تراث الشيخ خلدون الحسنيأرشيف رقمي لآثاره العلمية

11ردّ الشبهات المثارة حول الأمير عبد القادر الجزائري

الحلقة الحادية عشرة
معاملة الأسرى الفرنسيين ودعوى الافتتان بالحضارة الفرنسية

النص كامل موقَّع باسمه 2 نوفمبر 2008م 6 دقيقة قراءة · 1,019 كلمة
تعريف موجز من إعداد الأرشيفيناقش الشيخ استدلال صاحب مقال (فك الشفرة) على افتتان الأمير بالحضارة الفرنسية وعلاقته الوطيدة بالفرنسيين بحسن معاملته الأسرى ومبادلتهم. فيرى أن ذلك التزام بأحكام الشريعة في الأسرى، مستشهدًا بآية سورة الإنسان وبقول ابن عمر للحجاج، وأن جعله مذمّة ينتقص الشريعة من غير قصد. ويورد من تشرشل خبر الفارّين من الجيش الفرنسي الذين انضموا إلى جيش الأمير ودرّبوه، وإعجاب الضباط الفرنسيين به، ويقارن ذلك بإعجاب جنود الحلفاء برومل في الحرب العالمية الثانية.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الحادية عشرة

1والآن مع شبهة جديدة عجيبة؛

2قال الأخ محمد مبارك صاحب (فك الشفرة) :"فقد عرف عن الامير عبد القادر افتتانه بالحضارة الفرنسية ، و علاقته الوطيدة بالفرنسيين".انتهى

3ولكي يُبرهن على هذا الادّعاء راح يستدل له بدليلٍ هو : أنّ الأمير كان يُعامل الأسرى الفرنسيين معاملة حسنة ؛ يداوي جرحاهم ويطعمهم ويسقيهم ولا يسمح بقتلهم ، وبعد ذلك يقوم بمبادلتهم مع الأسرى الجزائريين الذين بقبضة فرنسا!!!

4أرأيتم إلى هذا الاستدلال العجيب!

5يقول صاحب (فك الشفرة) :"و مما يحتفظ به التاريخ عن الأمير عبد القادر الجزائري أنه قد عمل أثناء معاركه ضد الغزو الاستعماري الفرنسي للجزائر، على سن وتطبيق مجموعة قوانين حول كيفية معاملة الأسرى الفرنسيين المعتقلين من جيش العدو، ومن ذلك: "اعتبار أن أي فرنسي يتم أسره في المعارك يجب ان يعتبر أسير حرب، وأن يعامل كذلك إلى أن تتاح فرصة تبادله مقابل أسير جزائري" ، مع أن الفرنسيين كانوا حينذاك يستخدمون سياستَي الأرض المحروقة والإبادة الجماعية ؟؟.

6ـ كما حدد الأمير عبد القادر بأن "على أي عربي في حوزته أسير فرنسي، أن يعامل هذا الأخير معاملة حسنة. وفي حال شكوى الأسير من سوء المعاملة، فلن نكون العقوبة مجرد اسقاط المكافأة ، بل قد يرافق ذلك عقوبات أخرى".

7ـ ولضمان عدم قتل الأسير الفرنسي فإن "أي عربي يقدم أسيرا فرنسيا يحصل على مكافأة قدرها 8 دورو (وهي العملة الجزائرية التي تساوي 5 سنتيم).!!!!!انتهى

8ولم يكتف بذلك حتى قال :"إن أعدادا من الأسرى الفرنسيين القدامى الذين تلقوا علاجا من قبل الأمير، كانوا يأتون من مناطق نائية في اتجاه قصر "بو" وقصر "أمبواز" حيث كان الأمير معتقلا، لتحية من كان المنتصر بالأمس".انتهى

9سبحان الله . لقد جعل الأخ محمد مبارك التزامَ الأمير عبد القادر بأوامر الشريعة الإسلامية في كيفيّة معاملة أسرى الحرب دليلاً على افتتانه بالحضارة الفرنسية!!! وكأنّ الفرنسيين هم الذين يحسنون معاملة الأسرى في حين أنّ الإسلام لا يحض على حُسْن معاملتهم وإنما يأمر بتعذيبهم وتقتيلهم!!

10وهذا الادّعاء ليس فيه تشويه لصورة الأمير ، وإنما فيه انتقاص للشريعة الإسلامية ـ عن غير قصد ـ التي يُوحي الكلام أنها لا تأمر بالإحسان إلى الأسرى!

11فهل نسيَ كيف أمرنا الله تعالى بمعاملة الأسرى؟ وهل نسيَ كيف كان رسول الله يُعامل أسراه؟

12قال الله تعالى :{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}[الإنسان:8]

13ولمّا أُتي الحجّاج بن يوسف بأسير ، قال لعبد الله بن عمر : قم فاقتله ، فقال ابن عمر : ما بهذا أُمرنا ، يقول الله : {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منًا بعد وإما فداءً} (محمد: 4)؛ [مصنف ابن أبي شيبة 6/498]

14والبحث طويل وأساسيّاتُه يعرفها عامة المسلمين .

15ثمّ جعل صاحب (فك الشفرة) شعور الأسرى الفرنسيين بفضل الأمير عليهم عندما أحسن معاملتهم وهم أسرى لديه ؛ وهم الذين تعوّدوا الإساءة للأسرى الذين في أيديهم ومعاملتهم بوحشية؛ دليلاً على علاقة الأمير الوطيدة بالفرنسيين!!

16والله إن هذا لشيءٌ عُجاب!!!

17عن أي علاقات يتكلّم الكاتب والأمير في حالة حرب شرسة مع فرنسا يُقتّل جنودها وضباطها ويشردهم ويردهم خزايا وخاسرين ويضطرهم لأكل لحم القطط والكلاب!! ، ويأسر منهم الكثير ليبادلهم بالأسرى الجزائريين؟!

18عجيب والله! إذا كانت العلاقات وطيدة برأي الكاتب ووقع كل هذا القتل والأسر والتشريد! فكيف إذا كانت العلاقات عدوانية؟!

19لقد كان الجنود الفرنسيون معجبون بشخصيّة الأمير الفذّة ، فهو عسكريٌ محنّك استطاع أن يهزم الجيوش الفرنسية المدججة بأحدث وأثقل الأسلحة ، وهو لا يملك إلاّ سيفه ومسدسه!

20وهو السيد الشريف المتخلّق بالآداب الإسلاميّة السامية التي لم يكن الأوربيون المتوحشون يجدون في معاجمهم مفردات لتلك الأخلاق والسجايا!

21وتذكر المصادر التاريخية أن عددًا ليس بالقليل من الجنود والضباط الفرنسيين أعلنوا إسلامهم وانضموا إلى جيش الأمير وكانوا يُشرفون على تدريب جيشه وتصنيع المدافع وبعض الأسلحة .

22يقول الكولونيل شارل هنري تشرشل :((لقد كان مدربو جيش الأمير النظامي من المشاة ، من الفارّين من الجيش الفرنسي . وقد ازداد هؤلاء الفارّون إلى أن أصبحوا أخيراً يكوّنون كتيبة خاصة بهم ، وقد حاربوا ضد مواطنيهم (الفرنسيين المسيحيين) بكل شجاعة وإقدام لا يكاد الجندي المسلم يزاحمهم فيها)).انتهى [انظر (حياة الأمير عبد القادر) لتشرشل ص141]

23ويقول تشرشل في صدد حديثه عن انبهار الجيش الفرنسي بأخلاق وأعمال الأمير عبد القادر : ((وقد قال أحد الضباط الفرنسيين الكبار بعد ذلك :"لقد كان علينا أن نخفي هذه الأشياء بقدر ما نستطيع على جنودنا ، لأنهم لو اطلعوا عليها لما كان في استطاعتنا أبدًا أن نجعلهم يحاربون عبد القادر بنفس الاندفاع والحماسة)).انتهى [المصدر السابق ص204]

24((وكان الأسرى الفرنسيون يتبرعون ، عند إطلاق سراحهم ، بالسلاح لأحد خلفاء الأمير وهو ابن علال بن مبارك تكريمًا له)).انتهى [المصدر السابق ص204]

25ويذكر هنري تشرشل أن: ((الأمير عبد القادر أثار في صدور الجنرالات الفرنسيين مشاعرَ الإعجاب البطولي ، وكانوا ينشدون اللقاء به دون جدوى ، بينما كلّف مواهبهم العسكرية غالياً)).انتهى [انظر حياة الأمير لتشرشل ص120]

26ولا غرابة في موقف الجنود الفرنسيين من الأمير عبد القادر ؛ وإليكم مثالاً قريباً : ففي الحرب العالمية الثانية ، وبعدما عُيّن الماريشال "رومل" قائدًا للجيوش الألمانية في شمال إفريقية ، راح يُنكّل بالقوات البريطانية والفرنسية ويذيقها الهزائم المتتالية ، وكانت مناوراته العسكرية البارعة تُعدّ من المعجزات بنظر قوات التحالف ، إلى أن وصل بقواته إلى مدينة "العَلَمين" قرب الإسكندرية .

27عندئذ أيقن الإنكليز وحلفاؤهم الفرنسيون أنّ الخطر داهم ، فعزلوا قائد قوات الحلفاء في شمال إفريقية الجنرال "ألكسندر" ، وعيّنوا بدلاُ منه عبقريّة عسكرية مماثلة لرومل هو الجنرال "المنتوغمري"... فتسلّم القيادة فورًا ، وفوجئ ، كما قال في مذكراته ، أنّ القائد لجيوش الحلفاء في الواقع رومل وليس ألكسندر!! فأحاديث الجنود البريطانيين والفرنسيين كانت تدور عن معجزات رومل العسكرية ومناوراته الناجحة والرائعة .

28ولَمَسَ الإعجاب الشديد لدى جيوشه برومل إلى درجة أنّ البعض لم يتورّعوا عن إلصاق صورته في مهاجعهم!!

29مما دعا المنتوغمري إلى عقد ندوات وإلقاء دروس في الوعي القومي وأخطار الإعجاب بالعدو .[انظر (أصحاب الميمنة) ص152]

30وأمّا الأمير عبد القادر فإن الأمر لم يكن مقتصرًا على شجاعته ومهارته العسكرية وعبقريّته القتالية! فإنّ التزام الأمير بالأخلاق الإسلامية الحميدة ، وتطبيقه للأوامر الشرعيّة الخاصة بشؤون الحرب والقتال والأسرى ، حمَلَ أعداءه على محبّته والإعجاب به ، وعلى الإعجاب بدين الإسلام ، فتحوّل الكثير من الضباط والجنود الفرنسيين إلى الإسلام ، وانحازوا إلى معسكر الأمير والجزائريين ، وساعدوا في تدريب جيش المجاهدين ، وفي بناء معامل الأسلحة ، وفي التخطيط الحديث للمعارك مع الجيش الفرنسي المعتدي ، وبذلك كان النصر للمجاهدين وللدعوة الإسلامية في ذلك العصر ، بعدما كانت الدعاية الأوربيّة تشوّه صورة الإسلام والمسلمين وتظهرهم بمظهر المتوحشين .

31فكيف أصبحت هذه المنقبة والمكرمة للأمير بنظر الأخ محمد المبارك مذمّة ومثلبة؟؟!!

32ولا حول ولا قوة إلاّ بالله

خلدون مكي الحسني

للبحث صِلة إن شاء الله

المصادر والنسخ

مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.

1

المجلس العلمي (شبكة الألوكة) النسخة المعتمدة

باسم: «خلدون مكي الحسني» 2 نوفمبر 2008م المشاركة 91

نُشرت بحساب المؤلف نفسه، والنص المعروض مأخوذ منها.

2

منتديات الجلفة نسخة مقابَلة تطابق 99.0%

باسم: «أبو إدريس» 1 نوفمبر 2008م

نشرها المؤلف نفسه بحسابه في منتديات الجلفة.

3

منتديات الشروق أونلاين نسخة مقابَلة تطابق 99.7%

باسم: «algeroi» 2 نوفمبر 2008م

نسخة أعاد نشرها أحد أعضاء المنتدى، وقد قوبل عليها النص.

4

ملتقى أهل الحديث نسخة مقابَلة تطابق 99.8%

باسم: «أبو إدريس الحسني» 2 نوفمبر 2008م

نشرها المؤلف بحسابه في ملتقى أهل الحديث؛ والنص مأخوذ من نسخة الأرشيف في المكتبة الشاملة (ديسمبر 2010م).

طريقة الإحالة

الحسني، محمد خلدون بن مكي. «ردّ الشبهات المثارة حول الأمير عبد القادر الجزائري — الحلقة الحادية عشرة». المجلس العلمي (شبكة الألوكة)، 2 نوفمبر 2008م. ضمن: تراث الشيخ الدكتور محمد خلدون مكي الحسني الجزائري، https://www.khaldunalhasani.com/athar/radd-11.

آثار ذات صلة