1السلام عليكم ورحمة الله ، أشكر جميع الإخوة على لطفهم وترحيبهم ، وإليكم الحلقة الثامنة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثامنة
2انتقل الأخ محمد مبارك في مقاله (فك الشفرة) بعد كل تلك المقدمات عن تصوف الأمير وتقديس ابن عربي وغيره ، إلى الحديث عن ابن عربي ذاته . ولا يهمني الآن ما ذكره الأخ الكاتب عن ابن عربي فليس هو موضوع بحثي ؛ وكلُّ كلامٍ صدر من ابن عربي أو غيره ، فيه مخالفة للشريعة أو استخفاف بأصول الدين وقطعيّاته فهو مردود ومرفوض ، وأما شخص ابن عربي فقد تحدّث عنه علماء الإسلام الأثبات المعاصرين له أمثال الإمام العز ابن عبد السلام ، ومن جاء بعدهم ، وقد أوردتُ بعضًا من كلامهم في كتابي [إلى أين أيها الحبيب الجفري؟!]، ولكن الذي يهمني هو النتيجة التي خرج بها الكاتب بعد حديثه عن ابن عربي .
3لقد استنتج أن عقيدة وحدة الوجود عند ابن عربي تصحح عقيدة وحدة الأديان التي يكثر الحديث عنها اليوم وتتلاقى مع الماسونية!
4وطبعًا هذا كلام غير دقيق . والكاتب لم يفرّق بين هذه المسميات في مقاله ، لذلك نجد أنها متداخلة، والقارئ سيفهم أن الحلول يقابل وحدة الوجود ، ووحدة الوجود تقابل الماسونية ، والماسونية تقابل وحدة الأديان ، ووحدة الأديان تقابل وحدة الوجود!
5نعم إنّ بعض هذه المسميات يتقاطع مع بعضها الآخر في جزء من الأجزاء من الناحية الفلسفية ولكن ليس ضمن المفاهيم المستقرّة اليوم والتي يجري التعامل مع تلك المسميات وفقًا لها.
6يقول الكاتب: ((ونظرية وحدة الوجود تقول بأن الله عز و جل موجود ـ و العياذ بالله ـ في كل مكان ، و بذلك تصحِّح نظرية وحدة الأديان الذي أسماه ابن عربي (دين الحب) أيما تصحيح ، بحيث تنضوي تحته كل عقيدة))
.انتهى
7تعريف وحدة الوجود عند الكاتب غير دقيق! وما ذكره هو عقيدة ومذهب الجهميّة!
8وأنا لا أريد الخوض في تفاصيل هذا الموضوع حتى لا نشتت القرّاء ولكن سأنبّه على أشياء منه .
9أولاً ، الحلول: ((مذهبٌ يعتقد أصحابه أنّ الله تعالى حالٌّ في كل شيء ، وفي كل جزء من كل شيء متحدٌ به ، حتى صار يصح أن يطلق على كل شيء أنه الله ، تغليبًا للاهوت على الناسوت.
10والعقيدة الحلولية نجدها عند فرقة من المتصوّفة ، وهي ليس وقفًا عليهم ، وإنما لها جذورها في الديانات المجوسية والهندية واليهودية والنصرانيّة . فاليعاقبة ، من النصارى القائلين بحلول الله سبحانه في جسد المسيح عليه السلام:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة:72]
11وعقيدة الحلول الموجودة عند المتصوفة تخالف المعتقدات الإسلامية ؛ لأنهم يقصدون بها أن روح الله تعالى حلّت في بعض الأجسام التي اصطفاها واختارها ، فانقلبت هذه الأجسام البشرية إلى آلهة تسير على الأرض وتعيش بين الناس.
12أشهر القائلين بالحلول (الحلاّج) ، وقد شرح عقيدة الحلول بقوله:"مَنْ هذَّبَ نفسه في الطاعة ، وصبر على اللذات والشهوات ، ارتقى إلى مقام المقرّبين ، ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية ، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظّ حلَّ فيه روح الإله الذي حلَّ في عيسى ابن مريم ، ولم يُرِدْ حينئذ شيئًا إلاّ كان كما أراد ، وكان جميع فعله فعل الله تعالى"
13وكذلك (أبو يزيد البسطامي) ، فقد روي عنه أنه دخل مدينة فتبعه فيها خلقٌ كثير ، فالتفت إليهم وقال :{إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدون}. فقال الناس: "جُنَّ أبو يزيد" وتركوه.
14وتُشبه عقيدة الحلول عند المتصوفة عقيدة التجلّي ، إذ يكون فيها تجلي الذات الإلهية باسمٍ أو صفة. يقول (عبد الكريم الجيلي):"ومنهم من تجلّى الله عليه بصفة السمع ، فيسمع نُطقَ الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة واختلاف اللغات... وفي هذا التجلّي سمعتُ علم الرحمانية من الرحمن ، فتعلمت قراءة القرآن ، فكنتُ الرطل وكان الميزان ، وهذا لا يفهمه إلاّ أهل القرآن"
15من أشهر الفرق القائلة بالحلول ، الحلاّجيّة والعذاقرة ، إذ تعتقد الأولى أنّ روح الله حلّت في الحلاّج، والأخرى أنها حلّت في محمد بن السلمقاني الملقّب بأبي العذاقرة.
16وقد أفتى الفقهاء بكفر هذه الفرق ، وقالوا إنّ غايتها إفساد عقيدة التوحيد عند المسلمين ، فالله مُنَزَّهٌ عن أن يحلَّ بشيء أو يحل به شيء)).انتهى[الموسوعة الإسلامية الميسّرة 5/936]
17ثانيًا ؛ إنّ وحدة الوجود: (مذهب فلسفي يوحِّد بين الله والعالم ،ولا يُقِر إلاّ بوجود واحد هو الله ، وكل ما عداه أعراضٌ له . وقد نشأت هذه الفكرة عن أصل ديني صدر عن البراهمة ، وعن آراء علميّة ترمي إلى تفسير التغير والثبوت في العالم ، وقد قال هذا إكسانوفان والرّواقيون ، وظهر في الأفلاطونيّة الحديثة والفلسفة الحديثة إذ مَثّله سبينوزا ، وتجلّت آثاره في مثاليّة نيتشه وهيغل.
18أمّا المسلمون فقد ظهر هذا المذهب بتوضيح جديد عندهم ، ذكره الشيخ محيي الدين ابن عربي وابن سبعين وسواهما ، وقد حاولوا شرحه بما لا يناقض عقيدتهم ، فصعب الأمر ، ووقعوا في إشكالات عجزوا عن تأييدها . ولذا جاء غير هؤلاء ليتحدّث عن وحدة الشهود بديلاً عن وحدة الوجود ، بأن يُشاهد العارف هذه الحقيقة (وحدة الوجود) في ذات الله سبحانه وتعالى ، واتفق الجميع على ضرورة التركيز على وحدة المعبود ، وهذا الأسلم والأوضح ، وقد دعا إلى هذا الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام)).انتهى[الموسوعة الإسلاميّة الميسّرة 10/2194]
19وأقول: إن وحدة الوجود هي عقيدة ونظرية ظهرت قبل الإسلام وكان يقول بها كثير من الفلاسفة ، والمصيبة الكبرى أن الذين خاضوا في الفلسفة من الصوفية اعتمدوا هذه النظرية . وبدأت هذه النظرية عندما ظنّ الفلاسفة أن الإله ـ الذي أثبتوا وحدانيّته بدايةً ـ لمّا أراد أن يوجد الخلق أوجَدَه من ذاته أي فصله عن ذاته ، فالخلق كلّه جزء من الإله!! وهكذا راحت تكبر هذه النظرية وتحوّل الفلاسفة المثبتون للوحدانية بالأمس إلى ملاحدة ومشركين . وهذه النظرية لا ترى وجودًا لشيء اسمه أديان أصلاً .فهي لا تثبت ربًا ولا تثبت عبدًا فالكل واحد!! (والعياذ بالله)
20ثالثًا ، وأما وحدة الأديان فالمعروف أن أصحاب هذه الدعوة اليوم يزعمون أنّ جميع الأديان متفقة على الجوهر والكل يعبد الإله الواحد ، فلا داعي للتصادم بين أهل تلك الأديان ، وعليهم أن يتعايشوا وينسوا الفوارق بينهم ليحيوا بسلام. وهم لا ينطلقون من مفهوم وحدة الوجود أبدًا ، وأصحاب هذه الدعوة اليوم يتمثلون في بعض الجمعيات الاجتماعية والإنسانية الموجودة في أوربة.
21رابعًا ، إن وحدة الوجود ووحدة الأديان لا علاقة لها بالحلول والاتحاد. الذي هو حلول الإله في مخلوقاته واتحاده معها! (عياذًا بالله)
22خامسًا ، إنّ الماسونية التي اتخذ المجمع الفقهي الإسلامي قراره الشرعي حولها في دورته 15/7/1978م =10/شعبان/1398هـ ، كما جاء في البند السابع لقرار المجمع هي:"في أصلها وأساس تنظيمها يهودية الجذور ، ويهودية الإدارة العليا العالمية السرية ، وصهيونية النشاط".انتهى
23والكل بات يعلم اليوم أنها دعوة لمحو الدين الإسلامي والديانة المسيحية وجعل الديانة اليهودية هي الوحيدة التي تحكم العالم ، فالشعب اليهودي هو الذي يمثل الإنسان الكامل وهو الوحيد الذي يستحق الحياة ، وأما ما سواه فهم خدم أو بهائم! ولذلك هم يسعون لإعادة بناء هيكل سليمان فوق كامل المسجد الأقصى. إذن فهم لا يقولون بوحدة الأديان أبدًا ، ولا شأن لهم بوحدة الوجود ، وإنما هم يهودٌ فحسب يؤمنون بكتبهم التي وضعوها وبنبوآتهم ، وينتظرون مليكهم الأعور الدجال! ومن هذه الحيثية (أي الديانة اليهودية) يكون لعقيدة الحلول مدخلٌ في الماسونية ، لا لكونها تدعوا للقضاء على الأديان الأخرى وإنما لأن العقيدة اليهودية فيها مفهوم حلول الرب في العبد!
24هذه أهم التعاريف باختصار وإجمال.
25ولنرجع إلى ما يقوله الكاتب :"و بالتالي فإن الوجودية والماسونية يدوران في فلكٍ واحد ".انتهى
26لقد أورد الكاتب بدايةً خلال حديثه عن ابن عربي أقوالاً له تثبت اعتقاده بوحدة الوجود ، ثم استنتج أن وحدة الوجود والماسونية يدوران في فلك واحد .
27وقد تبيّن لكم الفرق الكبير بين نظرية وحدة الوجود وبين الماسونية ، فالربط بينهما بعيد وغير مقبول!
28يقول الكاتب : ((و بالتالي فإن الوجودية و الماسونية يدوران في فلكٍ واحد ، و لذلك لم يكُن بِدعاً من الرأي أن ينتهج الأمير الخط الماسوني بعد المذهب الوحدوي لكونه بذلك لم يخرج عن نفس المسار ، و إنَّما انتقل من مدار إلى مدار))
.انتهى
29إن طريقة إثبات التُّهم بالاستدلال النظري مرفوضة ، فكيف إذا كان هذا الاستدلال غير صحيح؟!
30وكان الأولى بالكاتب أن يبرهن على دعوى انتهاج الأمير للمذهب الوحدوي ، وأن يبرهن على انضمام الأمير إلى الماسونية ، ثم بعد ذلك يتابع استنتاجاته!
31مع العلم أنّ الطريقة التي يتّبعها الأخ الكاتب في حديثه عن الأمير إنما هي طريقة وضع النظريات ، والاستدلال لها بالظنون والأشياء البعيدة أو بكلام غير ثابت ، ثم يجعلها من الثوابت المبرهن عليها!!!
32وهذا شيء لا يمت للدراسات العلمية بصلة عمومًا، فكيف إذا كان الموضوع يتعلّق بإطلاق حكم الكفر والردة على رجل مسلم مشهود له بالعلم والتديّن والجهاد؟!!
33ثم قال الكاتب الأخ محمد المبارك :"وقد يقال أن ناحية التصوف كانت ناحية فلسفية بحتة عند الأمير ولكن ذلك ليس بصحيح ، فنجد أن الجزائري يعتقد بمخاريق وكرامات الصوفية".انتهى
34إن رأي الكثير من الأساتذة المتخصصين والدارسين لفكر الأمير عبد القادر هو أنّ كلام الأمير في مسائل التصوف التنظيري كان من ناحية فلسفية فحسب ، وذلك لأنّه كان ملتزمًا بالفتوى على المذهب المالكي ، ولم يوجد في سلوكه حتى موته أي مظهر من مظاهر اعتقاد تلك الفلسفات ، مثلما وُجد في سلوك غيره من أمثال ابن سبعين والتلمساني وابن هود الأندلسي وغيرهم ممن كانوا في زمن الأمير أيضًا وقد ذكرتُ سيرة أحدهم في الحلقات السابقة!!
35ورأيُ أولئك الأساتذة ـ وهم من مشارب وأديان مختلفة ـ مبني على قواعد وأدلة وبراهين عرضوها في كتبهم ودراساتهم. ولكن الأخ محمد المبارك رفض هذا الرأي وقال عنه إنه غير صحيح دون أن يأتينا ببرهان أو دليل؟! وإنما اكتفى بقوله :" ولكن ذلك ليس بصحيح ، فنجد أن الجزائري يعتقد بمخاريق وكرامات الصوفية".انتهى!!
36طبعًا هو يقصد خوارق وكرامات ، لأنّ المخاريق هي المناديل ، أو الخِرَق المفتولة ، أو السيوف ، أو السياط!!
37وما أغرب هذا الاستدلال! هل الاعتقاد بالكرامات أو الخوارق التي قد تقع لبعض الصالحين ويجريها الله لهم أو على أيديهم هو الدليل على أنّ صاحب هذا الاعتقاد يكون ضرورة من القائلين بالفكر الصوفي المنحرف؟! إذن ما أكثرهم إذا لم نقل بأنهم جمهور المسلمين. وهذا كلام غير مقبول أن يُتّهم جمهور المسلمين بالانحراف لأجل الاعتقاد بالكرامات!
38لقد ساق الأخ الكاتب قصّة يستدل بها على الكرامات والخوارق التي كان يعتقدها الأمير ، وهي قصّة وقوف الأمير عند قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم . روى الكاتب نقلاً عن النبهاني أنّ الأمير قال :"…لما بلغت المدينة طيبة ، وقفت تجاه الوجه الشريف بعد السلام عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى صاحبيه الذين شرفهم الله تعالى بمصاحبته ؛حياةً وبرزخًا ؛ وقلت : يارسول الله ، عبدك ببابك، يارسول الله ،كلبك بأعتابك (في المواقف كليمك!) ، يارسول الله ، نظرة منك تغنيني ، يارسول الله، عطفة منك تكفيني ، فسمعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لي : ((أنت ولدي ، ومقبول عندي))
، بهذه السجعة المباركة. وما عرفتُ هل المراد ولادة الصلب ،أو ولادة القلب ، والأمل من فضل الله أنهما مرادان معًا، فحمدتُ الله تعالى".انتهى النقل الذي أورده الكاتب. مع أنّ القصّة لم تنته ولها تتمة طويلة، سأكتفي بنقل الجزء المباشر لقوله فحمدتُ الله تعالى . قال الأمير :"ثمّ قلتُ في ذلك الموقف : اللهم حقق هذا السماع برؤية الشخص الشريف ، فإنّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضمِنَ العصمة في الرؤية فقال : ((من رآني فقد رأى الحق ، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي))
. وما ضَمِنَ العصمة في سماع الكلام. ثم جلستُ تجاه القدمين الشريفين ، معتمدًا على حائط المسجد الشرقي ، أذكرُ الله تعالى فصعقت وغبت عن العالم وعن الأصوات المرتفعة في المسجد بالتلاوة والأذكار والأدعية وعن نفسي، فسمعتُ قائلاً يقول : هذا سيدنا التّهامي ، فرفعتُ بصري في حال الغيبة ؛ فاجتمع به بصري ، وهو خارج من شباك الحديد ، من جهة القدمين الشريفين . ثمّ تقدَّم إلى الشباك الآخر ، وخَرَقَه إلى جهتي؛ فرأيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخمًا مفخّمًا بادنًا متماسكًا ، غيرَ أنّ شيبه الشريف أكثر، وحُمرة وجهه أشدّ مما ذكَرَه أصحاب الشمائل . فلمّا دنا منِّي ، رجعتُ إلى حسّي ، فحمدتُ الله تعالى".انتهى [المواقف1/16]
39وهذه القصّة أوردها الأمير ضمن حديثه على قوله تعالى {وأمّا بنعمة ربّك فحدّث} ، وأنا لا أجد فيها شيئًا من الخوارق أو العجائب ، كل ما في الأمر أن الرجل دفعه شوقه وحبّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكلّم بتلك الكلمات أمام واجهة القبر الشريف ، فظنّ أنه سمع جوابًا ولكنّه لفقهه ومعرفته بأصول الدين أقرّ بأنّ هذا السماع قد يكون توهمًا أو شيطانيًا ، فقال :" اللهم حقق هذا السماع برؤية الشخص الشريف ، فإنّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضمِنَ العصمة في الرؤية فقال : ((من رآني فقد رأى الحق ، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي))
. وما ضَمِنَ العصمة في سماع الكلام"
40فهل هذا كلام الخرافيين أو أدعياء الكرامات؟
41وبعد أن حصلت له الرؤية المناميّة لشخص النبيّ صلى الله عليه وسلم ، نجده صادقًا مع نفسه ومع الآخرين عندما قال :" فرأيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخمًا مفخّمًا بادنًا متماسكًا ، غيرَ أنّ شيبه الشريف أكثر، وحُمرة وجهه أشدّ مما ذكَرَه أصحاب الشمائل"
42وهذا أيضًا دليل على علمه واطلاعه وصدقه .
43وهذه القصّة لا تقدّم ولا تؤخّر وليس فيها أي مستند لمن يريد أن يثبت أن الفكر الصوفي للأمير هو على طريقة المنحرفين ، فضلاً عن جعلها حجة في رفض قول الباحثين إن الناحية الصوفية كانت عند الأمير ناحية فلسفية بحتة.
44تنبيه : بعض المتسرّعين جعل من هذه القصّة دليلاً على ادّعاء الأمير للنسب الشريف! وهذا عجيب منهم فليس فيها ما يساعد على هذا الاستنتاج . وربما قالوا ذلك لعدم فهمهم المقصود من القصة. فنسب الأمير مشهور ومستفيض قبل هذه القصة بل وقبل ولادة الأمير ، فآباؤه وأجداده من المشاهير والكبراء في المغرب العربي ونسبهم معروف وهو من أثبت الأنساب وأشهرها ، فليس هناك ما يدفع الأمير لادعاء النسب .
45ولو كان هذا المقصود لقال الأمير هذا دليلٌ على نسبي الشريف ، لكنه لم يفعل وإنما قال :" وما عرفتُ هل المراد ولادة الصلب ،أو ولادة القلب" والسبب أن ولادة الصلب معروفة ومتحققة ، والمهم عنده هو ولادة القلب ـ أي يكون بذلك وارثًا محمّديًا ـ ولصدقه وأمانته لم يتحكّم في تأويل الكلام وإنما أبقاه على إطلاقه وعمومه .
46وأنا هنا أتعامل مع هذا القصص والأحوال بتجرّد وأضعها ضمن سياقها الصحيح وأشرحها ضمن مصطلح أهلها .
47وماذا سيقول الأخ محمد المبارك عن الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي (541ـ620هـ) فقد قال في كتابه الكبير "المغني" : ((وقال أحمد ، في رواية عبد الله ، عن يزيد بن قُسَيْط ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما من أحد يسلم عليَّ عند قبري ، إلا ردَّ الله عليّ روحي ، حتى أرُدَّ عليه السلام) . قال : وإذا حج الذي لم يحجَّ قطُّ ـ يعني من غير طريق الشام ـ لا يأْخُذُ على طريق المدينة ، لأني أخاف أن يحدُثَ به حَدَثٌ ، فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق ، ولا يتشاغل بغيره .ويروى عن العتبي ، قال : كنت جالسًا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابيٌّ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، سمعتُ الله يقول :{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا} وقد جئتك مستغفرًا لذنبي ، مستشفعًا بك إلى ربي ، ثم أنشأ يقول:
48يا خيرَ من دُفِنَت بالقاعِ أعْظُمُهُ **** فطابَ مِنْ طيبهِنَّ القاعُ والأَكَمُ
49نفسي الفداءُ لِقَبْرٍ أنت سَاكِنُه **** فيه العفافُ وفيه الجودُ والكَرَمُ
50ثم انصرف الأعرابي ، فحَمَلَتْنِي عيني ، فنمتُ ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقال : يا عُتبيُّ ، الْحَقِ الأعرابيَّ ، فبشِّرْهُ أن الله قد غفرَ له)).انتهى [المغني 5/465]، وقد أورد هذه القصّة أيضًا صاحب الشرح الكبير الإمام عبد الرحمن المقدسي الحنبلي (682هـ) 3/494 ؛ وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره .
51فهل سيقول الكاتب عن هؤلاء الأئمّة أنهم يعتقدون بكرامات وخوارق الصوفية ، إذن فهم من المنحرفين أصحاب العقائد الباطلة؟!
52مع العلم أنّ هؤلاء أوردوا هذه الحكاية معتقدين بها ، بدليل أن الإمام ابن قدامة قال خلال حديثه عن آداب زيارة القبر الشريف والأدعية التي يستحب ذكرها : ((اللهم إنك قلت وقولك الحق :{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا} وقد أتيتك مستغفرًا من ذنوبي، مستشفعًا بك إلى ربي ، فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة ، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين ، وأنجح السائلين ، وأكرم الآخرين والأولين ، برحمتك يا أرحم الراحمين))
.انتهى [المغني 5/467]
53فما قول الأخ الكاتب؟ وأنا أسوق هذه القصّة لوجه التشابه مع قصة الأمير.
54وماذا سيقول إذا قرأ قول عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ؛ قال "سمعتُ أبي يقول : حججتُ خمس حجج منها ثنتين [راكبًا] وثلاثة ماشيًا ، أو ثنتين ماشيًا وثلاثة راكبًا ، فضللتُ الطريق في حجة ، وكنتُ ماشيًا فجعلتُ أقول : يا عباد الله دلّونا على الطريق ؛ فلم أزل أقول ذلك حتى وقعتُ على الطريق!!!، أو كما قال".انتهى [مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله ص245]
55وماذا سيقول إذا قرأ كلام الإمام ابن القيّم؟ قال ابن القيّم : ((فصل: ومن الرُّقى التي ترُدُّ العين ما ذكر عن أبي عبد الله الساجي ، أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فَارِهة ، وكان في الرفقة رجلٌ عائن ، قَلَّما نظر إلى شيء إلا أتلفه ، فقيل لأبي عبد الله : احفَظْ ناقَتك من العائن ، فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل ، فأُخْبِرَ العائِنُ بقوله ، فتحيَّن غيبة أبي عبد الله ، فجاء إلى رحْله ، فنظر إلى الناقة ، فاضطربت وسقطت ، فجاء أبو عبد الله فأُخْبِرَ أن العائنَ قد عانها ، وهي كما ترى ، فقال دلُّوني عليه ، فدُل ، فوقف عليه ، وقال: بسم الله ، حَبْسٌ حَابسٌ ، وحَجَرٌ يابِسٌ ، وشِهابٌ قابسٌ ، رَدَدْتُ عينَ العائن عليه ، وعلى أحبِّ الناس إليه!!! ، {فارجعِ البصرَ هل ترى من فُطور ، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير} فخرجتْ حدقتا العائن!!! ، وقامت الناقةُ لا بأس بها))
.انتهى [زاد المعاد 4/174]
56إنّ هذه القصص (وهناك الكثير من مثلها) أغرب بكثير من القصّة التي ساقها الأخ الكاتب عن الأمير ، وعلى طريقة الاستنتاج التي يعتمدها الكاتب يمكن للبعض أن يصف هؤلاء العلماء بالانحراف والاعتماد على الخرافة والأوهام ، وتبني عقائد باطلة!!
57إنّ عدم قبول الكثير من العلماء لأمثال هذه القصص لم يحملهم على الطعن برواتها أو القائلين بها ، وإنما اكتفوا بنقدها وعدم الرضا بحجيتها ، مع الاعتذار للعلماء الذين احتجوا بها أو رووها.
58وعلينا ملاحظة أنّ القصّة السالفة المروية عن الإمام أحمد سندها صحيح وهي في غاية الغرابة ، فمن يُنادي؟ وبمن يستعين؟ ومع ذلك لا نجد أحدًا يطعن في توحيد الإمام أحمد أو في معتقده لأجل هذه القصة.
59والأغرب منها قصّة ابن القيّم رحمه الله ، فهي تشتمل على مخالفات شرعية إضافة إلى أسطوريتها وخرافيتها!! ومع ذلك فنحن نلتمس العذر للإمام وذلك من باب حسن الظن به ، ولدينه وعلمه.
60والغرض من كل ما سبق أن الباحث الذي يريد أن يتكلّم في الرجال وفي التاريخ يجب عليه أن يلتزم منهجًا ثابتًا وميزانًا واحدًا ، وإذا كان من المسلمين فإنّ دينه يحتّم عليه ذلك لأنّ الدين هو تقوى الله وهو العدل والإنصاف ، فمن غير المقبول أن يطعن في رجل بسبب قصّة ما ، ولا يطعن بآخر يعتقد القصة نفسها. لأنه إذا كان الإنسان يتعامل مع الأشياء بعدل وتجرد بعيدًا عن التعصب والأهواء فإنّ حكمه سيبقى واحدًا لا يتغير مع تغير الأشخاص المحكوم عليهم.
61فإمّا أن يكون الحكم منصرفًا إلى القصّة بحد ذاتها فيُقال عنها قصة باطلة أو غير صحيحة أو لا تجوز شرعًا ، دون التعرض للأشخاص المحتجين بها . وإما أن يُحكم على الأشخاص بسببها حكمًا واحد لا يتغيّر بتغيرهم.
والحمد لله ربّ العالمين
خلدون مكّي الحسني
للبحث صِلة إن شاء الله
من أجوبته في النقاش
ردود كتبها الشيخ على أسئلة القرّاء واعتراضاتهم في الموضوع نفسه. ويُعرض مع كل رد طرف من آخر مشاركة سبقته، للسياق؛ وقد يكون جوابه موجّهًا إلى مشاركة أقدم منها.
جوابه6 أكتوبر 2008م
1السلام عليكم ورحمة الله
2عندما أقرأ تعليقات بعض الإخوة ، ألمس من كلامهم إما أنهم لم يقرؤوا البحث كاملاً أو قرؤوه على عجل شديد فلم ينتبهوا لعباراته ففهموا منها شيئًا غير مُراد!
3أو أنهم يقرؤون ما في أذهانهم لا ما أكتب!!!
4• أقول للأخ alloord أولاً :إن العبارة التي قرأتها ليس فيها شرك بالله ، كل ما في الأمر أنّ الرجل يقف قرب قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ويسكب العبرات : فقوله: (عبدك ببابك) :يعني خادمك ومملوكك . وهذا مفهوم من سياق الكلام.
5وقوله: (يا رسول الله ...الخ) : هذه ياء الندبة وليست ياء النداء ، وفرق كبير بين الياءين ، وهذا أيضًا معروف في مثل هذه المقامات .
6فلا يصح أن نحمل الكلام على محمل بعيد أو نفهم منه معنى باطل وكل ذلك من باب إساءة الظن! فالأصل في كلام المسلم البراءة من أي معنى فاسد ، إلاّ إذا قامت البيّنة على خلاف ذلك. وفي القصة المروية عن الأمير لا يوجد ما يدفعنا لإساءة الظن . والواجب على المسلم أن لا يتسرع في إطلاق الأحكام على إخوانه وخاصة إذا كان الموضوع يتعلق بالشرك أو ما شابهه .
7ثانيًا : يبدو أن الأخ alloord لم يدرك المقصود من كلامي وذلك ربما لأنه قرأه على عجل! عندما أقول إنّ في كلام الأمير ـ عند تعليقه على أوصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي رآها في الرؤيا ـ دليلاً على صدقه. فذلك لأنّه أخبرنا بأنّ الأوصاف التي رآه عليها فيها بعض الاختلاف عن الأوصاف المذكورة في كتب السنن والشمائل ، ولوكان يريد أن يدلس على الناس لما أخبر بتلك الفروق!!!
8وهذا واضح بشدة!!!
9وأما ما ذكره alloord عن المنافقين والماسونيين واليهود ، فهذا كلام لا زمام له ولاخطام ، وأنصحه أن يتريّث قبل أن يقدم على كتابة أي تعليق وفي أي مكان لأنه وبصرف النظر عن نظرة الناس إليه وتقييمهم له ؛ فإنه سيسأل أمام الله عن هذا الكلام الذي يلقيه دونما أي تحقق أو تثبت.
10كما أنصحه أن يتثبّت في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
11فلا يجوز له ولا لغيره أن يلقي الأحاديث هكذا دون ضبط الألفاظ أو معرف الصحيح من الضعيف.
121ـ الحديث الأول له ألفاظ كثيرة وليس في شيء منها اللفظ الذي ساقه الأخ alloord ، وأقرب لفظ صحيح هو ما رواه الدارقطني عن رسول الله قال: ((خلّفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض))
.
132ـ الحديث الثاني ((أصحابي كالنجوم))
حديث موضوع مكذوب لا تجوز روايته أو إسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. واللفظ الذي ساقه الأخ alloord محطم المعنى فوق ذلك!!
143ـ وأما الحديث الثالث فهو حديث صحيح ومشهور ولكن الأخ alloord ذكره بلفظ غير صحيح ولا وجود له . وأما اللفظ الصحيح فهو ما رواه الإمام البخاري عن رسول الله قال : ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))
15وأما نصحية الأخ alloord لنا بالبحث في سير الصحابة ودراسة الكتاب والسنة! فأشكره عليها.
16ولكن ألا يلاحظ أنه ابتعد كثيرًا عن موضوعنا؟! نحن هنا نتحدث في شبهات مثارة حول شخصية عربية إسلامية قادت الجهاد في سبيل الله في القرن الماضي وأسست دولة الجزائر.
17فإذا كان الأخ alloordغير مهتم بهذا الموضوع
18فإنّ هذا الموضوع يهم كثيرًا من المسلمين بوجه عام ويهم الباحثين والكتّاب بوجه خاص. ولا أريد أن أقول أكثر من ذلك!
19• وأقول للأخ الباحث السلفي : أولاً يا أخي إنّ الحلقات التي كتبتها في رد الشبهات المثارة حول الأمير عبد القادر لم أكن منطلقًا فيها حميّة للأجداد ولا تعصّبًا للأهواء. وكل ما كتبته إنما هو عرضٌ موضوعي وموثق للحقائق والأحداث وبكل تجرّد. وأنا والحمد لله لا أخشى أحدًا إلا الله ولا أطمع برضى أحد سوى الله .
20ثانيًا ـ ما سألت عنه بخصوص موقف الأمير من تراث الإمام ابن تيمية ، فليتك قرأت الحلقة الأولى من سلسلة هذه الحلقات ، لأنّك لو فعلت فستجد أنّ هذه القصّة لا أساس لها من الصحة وهي مفتراة على الأمير ، وأنا طالبت المصرين عليها أن يأتوا بدليل واحد عليها فلم يستطيعوا . والذين افتروا هذه القصة إنما هم من أهل هذا العصر ، يعني ليسوا معاصرين للأمير . وكلامهم مجرّد أوهام منشؤها العداوة للصوفية . وهذا لا يجوز شرعًا ولا يرضي الله . فإذا كنا نرفض بدع المتصوفة وانحرافاتهم وتخليطاتهم ، فهذا لا يعني أن نفتري عليهم ونزوّر التاريخ!!!
21ومن هم العلماء الثقات الكثر الذين تتحدث عنهم ؟؟؟ لقد كان شيخنا المحدّث عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله ، إذا أراد أن يعرّفني بأحد يقول له هذا حفيد الشيخ المجاهد الأمير عبد القادر ، ولم أسمع منه أي شيء مما يدّعيه البعض ، وكذلك الأمر مع الشيخ المحدّث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله.
22وهما شيخان دمشقيّان ومن أعلم الناس بعلماء الشام وأعيانها ، وكذلك بتراث ابن تيمية. فما هو مستند أصحاب فرية إحراق كتب ابن تيمية؟؟!!
23ليتك تعيد قراءة الحلقة الأولى .
24ثالثًا ـ يا أخي من أخبرك أن الأمير تخلّى عن تصوفه أثناء جهاده؟ واسمح لي أن أتعجب من أن يكون شخص جزائري مثلك لم يقرأ عن تاريخ الأمير ، فليس في شيء من الكتب والمراجع أن الأمير تخلّى عن تصوفه.
25يا أخي هذه فكرة مغلوطة وباطلة منشؤها أن البعض في أيامنا هذه خرج ببدعة جديدة وفرية قبيحة مضمونها أن الصوفية لا يقرّون بالجهاد ولا ينخرطون فيه وأنهم في تاريخ الإسلام كلّه لم يشاركوا في الجهاد!!!!
26وعندما يرد عليهم الصوفية ويضربون لهم المثل بالأمير عبد القادر! يكون جوابهم إما أنه تخلى عن تصوفه في حينها أو أن جهاده كان صوريا وأنه كان عميلاً ومن هذا الكلام العاري عن الصحة!
27يا أخي إنه ومنذ صلاح الدين الأيوبي وإلى الأمير عبد القادر كان الصوفية هم المجاهدون وهم المقاتلون في سبيل الله والتاريخ أكبر شاهد على ذلك ، وبإقرار كبار علماء الإسلام . نعم كان هناك بعض الذين يتهربون من الجهاد وينفرون منه بحجج واهية كالقدر وإرادة الله ومن هذا الكلام ، ولكن هؤلاء قلّة قليلة لا يُبنى عليهم حكم ، وهم معروفون على مدى التاريخ. وإذا كان الصوفية لهم أخطاء وانحرافات فهذا لايعني أنّ من مبادئهم رفض الجهاد ، وإلاّ فقل لي بربك من هؤلاء الذين قاتلوا الصليبيين من أيام صلاح الدين إلا أيام الأمير عبد القادر؟
28وليتك تقرأ الحلقات التي أكتبها بهذا الخصوص فقد بينت فيها طوائف الصوفية في الجزائر وبيّنت من كان منحرفًا عن الجهاد منهم ومتواطئًا مع الفرنسيين!
29رابعًا ـ وما ذنب الأمير إذا صارت المراجع الفرنسية تسميه بصديق فرنسا؟!
30وهل كلام الفرنسيين الصليبيين هو الحاكم على المسلم؟! هذا عجيب!
31إن فرنسا وبعد موقف الأمير عبد القادر من فتنة المسيحيين في بلاد الشام ، غيّرت من وصفها له بالعدو المتعصب والمبغض للمسيحيّة ، وصارت تصفه بالصديق وذلك لكي تخفف من حدّة المعارضة الفرنسية التي كانت رافضة لمزاعم الحكومة الفرنسية تجاه الأمير ، وكانوا مندهشين لموقفه المدافع عن رعايا الدولة العثمانية المسيحيين العُزّل عندما هاجمهم الدروز وصاروا يقتلونهم ويذبحونهم .
32وسيأتي تفصيل تلك الأحداث في الحلقات المقبلة إن شاء الله.
33خامسًاـ وأما حديث العتبي! فأصلحك الله أخي الباحث السلفي!! وأين وجدتني أستشهد به أو أستدل به حتى تتعجب من خفائه عليّ؟
34لقد ذكرتُ قصة العتبي والذين استشهدوا بها من أمثال الإمام ابن قدامة وعبد الرحمن المقدسي وابن كثير ، لأُبيّن للذي يعترض على الأمير أنّ قصة الأمير لا تختلف عن قصة العتبي ، فلماذا يُعترض على الأمير فقط ولا يُعترض على هؤلاء والموضوع واحد!! وأنا أعلم أن قصة العتبي ضعيفة لجهالة العتبي ، ولكن العجيب في الموضوع هو قبول أولئك العلماء لها واستشهادهم بها . والأعجب منه هو سكوت المهاجمين لهذه القصة ـ والواصفين لها بالاستغاثة الشركية والزيارة البدعية ـ عن أسماء الذين أوردوها وهم بزعمهم أصحاب العقيدة السلفية الصحيحة! ومع ذلك فهم الذين أوردوا هذه القصة واستشهدوا بها واعتمدوا عليها!!!
35الذي أريده من الجميع أن يكونوا منصفين غير متحيزين كما يطلبون هم من الآخرين ذلك . وأما أنا فالحمد لله ملتزم بالإنصاف ، وأنظر إلى الأمير كما أنظر إلى غيره ، وبحثي هنا هو بحث تاريخي توثيقي ، وليس بحثًا في المسائل الشرعية وموقفي منها.
36ولقد حمدت الله أنّك تعرف كتابي (إلى أين) ، ومنه تعرف منهجي الذي ألتزم به، وأسأل الله تعالى أن يجعلني مفتاح للخير مغلاقًا للشر ، وأحمده أن سخّرني للذب عن سنّة نبيّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وصدري يا أخي متسع إن شاء الله لملاحظات كل الإخوة فأرجو أن يتسع صدركم لهذه الأبحاث ، ويسرني أن أتواصل معكم في الله ، ولكن الذي أرجوه منكم ألا تتسرعوا في الحكم ، وأن تتابعوا معي هذه الحلقات إلى نهايتها ، والغرض منها ليس التعريف بالأمير عبد القادر ، وإنما بيان فساد الدعاوى والتهم الموجهة إليه من بعض الأشخاص في عصرنا هذا.
37بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
المصادر والنسخ
مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.
المجلس العلمي (شبكة الألوكة) النسخة المعتمدة
نُشرت بحساب المؤلف نفسه، والنص المعروض مأخوذ منها.
منتديات الجلفة نسخة مقابَلة تطابق 99.4%
نشرها المؤلف نفسه بحسابه في منتديات الجلفة.
منتديات الشروق أونلاين نسخة مقابَلة تطابق 99.8%
نسخة أعاد نشرها أحد أعضاء المنتدى، وقد قوبل عليها النص.
ملتقى أهل الحديث نسخة مقابَلة تطابق 99.6%
نشرها المؤلف بحسابه في ملتقى أهل الحديث؛ والنص مأخوذ من نسخة الأرشيف في المكتبة الشاملة (ديسمبر 2010م).