك الكلام عليه ، ولأنه لم يسبقنا إلى ذلك أحدٌ من علماء المسلمين المعاصرين للأمير أو القريبين من عصره ، وسيأتي بيان ذلك في بحث مستقل أتناول بطلان نسبة هذا الكتاب إلى الأمير.
5والأشعار التي نقَلْتَها أنت من كتاب المواقف وعلّقت عليها بقولك :"[تنقل الأمير من الإسلام إلى دين اليهود و النصارى وهذه ردة صريحة]" ليست له وموجودة في الكتب القديمة لأمثال ابن هود الأندلسي. لذلك كان إطلاقك لحكم الردة على الأمير فيه تسرع منك ، وأنت غير مسبوق بذلك ولا سلف لك بهذا ، وأنت لم تتثبت من ذلك وكان يكفيك استنكار تلك الأبيات الشنيعة!
6وأما كتاب "ذكرى العاقل" فلم أجد فيه أي عبارة يمكن الحكم عليها بالكفر أو الشرك أو الزندقة . والعبارة التي نقلْتَها عنه في موضوعك (التنبيه على شركيات وطوام عقدية عند الأمير عبد القادر الجزائري) ، وعلّقتَ عليها بقولك : "[دعوته للأخوة مع النصارى الكفار]"
7قد بيّنتُ في الحلقة الثانية المقصود منها ، وأوردتها ضمن السياق الواردة فيه ، وليس فيها المعنى الذي فهمتَه أنت وبعض الناس . وبيّنتُ أنك سلختها من سياقها وأبرزتها بقالب مشوه ، ولولا ذلك لما كان من الممكن أن يُفهم منها المعنى الفاسد الذي رميت به الأمير، فليتك ترجع إلى الحلقة الثانية.
8وأما ديوان الأمير ، فالأبيات التي استنكرتَها على الأمير وعلقتَ عليها بقولك:"[الأمير يشرك بالله العظيم شركا واضحا جليا]" . لا يُسلّم لك أبدًا ، وستسأل عنه يوم الحساب . والياء في هذه الأبيات هي ياء الندبة! وليست ياء النداء!! وهذه الياء لا يندب بها إلاّ العلم المشهور . والندبة لها أساليبها الأدبيّة يعرفها أهل اللغة والأدب ، والقارئ لمثل هذا النوع من الشعر يجب عليه أن يستحضر هذا المعنى. ولا يُحكم على المتكلّم بأنه يستغيث بغير الله إلاّ إذا كان واضحًا في كلامه ، كأن يقول يا رسول الله أو يا وليّ الله أدركني أو ارزقني . وليس في تلك الأبيات شيء من ذلك ، ويمكنك أن تقول إنني لا أحب هذا النوع من الشعر أو الأولى عدم التلفظ بكلام يلتبس على البعض ، أما أن تقول هذا شرك واضح وجلي! فلا توافق عليه. وكلامي ليس خاص بشعر الأمير وحده ، وإنما هو عام لأي شعر أو كلام مشابه .
92ـ وبناءً على ما سبق فإن جوابي على سؤالك الثاني هو أنك لم تكن محقًا في ردّك لأنك لم تحكم على الكلام وإنما حكمت على الشخص دون أدنى تثبّت ووصفتَه بأنه ملحد ومشرك وخرافي مرتد!!!، وافتريت عليه قصة إحراق كتب ابن تيمية وزعمتَ أنها متواترة مع أنه لا أ صل لها (راجع الحلقة الأولى) ، ووصفته بالعميل للفرنسيين ،وطعنت في جهاده وجرّدته منه ، كل ذلك دون أي دليل يشفع لك!! وقلتَ في حقّه بالحرف الواحد: ((والوقت ثمين وأشرف من أن يبذل في تتبع زبالات أفكار المدسوسين من قبل أعداء الإسلام والمنحرفين فكريا عن عقيدة السلف الصالح))
. فحكمت عليه بأنه مدسوس من قبل أعداء الإسلام ، وأن أفكاره زبالة!!
10فهل تظن أنك بعد كل هذا الهجوم والطعن والتكفير والتشهير العاري عن الدليل والبيّنة متقربٌ إلى الله وعلى خير ومحقٌ أيضًا؟؟!! يغفر الله لي ولك.
113ـ وأما العقائد الشركية والمخالفات الشرعية الموجودة في "المواقف" أو غيره فلا مانع من الحديث عنها وبيان بطلانها وسقوطها ، ولعل ذلك يكون في موضوع مستقل وموقفي منها معروف وأنا بفضل الله كنتُ وما أزال أتصدى لمثل تلك العقائد وأرد عليها (وهل ما أعانيه اليوم إلا بسبب ذلك!!)، أما الحلقات التي أنا بصددها الآن فهي تعالج اتهامات وشبهات باطلة تثار حول شخص الأمير ، فإذا كان لديك أي إشكال فيما كتبته فيها فيمكنني بيانه الآن .
124ـ وأما سؤالك عن النياشين . فالجواب :أولاً إن هذه النياشين حصل عليها الأمير بعد فتنة دمشق سنة 1860 وقد روت الأميرة بديعة عن جدّتها السيدة زينب بنت الأمير عبد القادر أن هذه النياشين وضعها مرّة واحدة وأخذت له صورة واحدة ولم يكن سعيدًا بذلك ، والغرض أن ترسل إلى الصحف الأوربيّة فيرى الأوربيون بأعينهم تكريم ملوكهم وحكامهم للرجل الذي كانوا بالأمس يطعنون فيه ويظهرونه بصورة المتعصب الحاقد على المسيحية وأن حربه مع فرنسا كانت فقط لأنهم مسيحيون لا لأنهم غزاة معتدون!!واليوم هم يعترفون أنه لا يحقد على الديانة المسيحية وإنما يتعامل مع أصحابها المعاهدين (أهل الذمة) وفقًا لأحكام الإسلام ، فلا يسمح بتقتيلهم بخلاف المعتدين والغزاة منهم .تقول الأميرة بديعة : ((هذا ما كنت أسمعه من جدتي زينب عندما كانت تنظر إلى صورته هذه وتقول: كم كان أبي حزيناً عندما وضعنا له هذه الأوسمة لأخذ صورة فوتوغرافية له، وقد وُضعت مرة واحدة ولغاية واحدة كما أسلفت))
[انظر أصحاب الميمنة] وهذه القصة لم تتفرد الأميرة بديعة بذكرها فهي معلومة للكثيرين.
13وإذا تسابق الرسامون لرسمها بأشكال مختلفة كلٌ كما يشاء فهذا لا ذنب للأمير فيه . ثانيًا هذه النياشين ليست خاصة بالفرنسيين وحدهم وإنما فيها نياشين من الخليفة العثماني وهو أكبرها ، ثم نياشين أخرى لعدة من الملوك والقياصرة ، وسيأتي الحديث عنها بالتفصيل في حلقة مقبلة وستجد فيها براءة الأمير مما تظن. وأما جعلك لتلك النياشين دليلاً على عمالة الأمير للاستعمار فهذه كبيرة! وليتك تحريت قبل أن تقدم على هذا الطعن والتشهير .
145ـ وأما ما ذكرته من صور لمخطوطات ، فهناك بعض المخطوطات موجودة في بعض المكتبات فلا أدري عن أيها تتحدث ، ولكن أستطيع أن أقول لك جازمًا أنه لا وجود لمخطوط لكتاب المواقف بخط الأمير ، وكذلك لديوان الأمير . فالأمير لم يكتب المواقف ولم يضع ديوانًا . والديوان إنما جمعه ابنه الأمير محمد وكتَبه بخط يده والمخطوط عندي وليس له أي صورة! والمواقف كتبه الشيخ محمد الخاني بعد وفاة الأمير وسيأتيك بيان ذلك في محلّه إن شاء الله.
15أخي عبد الحق أسأل الله تعالى أن يجعلني وإيّاك ممن يتّبعون الحق ، وكل ابن آدم خطّاء ، وخير الخطائين التوابون ، أسأل الله تعالى أن نكون منهم ، فهذا مما يرفعنا عند الله وعند الناس . وأرجو أن تتابع الحلقات كلها إلى نهايتها .
والحمد لله رب العالمين.
المصادر والنسخ
مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.
المجلس العلمي (شبكة الألوكة) النسخة المعتمدة
نُشرت بحساب المؤلف نفسه، والنص المعروض مأخوذ منها.
منتديات الجلفة نسخة مقابَلة تطابق 99.4%
نشرها المؤلف نفسه بحسابه في منتديات الجلفة.
منتديات الشروق أونلاين نسخة مقابَلة تطابق 99.8%
نسخة أعاد نشرها أحد أعضاء المنتدى، وقد قوبل عليها النص.
ملتقى أهل الحديث نسخة مقابَلة تطابق 99.6%
نشرها المؤلف بحسابه في ملتقى أهل الحديث؛ والنص مأخوذ من نسخة الأرشيف في المكتبة الشاملة (ديسمبر 2010م).