بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثانية عشرة
1أريد أن أنبّه إلى شيء هام وهو أن الأخ الكاتب صاحب (فك الشفرة) لم يقف عند الطعن بالأمير عبد القادر وحده ، أو بحفيده الأمير سعيد ، وإنما تعدّاه إلى الطعن بذرية الأمير عبد القادر ، وإلى الطعن بكبار علماء الشام ومفتيها ومحدّثيها وأشرافها!!!
2لقد اتّهم كبار رجالات الإسلام في الشام في ذلك العصر بالانخراط في سلك الماسونية معتمدًا على كلام المدعو شاهين مكاريوس ؛ منهم : الشريف الشيخ محمود الحمزاوي مفتي دمشق الشام ، والشيخ المحدّث سليم العطار ، والعلاّمة الشيخ محمد المنيني مفتي دمشق ، و المُحدّث وابن شيخ المحدّثين في الشام الشيخ أحمد مسلم بن عبد الرحمن الكزبري ، والعلاّمة الكبير الشيخ محمد الطنطاوي (جدُّ شيخنا العلامة علي الطنطاوي رحمه الله) ، ونقيب الأشراف بدمشق السيد حسن تقي الدين الحصني، وغيرهم ...
3ونحن إذا عدنا إلى الكتب التي ترجمت لهؤلاء الرجال الكبار مثل (الأعلام) للزركلي ،و(حلية البشر) للبيطار ، و(روض البشر) للشطي ، و(منتخبات التواريخ) لأديب الحصني ، لوجدنا أنفسنا أمام شخصيات مرموقة نزيهة وصفها العلماء المعاصرون لها بالعلم والتقوى والديانة والفضيلة ، والعلماء الذين ترجموا لهم لم يكونوا يجاملون أو ينافقون لأحد ، وقد ذكروا بعض الأشياء التي ينتقدونها على بعض تلك الشخصيات ، وتعرّضوا كذلك إلى شيء من المؤاخذات ، ولكن ليس في شيء منها أي جرح في الإيمان والديانة ، ولو كانوا من الماسون لذكروا ذلك عنهم . ولكن فيما يبدو لا يعلم أحد أنهم من الماسون إلاّ مكاريوس هذا!!
4وأمّا ذريّة الأمير فليس في كتب التراجم والتاريخ ما يقدح فيهم أو ينسبهم إلى الماسونية ، ولعلّ الأخ محمد المبارك استقى كلامه من مكاريوس أو أنه اغترَّ بمقال على الإنترنت لكاتبه: (أبوعبدالله همَّام بن محمد الجزائري) ، وفيه أتى بكلام لم يذكر مصدَرَه! وفيه أن أحد رجال الماسون وهو شاهين مكاريوس يزعم أنّ أبناء الأمير محمد ومحيي الدين وعلي وعمر كانوا من الماسون!! هكذا وبكل بساطة! وأنا أتعجّب من الإخوة الذين يكتبون المقالات وينشرونها في الإنترنت كيف يستسيغون الركون إلى كل من هبَّ ودبّ، وكتب وشغّب ، أوكان ماسونيًا أو يهوديّا؟!
5أنتم تطعنون في رجال مسلمين لم تعاصروهم ولا تعرفونهم ولم تقرؤوا عنهم شيئًا ، ولم يسبقكم إلى الطعن فيهم أحدٌ من علماء المسلمين أو مؤرِّخيهم؟! واكتفيتم بكلام شخص ماسوني!!
6أمّا الماسوني شاهين مكاريوس هذا فقد ترجم له الزركلي فقال : ((شاهين بن مكاريوس (1853-1910م): من مؤسسي جريدة (المقطّم) بمصر، وأحد أصحاب (المقتطف) ومنشئ جريدة (اللطائف) ولد في قرية "إبل السقي" من (مرج عيون - بلبنان) ونشأ في بيروت يتيمًا فقيرًا، قُتِلَ أبوه في حادثة سنة 1860م، وحملته أمه إلى بيروت حيث كانت تعوله من عملها في خدمة الدكتور فانديك، فتعلم فن الطباعة، وتولى إدارة مجلة المقتطف ببيروت سنة (1876م) ورحل إلى مصر مع زميليه يعقوب صرّوف وفارس نمر.
7وخدم الماسونية بكتبه: (الجوهر المصون في مشاهير الماسون - ط) و(الحقائق الأصلية في تاريخ الماسونية العملية - ط) و(الدر المكنون في غرائب الماسون - ط) و(الآداب الماسونية - ط).)).انتهى
8إذن الرجل ماسوني، فَقَدَ والده بعدما قتله الدروز في لبنان في أحداث 1860م ، واضطرّت أمّه للعمل خادمةً لتتمكن من إعالته، فنشأ يتيمًا فقيرًا ناقمًا، وانخرط في الماسونيّة ، واستفرغ وسعه في الكتابة عنها والترويج لها.
9ولمّا كان الفضل ـ في إنقاذ المسيحيين من مذبحة 1860م ـ لعلماء المسلمين وكبرائهم أمثال الأمير عبد القادر والشيخ الحمزاوي والعطار والمنيني.. وغيرهم ، ثقُلَ على أمثال ابن مكاريوس (الذي فقد أباه في تلك المذبحة) أن يشهدوا بالفضل لأصحابه لأنّهم من المسلمين! وغيرُ المسلمين لا يُطيقون أن يُنسَبَ الفضل والخير للمسلمين ، فما كان منهم إلاّ أن ألصقوا صفة الماسونية بكل من ساهم في إنقاذ وحماية المواطنين المسيحيين في بلاد الشام! ونحنُ لا نجد في كل ما كتبه الكتّاب المسيحيون عن مذبحة 1860م الغربيون منهم أو الشرقيون ؛ أيّ إشارة إلى فضل الشريعة الإسلامية التي طبّقها كبار رجال الإسلام في صيانة أعراض النصارى وحقن دمائهم ، وإنما أثنوا على أولئك الرجال وألحقوهم بالماسونية زورًا وبهتانًا!!
10على كل حال فإنني سآتي على تفاصيل هذا الموضوع في الحلقات القادمة إن شاء الله ، ولكن لي هنا تعقيب سريع حول أبناء الأمير : فالأمير محمد باشا كان من الأعيان الفضلاء ، تلقى العلوم الشرعيّة واهتمّ بالتاريخ وكان مقرّبًا عند السلطان عبد الحميد خان وكان برتبة فريق في الجيش العثماني إلى وفاته بالأستانة سنة 1331هـ. وله عدّة رسائل ومؤلّفات منها : "عقد الأجياد في الصافنات الجياد"، ومختصره "نخبة عقد الأجياد" كلاهما في الخيل ومحاسنها وما قيل فيها، و(مجموع ثلاث رسائل) إحداها 1ـ (ذكرى ذوي الفضل في مطابقة أركان الإسلام للعقل) ، والثانية (كشف النقاب عن أسرار الاحتجاب) ، والثالثة (الفاروق والترياق في تعدد الزوجات والطلاق).
11وكل ما ذُكر مطبوع.
12وترجمته موجودة في عدة كتب منها [الأعلام ، والأعلام الشرقية ،وإيضاح المكنون]
13وأما الأمير محيي الدين باشا ، فمن أهل العلم والأدب ، حفظ القرآن عن ظهر قلب وهو ابن تسع سنين ، وحفظ المتون وتفقّه على أيدي كبار العلماء في الجزائر والشام ، وكان مقرّبًا عند سلاطين آل عثمان ، وكان من رجال الدولة العثمانية ، ورقّاه السلطان عبد الحميد خان إلى رتبة (مير ميران) أي أمير الأمراء ، وفي سنة 1303هـ رقّاه إلى رتبة (روملي بيكلر بيكي) ، وعيّن له معاشًا شهريًا كبيرًا، حيث إنه رفض بعد وفاة أبيه معاش دولة فرنسا التي طلبت منه أن يكون من رعيّتها هو وإخوته. وفي سنة 1305هـ منحه السلطان عبد الحميد رتبة الفريقية مع الياورية العظمى (يعني جعله قائدًا لفرقة عسكرية ومساعدًا للسلطان) ، وفي سنة 1307هـ عيّنه السلطان عبد الحميد عضوًا في مجلس التفتيش العسكري . وكان مقرّبًا من العلماء ، وكان قد التحق بالمجاهدين في الجزائر وشارك في ثورة 1871م ؛ ومات في الأستانة سنة 1336هـ ، وقصّته مشهورة وقد فصّل القول فيها صديقه وخليله العلاّمة الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه (حلية البشر) ، وأثنى عليه كثيرًا العلاّمة السلفي الدمشقي الشيخ محمد بهجة البيطار رحمه الله. وانظر ترجمته في (حلية البشر) ، و(الأعلام) ، و(تاريخ علماء دمشق).
14وأمّا علي باشا ، فكان من رجال الدولة العثمانية المشاهير وهو الرئيس الثاني لمجلس الأمة العثماني، والنائب عن ولاية دمشق، وهو من أهل الدين والصلاح ومن الشجعان ، وهو عثماني النزعة ، وكان مبعوثًا من الحكومة العثمانية إلى ليبيا لدعم المجاهدين ، وكانت له جهود كبيرة ومشهودة في مقاتلة الجيوش الإيطالية هو وولده الأمير عبد القادر الحفيد! وكان من أشهر المدافعين عن الجامعة الإسلامية. ومما قاله فيه بعض أفاضل الكتّاب الذين وضعوا كتابًا خاصًّا لتاريخه : ((ولمّا كان الأمير علي باشا محبوبًا من أهالي طرابلس الغرب بصورة خاصة وكان له في قلوب أهالي مراكش وتونس والجزائر أكبر احترام ،أحبّت الدولة العثمانية أن تستخدم عاطفة هذا الحب في مصلحتها فأناطت بالأمير مشروع الاتحاد الإسلامي الإفريقي))
.انتهى[تاريخ الأمير علي ص27].
15وقالوا: ((وكانت حياته جهادًا في سبيل عظمة الخلافة الإسلامية والجامعة المحمّدية التي لا حياة للعالم الإسلامي المنتشر في أقطاع المسكونة بدونها ولا نشور لمجده إلا بالتمسك بها فإنها الجامعة الوثقى التي تنادي بالمسلم العربي إلى أشد وثاق المحبّة مع أخيه الهندي والصيني والجاوي والكردي وغير ذلك من بقية شعوب الإسلام..))
.انتهى[تاريخ الأمير علي ص44]
16وتوفي في الأستانة في الثاني من رجب سنة 1336هـ.[انظر ترجمته في (الأعلام) للزركلي ، وفي (تاريخ الأمير علي)]
17وأمّا ابنه الأمير عبد القادر (الحفيد) ((فقد عاش بين القبائل الرُّحَّل الضاربة في البطحاء الجرداء يُماشي هذه القبائل الجموحة النافرة بأخلاقها وأذواقها ومشاعرها ..ويُحادث كل قبيلة بلسانها ولهجتها ويقدم على تحمّل حرّ الهاجرة والقيظ طروبًا مسرورًا فرحًا كأنما هو لا يشعر بلذة مثل هذه اللذة التي تنشأ فيه من عيش البداوة والقفر.... ترك القصر وضجيجه والبيت وعجيجه ونزل في هذه البطحاء))
.انتهى[تاريخ الأمير علي ص173ـ175].
18وقد ذكرت في الحلقة العاشرة بعضًا من مواقفه الإسلامية ، إلى أن اغتاله رجال الكولونيل البريطاني لورنس في دمشق!
19وأمّا الأمير الهاشمي بن عبد القادر فغادر دمشق بعد وفاة أبيه ووصل إلى الجزائر وكان مصدر قلق للسلطات الفرنسية المحتلة ووضعوه في إقامة جبرية ، وكان لولده الأمير خالد الدور الأكبر في تأسيس حركة التحرر الوطنية الجزائرية وإظهارها إلى الوجود. [انظر الثورة الجزائرية في عامها الأول للدكتور محمد العربي الزبيري ص70]
20وأمّا الأمير عبد المالك فقد التحق بالمجاهدين في المغرب وقُتِل هناك سنة 1343هـ = 1924م .
21قال عنه الزركلي في الأعلام : ((عبد المالك بن عبد القادر بن محيي الدين الجزائري: مجاهد كان مع أبيه في المشرق. ورحل إلى المنطقة الخليفية بالمغرب، لمناوشة الدولتين الفرنسية والاسبانية.
22وظل يقاوم ويحرض الناس على الجهاد إلى أن قتل في قبيلة "بني تنزين" من الريف برصاصة من بعض الأعداء ونقل إلى تطوان ودفن فيها)).انتهى [ترجمته في الأعلام ، والذيل التابع لإتحاف المطالع ـ خ]
23وأمّا الأمير الشاب عمر فقد شنقه جمال باشا السفّاح لأنّه كان يُعارض سياسة التتريك ومحو اللسان العربي ، وينتقد جمعية الاتحاد والترقي وجماعة حزب تركيا الفتاة! وقد أثنى عليه العلاّمة السلفي محمد بهجة البيطار في جملة الذين شنقوا في ذلك اليوم.
24كل هؤلاء ترجم لهم الأمير شكيب أرسلان ، وهو سياسي مخضرم ويعرف رجالات الماسون ويذكرهم ، ومع ذلك لم يصف أحدًا من أبناء الأمير بالماسونية!! والأمير شكيب على صلة قوية بأبناء الأمير. [انظر حاضر العالم الإسلامي 2/172] ؛ وكذلك ترجم لهم (عدا الهاشمي وعمر) المؤرّخ السياسي الكبير الزركلي في الأعلام ، ولم يذكر أنّهم انتسبوا إلى الماسونية! مع أنه في موسوعته يذكر المنتسبين إلى الماسونية.
25وترجم لهم مؤرخون آخرون أيضًا ولم يذكروا عنهم مسألة الماسونية ، ونحن إذا نظرنا في سِيَرهم فلا نجد أي شيء ينسجم مع الفكر الماسوني!
26وأمّا أحفاد الأمير فلم يُذكر أنّ أحدًا منهم انتسب إلى الماسونية سوى الأمير سعيد وليس الأمر كما يُظن وقد بيّنا شيئًا من سيرته فيما سبق وسيأتي المزيد عند حديثنا عن الماسونية . وقد سجّل لنا التاريخ رجالاً منهم كانوا من المجاهدين والشهداء أمثال الأمير عز الدين والأمير عبد القادر الحفيد ، وكان منهم علماء أمثال الأمير جعفر عضو المجمع العلمي بدمشق وقد أثنى عليه كثيرًا العلاّمة محمد كرد علي المشهور بطعنه في الماسونية ورجالها . وكذلك الأمير عبد المجيد أمين المكتبة الظاهرية. والحديث عن أحفاد الأمير وذريته يطول وليس هذا محلّه ، المهم أنّ الطعن فيهم واتهامهم بالماسونيّة دون دليل واضح أو برهان لا يجوز.
27ثم يعود صاحب (فك الشفرة) ، فيقول : "وقد كان الأمير عبد القادر ـ خلال وجوده في الشام ـ دائما ما يفزع الى القنصلية الفرنسية عند تعذُّر بعض مهامه ، بل و كذلك في شئونه (كذا) الخاصة كما مرَّ بنا ، فقد كانت هناك علاقة وطيدة بينه وبين الدولة الفرنسية الاستعمارية".انتهى
28وأقول : بعد هذا الاتهام الشنيع ، ألا يجد الأخ الكاتب نفسه بحاجة لإيراد دليل واحد على الأقل ليثبت صحة ما يدّعيه؟ فمن أين له أنّ الأمير كان يفزع إلى القنصلية الفرنسية لتحل له مهامه وشؤونه الخاصة أيضًا!
29ثم يضرب لنا مثالاً على دعواه فيقول :"فقد تمت وساطة فرنسية لدى الباب العالي للسماح للأمير عبد القادر بالإقامة في الشام".انتهى
30مرَّ معنا سابقًا قول صاحب (فك الشفرة) أن الأمير خرج من سجنه في فرنسا ليمر مرورًا باسطنبول في طريقه إلى دمشق . وبينتُ في حينها بطلان كلامه (فالأمير لم يكن في طريقه إلى دمشق ولم يكن هذا في باله ، وإنما اتجه من اسطنبول إلى بروسة وبقي فيها ثلاث سنوات) . وهو الآن يناقض نفسه فيقول إن هناك وساطة جرت لينتقل الأمير من تركيا إلى دمشق .
31وقد بيّنتُ لكم سابقًا القصّة كاملة كما ذكرها المؤرخون الثقات وهي أنّ السلطان العثماني هو الذي تدخّل لدى إمبراطور فرنسا ليسمح بانتقال الأمير من "بروسة" في تركيا إلى دمشق وليس العكس . لأنّ السلطان هو الذي تكفّل بالأمير وكان الاتفاق بينه وبين نابليون الثالث على أن يقيم الأمير في "بروسة" ، فلمّا أراد السلطان أن ينتقل الأمير إلى دمشق ، أعلم نابليون بذلك وجرى الانتقال بعد موافقته.
32ثم يضرب الكاتب مثالاً آخر فيقول : "فأثناء إقامته في منفاه في سوريا كان الأمير عبد القادر كثيراً ما يتدخل لانقاذ المسيحيين ((العملاء لفرنسا والجواسيس لها ضد المسلمين))
".انتهى
33وهنا أيضًا الاتهام دون أية بيّنة أو برهان! من أين يأتي بهذه الاتهامات؟ ولماذا لا يذكر لنا تلك الحوادث ومَنْ ذكرها؟ ومن هم الجواسيس والعملاء المسيحيين الذين أنقذهم الأمير؟
34وهكذا نرى بوضوح سقوط هذه التهمة .
35قال تعالى : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}[الأحزاب:58]
36ثم يعود الأخ الكاتب إلى التهمة القديمة التي بدأ بها مقاله ، وهي تهمة العمالة السافرة لفرنسا والعمل على تمزيق الدولة الإسلامية . وقد بينتُ سقوط هذه التهمة سابقًا فلا أطيل بشرحها ، ولكنني أكتفي بتذكير الإخوة القراء بأنّ الأمير هو الذي حافظ على كيان دولة الخلافة الإسلامية العثمانية وخرّب المخططات الأوربية لتفكيك تلك الدولة ، فهو الذي صدّ الأسطول الفرنسي الذي نزل بميناء بيروت سنة 1860م لاحتلال بلاد الشام وفصلها عن تركيا . فردّه الأمير بحنكته وصدق فعاله ، فعاد الأسطول الفرنسي خائبًا ذليلاً ، لكن ليعود مرّة أخرى لينفذ مخططه الماكر والخبيث ، وذلك سنة 1920م ، وبذلك يكون الأمير قد أخّر تمزيق الدولة العثمانية ستين سنة!! ؛ 23سنة في حياته و37 سنة بعد وفاته!! (وسيأتي معنا في الحلقة القادمة تفصيل ذلك كله وبيانه إن شاء الله).
37ويستدل صاحب (فك الشفرة) على فرية العمالة لفرنسا بقول التميمي :((إننا لانعرف ولا وثيقة واحدة صادرة عن الأمير تشجع الحركات الانتفاضية في بلاده (الجزائر) ، أو على الأقل مساندته المعنوية لعدد من الزعماء الجزائريين الذين أبلو البلاء الحسن حتى آخر رمق من حياتهم. بل إن الأمير ذهب لاحترام وعده إلى حد التنكر لابنه محي الدين الذي تحول سراً إلى الجزائر لانقاذ البلاد من فرنسا سنة 1870))
.انتهى
38وأقول : إنّ الاعتماد على قول التميمي لا يرفع عن الكاتب المسؤولية .
39إن التميمي مؤاخذٌ فيما يقول ـ وهو متحامل على الأمير ـ فإنّ عدم معرفته بأي وثيقة صادرة عن الأمير تشجع الثوّار ، لا يعني عدم وجود هذه الوثائق ، وإنما يعني جهله بها ، وإن عدم اطلاعه على حقيقة موقف الأمير من الحركات الانتفاضية في الجزائر لا يسمح له بالتدخل في باطن الرجل! وكان الأولى به أن يقف عند حدود معرفته لا أن يتخرّص ويُعرّض بالأمير!!
40ثم عن أية وثائق يتحدث؟ والإدارة الاستعمارية الفرنسية لم تترك لنا أي وثيقة صحيحة يُرجع إليها!
41وإنما هم يُفرِجون عن بعض الوثائق التي لا تخدم تاريخنا ، أو يروّجون لوثائق مزيفة ومزوّرة .
42ولمن يريد الاضطلاع على شيء من هذا فأحيله على كتاب (المقاومة الجزائرية تحت لواء الأمير عبد القادر) للأستاذ إسماعيل العربي من الصفحة 150 إلى الصفحة 155 ؛حيث تحدث عن كيفية تزوير الفرنسيين للوثائق الجزائرية في الأرشيفات الفرنسية وذلك عندما كان في باريس يجري بعض أبحاثه سنة 1950م ؛ يعني قبل استقلال الجزائر!!
43وللعلم فإن اسم الأمير ورد في عدّة وثائق تتعلق بثورة بلاد القبائل سنة 1857م ، وثورة أولاد سيدي الشيخ سنة 1864 و1881م ، وثورة 1871م ؛ وكانت السلطات الفرنسية في الجزائر تتوجس من الأمير خيفة وكانت تصرّح بأنه على صلة بأهل الجزائر من الثوار وغيرهم . [انظر (حياة الأمير عبد القادر) ترجمة سعد الله ص25] ، ولذلك كانت الحكومة الفرنسية مصرَّة على منع عودة الأمير إلى الجزائر إلى أن مات . ومع ذلك فإنّ الكتّاب الفرنسيين صاروا يروّجون أن الأمير لم يكن راضيًا عن بعض الثورات وخصوصًا ثورة 1871م ، لكي يوقفوا تأسّي الشعب الجزائري بسيرة ونضال الأمير عبد القادر الذي بقي اسمه ونضاله ومواقفه موردًا ينهل منه المقاومون الجزائريون وقوة معنوية تحفّز إرادتهم وهمّتهم ؛ كما يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله.[المرجع السابق ص25]
44وعلى كل حال فإن الوثائق التي لم يطلع عليها التميمي اطلع عليها المؤرّخ الدكتور يحيى بوعزيز؛ ونشرها في كتابه (كفاح الجزائر من خلال الوثائق) ، ونجد فيها ما يردُّ على التميمي والمعتمدين على كلامه.
45فمن ذلك أن الدكتور بوعزيز ذكر في كتابه السابق ص347 تحت عنوان : (وثائق جديدة عن موقف الأمير عبد القادر والدولة العثمانية من الثوار المقرانيين عام 1871م) وهو يرد على المزاعم الفرنسية التي تقول أن الأمير كان مستنكرًا لثورة المقرانيين . فقال ص349 : ((إننا لم نلاحظ، فيما عثرنا عليه من رسائل الأمير ، على ما يدل على غضبه عن المقرانيين ، بل على العكس ، فإنه أبدى عطفه عليهم بعد محنتهم الكبرى عام 1871م وما بعده ، عندما هاجروا بجموع غفيرة إلى تونس . وهذا يعني عدم وجاهة آراء الفرنسيين تجاه موقف الأمير نحو زعماء ثورة 1871 ، خاصة المقرانيين منهم . والدليل على أنّ الأمير لم يكن ضدهم ، ولا يحقد عليهم ، هو قيامه بمراسلة السلطات التونسية ليستوصيها بهم خيرًا بعد أن هاجروا إلى هناك . ومما ذكره في رسالته إلى الوزير التونسي رستم ، قوله : (((فإنّ ولدنا الشريف الأثيل السيد الحاج محمد بوزيد المقراني ورَدَ علينا بالديار الدمشقية المحروسة ... ثم المأمول من السيادة أن تستوصوا خيرًا بولدنا المذكور ووالده وإخوته ، وأن تلاحظوهم بالمساعدة فيما يعرض لهم من الأمور وأن لا تقطعوا على المهاجرين كافّة ما تعوّدوه من إحسانكم وتواصل أفضالكم))
) .
46وفي رسالة أخرى إلى الوزير خير الدين قال له : ((( .. وإنه بلغنا وصول الفئة المقرانية وأولاد يلّس إلى الحاضرة ملتجئين إلى سطوتك التي هي أقوى ما يشد به الملتجئ أزره، ويعضد أمره ، وهم في هذا لا شك مصيبون في اجتهادهم ظافرون بنجاح مرادهم وكيف لا وقد أمّوا دولةً لم تزل ولا تزال مأوى القاصد وملجأ الوارد .... ومع ذلك فلا نخلّي كتابنا هذا من تقديم الرجاء إلى مقامها الأسما والتوصية النافعة إلى جنابك الأسنى بأن تشملهم بلحظة تخلصهم من غوائل الدهر وتنقذهم من شرك الكدر والقهر))
) ولم يكتف بهذا الاقتراح والتوصية فطلب منه ، فيما إذا كانت الظروف غير مناسبة بتونس ، قائلاً : ((( وإلاّ فأشيروا عليهم بالتوجه إلى هذه الأقطار عسى الله أن ييسر عليهم فيها بلوغ الأوطار))
) ، واستوصاه خيرًا بعد ذلك بمن دعاه : (((عوض ولدنا السيد مصطفى العقبي))
).
47وفي رسالته إلى الوزير خزندار عبّر عن نفس الرغبة في الاعتناء بالفئة المقرانية ، وأولاد يلّس ، ورعاية عوض ولده مصطفى العقبي ، أو توجيههم جميعًا إلى الديار الدمشقية .
48ويتابع الدكتور بوعزيز قائلاً : إن هذه الرسائل دليلٌ واضح على أنّ الأمير عبد القادر يعطف على المقرانيين ، وأن معارضته لابنه خلال ثورة هؤلاء لم تكن بسبب كرهه لهم أو مواقف بعضهم ضده خلال ثورته في صدر الاحتلال . وما أحوج تاريخ الجزائر إلى إبراز كل وثائقه الوطنية ونشرها من أجل تصحيح مثل هذه المواقف والآراء المتحيزة ، والمغرضة ، التي ما انفكّ الكتّاب الفرنسيون يبدونها ويسجلونها حتى مسخوا تاريخ الجزائر مسخًا لا نظير له في تاريخ الشعوب الأخرى ، وخاصة فترة الكفاح الوطني خلال القرن التاسع عشر)).انتهى [(كفاح الجزائر) ص349 ـ351]
49وبهذا يظهر بوضوح سقوط التهمة التي يروج لها صاحب (فك الشفرة) بالاعتماد على كلام التميمي!
50والوثائق التي كان يطالب بها قد ظهرت والحمد لله ، فهل سيرجع عن اتهامه للأمير؟
51وأحب أن أضيف إلى تلك الوثائق وثائق أخرى هي في حوزتي ، وفيها بيان بالمرتبات الشهرية التي كان يخصصها الأمير لآل المقراني في دمشق وذلك بعد هجرتهم إليها بعد محنتهم وفشل ثورتهم في الجزائر ، فهل يُعقل أن يكون الأمير غير مؤيد لثورتهم ثم هو بعد ذلك يوصي بهم خيرا ، ليس هذا فحسب وإنما يلجؤون إليه ويلوذون به؟ ونحن على علاقات طيبة معهم إلى يومنا هذا.
52وأمّا ما زعمه التميمي ونقله عنه كاتب (فك الشفرة) وغيره ، مِنْ تنكّر الأمير لذهاب ابنه محيي الدين للمشاركة في الثورة على فرنسة في الجزائر. فهو أيضًا غير صحيح. وما ذكرناه آنفًا من عطف الأمير على المقرانية ومساندته لهم وتوصية الوزراء في تونس بهم ، وهم الذين انضم إليهم ولده محيي الدين ، لأكبر دليل على أنّ الأمير ليس معارضًا للثورة ولا لمشاركة ابنه فيها من حيث المبدأ.
53وتفاصيل القصّة رواها لنا العلاّمة عبد الرزاق البيطار في كتابه (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) والبيطار صديقٌ حميم لمحيي الدين وفي الوقت نفسه هو من خواصّ الأمير عبد القادر ، إذن هو أدرى الناس بتفاصيل هذه القصّة . وهو لم يذكر أن الأمير استنكر ذهاب ابنه أو غضب عليه! ولم يلمح إلى ذلك أبدًا.
54المهم في الموضوع أنّ العلاّمة البيطار بعد سرده لقصة توجه السيد محيي الدين إلى الجزائر ومشاركته في ثورة 1288هـ (1871م) ، وتمكن الجيوش الفرنسية في النهاية من السيطرة على الوضع قال : ((والتمست دولةُ فرانسا من حضرة والدِه إرسالَ أمرٍ ونصيحةٍ له))
.انتهى
55إذن فرنسا طلبت من الأمير أن ينصح ولده ويأمره بالعودة! وذلك تطبيقًا للمعاهدة التي بين الأمير ونابليون الثالث والتي تنصّ على عدم عودة الأمير أو أحد أبنائه إلى الجزائر للمشاركة في أي قتال.
56ومن الوثائق التي أوردها الدكتور يحيى بوعزيز ، رسالة أرسلها الأمير عبد القادر إلى ابن عمّه الطيب بن مختار قاضي مدينة معسكر . وقد أثبت نصّها في كتابه كفاح الجزائر ص279، وإليكم النص :
57(((الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
58ابن عمّنا العلاّمة سيدي الطيب ابن المختار قاضي معسكر حفظكم الله ورعاكم ومن كل مكروه حماكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد : فقد وصلنا مكتوبكم المؤرّخ بأواخر ذي الحجة وحمدنا الله على عافيتكم وكمال الخصب في مواطنكم . ثم اعلمْ أنه بلغني أن محيي الدين ظهر في نواحي الصحراء الشرقية مع أنني لم آذن له إلاّ في الإسكندرية ونواحيها بقصد تغيير الهواء لما كان لازمه من أنواع الأمراض فاحذروا متابعته وحذروا الأحباب منه فإنه محضُ عبث ؛ والعاقل من اتعظ بغيره ، وتثبت في جميع أموره، فقد ألقى بنفسه فيما يؤول به ما لا خير فيه. إنا لله وإنا إليه راجعون
59يُغمى على المرء في أيّام محنته *** حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسنِ
60والسلام . أخوكم عبد القادر في 20 محرم الحرام 1288))).انتهى
61وأريد أن أنّبه إلى أمر هام وهو أنّ الكيفية التي اعتمدها الأستاذ بوعزيز لقَبول الوثائق هي ـ وياللأسف ـ كيفية لا تعتمد على أصول بحثية علمية في التوثيق (كمطابقة الخط وكشف التزوير ، ومعارضة الوقائع الصحيحة لها أو اتفاقها معها). لذلك علينا أن نكون حذرين من قبول أي معلومة فيها إذا لم تعضدها قرينة صحيحة.
62ومع ذلك فإننا إذا نظرنا في هذه الرسالة نجدها منسجمة مع ما قاله البيطار من أن فرنسا طلبت من الأمير أن يرسل لولده طلب نصيحة وأمر بالعودة ، وكذلك نجد أن أسلوب الكلام فيها مشابه لأسلوب الأمير . ومضمونها : أنّ الأمير لم يأذن لولده بالذهاب إلى الجزائر ، وهو بذلك ينبّه إخوانه وأحبابه في الجزائر أنّ محيي الدين ليس أهلاً لاستلام قيادة حرب ، وأنّه مريض ، ولا خبرة له في القتال . (وهذا من حق الأمير أن يقوله ؛ تمامًا كما فعل والده من قبل سيدي محيي الدين بن مصطفى عندما أشار على الناس في الجزائر بمبايعة ابنه عبد القادر لما رأى فيه من القوة والحنكة والشجاعة). وليس في كلام الأمير أي اعتراض على محاربة فرنسة أو الثورة عليها! وإنما اعتراضه على جعل محيي الدين قائدًا لتلك الثورة . ولذلك يمكننا مبدئيًا تصديق هذه الرسالة ريثما يجري التحقق من ثبوتها .
63في حين أنّ باقي الرسائل التي أثبتها الأستاذ بوعزيز لا يمكن القَبول بها أبدًا والتزوير فيها مُفتضح ، وظاهر كل الظهور. وفيها الوثيقة التي اعتمد عليها عبد الجليل التميمي في اتهامه للأمير بتأييد فرنسة والتخلي عن ابنه. وقد قال الدكتور أبو القاسم سعد الله عن هذه الوثيقة : ((والوثيقة المنسوبة إليه (يعني الأمير) قد تكون مزورة لخدمة أغراض داخلية))
.انتهى [حياة الأمير ، ترجمة سعد الله ص25] .
64ومن الأسباب التي تدعونا لرفض هذه الرسائل ، وتُثبت تزويرها :
651ـ هذه الرسائل موجهة إلى القناصل الفرنسيين بدمشق وطرابلس الغرب يُعْلِمُهم الأميرُ فيها أن ابنه محيي الدين قد توجّه إلى الجزائر .
66وهذا خلاف المصادر التاريخية التي أثبتت أن القنصل الفرنسي هو الذي أبلغ الأمير بتوجه ابنه إلى الجزائر ، وأنّ الحكومة الفرنسية هي التي طلبت من الأمير أن يأمر ولده بالعودة.
672ـ إن مضمون تلك الرسائل فيه سبٌ ودعاء على ولده محيي الدين بل وفيها يتمنى موته ، ويتبرأ منه إلى درجة أن لا ينسبه إليه!!
683ـ الكلام في تلك الرسائل يوحي أن جميع القبائل الجزائرية كانت راضية بالحكم الفرنسي وأن محيي الدين هو الذي جاء ليؤلّبها على فرنسة! وطبعًا هذا غير صحيح. وإنما هو دليل على أنّ الكاتب لهذه الرسائل إنما هي الحكومة الفرنسية!
694ـ إن أسلوب الكلام في جميع تلك الرسائل عامّي ومفكك وفيه تعابير أوربية (فرنسية مترجمة) ، وإذا قارناه بأي رسالة ثابتة للأمير نجده لا يشبه أسلوب الأمير مطلقًا. بل ولا يرقى إليه ، وإنما صِيغ بقلم فرنسي مقيم في الجزائر.
705ـ في الرسالة الأخيرة نجد فيها أن الحكومة الفرنسية هي التي تتوسط لدى الأمير ليصفح عن ولده!!! وفيها معلومات غير صحيحة ومخالفة للواقع . (وتأمّلوا في هذه المهزلة صارت الحكومة الفرنسية هي التي ترجو من الأمير أن يسامح ابنه الذي ذهب للمشاركة في الثورة عليها ومجاهدتها، يعني فرنسا راضية عن فعل محيي الدين والأمير هو الغاضب!أرأيتم إلى هذا السقوط في التزوير!!)
71وإليكم بعض النماذج :
721ًـ في الرسالة المزعومة والموجهة إلى قنصل فرنسة بدمشق جاء فيها : ((...فإذا استحسنتم جنابكم تتخابرون (كذا) مع الوزير فإذا أحسن عنك (كذا) مساعدته (كذا) أكتب (كذا) مكاتيب خصوصية لكل قبيلة من القبائل الذين (كذا) مع المفسد (كذا) بعد أن يعرفوني (كذا) أين هو وأسماء القبائل هم (كذا) عندهم (كذا) ليتحقق الناس أنني بريء منه ومن عمله))
. انتهى[كفاح الجزائر ص279]
73أرأيتم إلى هذا النص المقطع الأشلاء والركيك. أيُعقل أن يكتب شخص عربي كلامًا كهذا؟
74فما بالكم بالأمير العالم والأديب والشاعر؟
752ً ـ جاء في النداء المزعوم من الأمير إلى سكان الجزائر : ((إن ولدنا التعيس (كذا) محي (كذا) الدين قد تجاسر من مدة (كذا) وذهب ضد (كذا) إرادتنا إلى نواحي المغرب وبمقتضى (كذا) ما بلغنا أنه اتحد مع بعض الأشقياء وشرعوا في زرع الفساد وعمل الحركات في جهات (كذا) حكومية (كذا) قسنطينة التي من شأنها سلب راحة الأهالي ......وعليكم أن تردعوا جهالكم من موافقته وعدم المداخلة (كذا) في عمل أو هيجان (كذا) وأن تحرضوهم على الخضوع لأوامر الحكومة الفرنساوية التي تحسب (كذا) سيادتها قد وطدت الراحة التامة في بلادكم وكثرت ثروتكم ورفعتكم إلى أعلى درجة من المجد والترقي محترمة شرائعكم الدينية وعظمة نبيكم وكتابكم . والذين يتجاسرون على المساعدة في سلب الراحة وإلقاء البلاء بل (كذا) يستحقون غضب الله لأنه يكره الشر ويحب الخير..))
انتهى [كفاح الجزائر ص280]
76وكأننا نقرأ كلمة لقسيس في كنيسة فرنسية في الجزائر ، سواء من جهة التراكيب الدينية أو التراكيب اللغوية ، أو من جهة إظهار فرنسة بأنها راعية للدين الإسلامي . ونحن نعلم كيف كانت الأوضاع في الجزائر في ذلك الوقت من هدم للمساجد أو تحويلها إلى مستودعات واصطبلات وكنائس ، ومحاربة الدين ونشر التنصير!! وهذه الرسالة لم تمهر بختم الأمير في النهاية!!! ولم يوضع لها تاريخ محدد كالعادة في سائر الرسائل!! وقد لاحظ الدكتور بوعزيز هذه الأشياء وأشار إلى بعضها في النص.
773ً ـ جاء في الرسالة المزعومة من الأمير إلى وكيل قنصل فرنسا بدمشق : ((فنقول إننا مصممين (كذا) ألا نراه مدة حياتنا قط (كذا) وذلك ليس فقط في بيت واحد بل كنا معتمدين (كذا) على أننا لا نوجد معه (كذا) في مدينة واحدة ولذلك أطردنا (كذا) من دارنا حريمه وأولاده!! ...... والحالة المزعجة الموجود هو بها الآن (كذا) عرفوه (كذا) جرم الجنون الذي ارتكبه ونتأمل أن يكون ذلك كفالة له في المستقبل (كذا) ، ولا حراعة (كذا) لنا لإطالة الشرح إذا (كذا) أننا مخجولين (كذا) من تصرف محي (كذا) الدين الخبيث ...))
.انتهى [كفاح الجزائر ص281]
78وهنا أيضًا نرى بوضوح التحطيم الإعرابي وسقامة النص العربي والأخطاء الإملائية . إضافة إلى المعلومات الخاطئة ففي الرسالة قرأنا أن الأمير يقول أنه طرد حريمَ وأولاد ابنه محيي الدين!!
79وهذه سقطة كبيرة من مزوِّري هذه الرسائل ، بها انفضح أمرهم وانكشف باطلهم وتزويرهم وكذبهم؛ فمن المعلوم والثابت أن السيد محيي الدين لم يكن له أي زوجة أو أولاد عندما سافر إلى الجزائر ليلتحق بثورة 1871م ، وإنما تزوج بعد عودته!! وتأخّر إنجابه للأولاد.
80ولكن غاب هذا عن المزورين ، ففضحهم الله!! وهذا أكبر دليل وبرهان على بطلان تلك الرسائل وسقوطها ، ولا يمكن أن تعدّ من الوثائق ولا يُبنى عليها حكم!
81ثم إذا لم يستح مزوّر هذه الرسالة من قوله إن الأمير طرد زوجة ابنه وأولاده من داره؟! فكيف يقبل مؤرّخ جزائري مثل هذا الكلام؟! والأمير كان يصفح ويسامح الذين خانوه في الجزائر ويضمهم إلى جواره وينفق عليهم!
82ويزعمون أنّ كل هذا الغضب من الأمير على ابنه لأنه ذهب وشارك في ثورة 1871م ، ومرَّ معنا آنفًا كيف كان الأمير يوصي الوزراء في تونس بآل المقراني خيرًا وهم الذي أشعلوا ثورة 1871م!!
83وكذلك استضاف الأمير آل المقراني ؛ الذين هربوا من الجزائر بعد ثورتهم ؛ في دمشق وأكرمهم وكان ينفق عليهم! فما هذا التناقض؟ كيف يغضب الأمير على ابنه لمشاركته في الثورة ، ثمّ هو يكرم زعماء الثورة ويوصي بهم خيرًا ويكتب الرسائل والتوصيات ويرسلها ، دون أن يخشى من فرنسة وجواسيسها؟ أفلا تعقلون؟!!!!
84أظن أنّ ما ذكرته فيه الكفاية لبيان سقوط تلك التهم . وأسأل الله تعالى أن يرزقنا السداد ويلهمنا الصواب.
85ولا حول ولا قوة إلا بالله
خلدون مكي الحسني
للبحث صِلة إن شاء الله
من أجوبته في النقاش
ردود كتبها الشيخ على أسئلة القرّاء واعتراضاتهم في الموضوع نفسه. ويُعرض مع كل رد طرف من آخر مشاركة سبقته، للسياق؛ وقد يكون جوابه موجّهًا إلى مشاركة أقدم منها.
فحص خط رسالة منسوبة إلى الأمير وختمها17 نوفمبر 2008م
1الأخ أحمد البكري السلام عليكم ورحمة الله
2فيما يخص دعوى انضمام الأمير إلى الماسونية سيأتيك الجواب عنها مفصّلاً في الحلقات الثلاث القادمة إن شاء الله ، وعلى كل حال هي دعوى غير صحيحة.
3وأمّا الرسالة التي عرضتها (وهي فيما يبدو موجّه إلى الكولونيل تشرشل) فلم أطلع عليها سابقًا ، وهي مؤرّخة بتاريخ 1273هـ أي في سنة وصول الأمير إلى دمشق قادمًا من تركيا عبر ميناء بيروت. وهذا غريب! والختم الذي بأسفلها يشبه ختم الأمير ولكنه يبدو تام الاستدارة ، في حين أن ختم الأمير شبه بيضوي (دائري مفلطح قليلاً).
4وأمّا خطّ كاتبها فليس خط الأمير عبد القادر قطعًا. وأنت إذا نظرت في الوثائق الصحيحة النسبة إلى الأمير فستجد الفارق الكبير بين المميزات المكوّنة لخط الأمير ومميزات خط تلك الرسالة.
5فمثلاً لفظ الجلالة في قوله (الحمد لله وحده) لا يشبه في رسمه خط الأمير ، فالأمير يكتب لفظ الجلالة بأسلوب خاص وذلك بإطالة اللام الأولى فيه وتحويل اللام الثانية إلى سن قصير .
6وكذلك حرف الدال في كلمة (الحمد) وكلمة (وحده) لا يشبه رسم الدال في خط الأمير فالأمير يكتبه إلى الأسفل ولا يجعل له امتدادًا إلى الأعلى إلا بمقدار سن صغير .
7وكذلك حرف الميم في آخر الكلمة بعيد جدًا عن أسلوب الأمير ، وكذلك حرف اللام ألف (لا) لا يشبه رسم الأمير البتّة!! كما في الكلمات: الأوفى ، الأوفر، إلاّ، الأحوال، الأعمال، الأولى ، السلام ...
8هذا فضلاً عن أسلوب الخطاب وبعض الألفاظ : فمثلاً يقول له (الكردنيل) بدل (الكولونيل) وهذا غريب جدًا.وكذلك يقول (الشريف خاطركم) وهذا تركيب غريب أيضًا!
9وما أخبرتكم به عن المزايا المكوّنة لخط الأمير ليس من اجتهادي فحسب ، وإنما هي مقتبسة من تقارير الخبرة الفنيّة التي أجراها خبير الخطوط والوثائق العالمي الأستاذ هشام غراوي.
10وستجد مرفقًا بكلامي مقاطع صغيرة من أحد تلك التقارير ، بخط الخبير ، وفيها رسوم توضيحيّة.
11وإن شاء الله تعالى سأخصص بحثًا مختصرًا أعرض فيه نماذج من رسائل الأمير .وأتحدث فيه عن مسألة التزوير التي مارستها فرنسة في كتابة رسائل وصكوك باسم الأمير وغيره.
12/// الصورة الأولى:
13http://majles.alukah.net/imgcache/broken.gif (http://www.al-qatarya.org/up)
14/// الصورة الثانية:
15http://majles.alukah.net/imgcache/broken.gif (http://www.al-qatarya.org/up)
جوابه17 يناير 2009م
1الأخ غزّال بن سعيد السلام عليكم ورحمة الله
2بخصوص سؤالكم فأنا الآن لا أستطيع أن أتوسع في الإجابة لضيق الوقت.
3ولكن لا بأس من بعض الكلمات .
4أولاً : الأمير لم يُعتقل ، وهذا متفق عليه في جميع المراجع الموثوقة .
5الأمير أوقف الحرب بناء على قرار مجلس الشورى الخاص بدولته ، ووافقت الحكومة الفرنسية على جميع شروطه ، وكان من بينها تأمين سفينة للأمير ومن معه تأخذهم إلى ميناء عكّا أو الإسكندرية ليتوجهوا بعدها إلى مكّة المكرمة! ولكن فرنسة بعد ذلك خانت عهدها وغدرت بالأمير ومن معه واحتجزتهم في فرنسة خمس سنوات ثم أطلق سراحهم. فليتك تصحح هذه المعلومة.
6ثانيًا : إن مؤرخي الجزائر اصطلحوا على تسمية التيار الموالي لفرنسة الذي ظهر إبان الاحتلال الفرنسي بـ (الحزب الفرنسي) وكان من قياداته في المدن "مصطفى ابن الحاج عمر" وفي الريف "مصطفى بن إسماعيل"زعيم بني عامر!
7وكذلك قسموا الجهات المتخالفة (المتخاصمة) في التركيبة السكانية للجزائر إلى أقسام :
81ـ ففي صفوف الحضريين هناك خلافات بين العرب والكراغلة ؛
92ـ وفي صفوف القبائل هناك خلافات بين المخزنية والرعيّة ؛
103ـ وفي صفوف المرابطين الخلافات بين القادرية والتيجانية ؛
114ـ وفي صفوف الأرياف الخلافات بين قيادات "الأجواد" وقيادات "المرابطين" .
12الأجواد تمثل القيادة الدنيوية . في حين أن المرابطين يمثلون القيادة الروحيّة.
13فالأجواد من بني عامر بقيادة الخائن مصطفى بن إسماعيل هم الذين اعتمدت عليهم فرنسة في القضاء على المقاومة وألّفت منهم ومن غيرهم قوات وسرايا تضعهم في المقدمة للتصدي لهجمات المجاهدين ، أو للهجوم عليهم وطعنهم من الخلف.
14وبعد انتهاء حرب فرنسة مع الأمير وخروج الأمير من الجزائر (بسبب كثرة هؤلاء الخونة والعملاء ـ يقابلهم في أيامنا محمود عباس وفتح في فلسطين) قامت فرنسة بتوظيف رجال الأجواد في دوائر الحكم في الجزائر واستغلتهم واستخدمتهم لتنفيذ مآربها ثم ضربتهم ببعضهم ثم استأصلتهم واحد إثر آخر!
15ومن الأجواد وأضرابهم (من 1849 إلى 1868م) يذكر المؤرخون بعض العائلات منها :
16في غرب الجزائر : أولاد سيدي العربي ، أولاد بومدين ، أولاد القاضي ، أولاد سيدي الشيخ ، وأولاد الصافي بن أحمد ...الخ
17وفي وسط الجزائر : عائلة محيي الدين في بني سليمان ، وأولاد مختار ، وعائلة التجاني صاحب الطريقة ، وعائلة ابن شريفة ..الخ
18وفي شرق الجزائر : عائلة بوعكاز بن عاشور ، وبوعزيز بن قانة ، ومحمد بن عز الدين ،الحاج مسعود بن زكري...الخ
19وللتوسع في الموضوع يمكنك أخي الكريم أن ترجع إلى كتاب (الحركة الوطنية الجزائرية) للدكتور أبي القاسم سعد الله الفصل الرابع من الجزء الأول .
20في هذه المناسبة يحضرني هذا التشبيه
21الجزائر = فلسطين
22فرنسة = إسرائيل
23الأمير عبد القادر والمجاهدين = حماس
24مصطفى بن إسماعيل وأتباعه = محمود عباس وزمرته
المصادر والنسخ
مواضع نشر هذا النص ونسخه، مع النسخة المؤرشفة لكلٍّ منها. ونسبة التطابق تُحسب آليًّا بمقابلة كلمات النسخة على النص المعتمد.
المجلس العلمي (شبكة الألوكة) النسخة المعتمدة
نُشرت بحساب المؤلف نفسه، والنص المعروض مأخوذ منها.
منتديات الجلفة نسخة مقابَلة تطابق 99.8%
نشرها المؤلف نفسه بحسابه في منتديات الجلفة.
منتديات الشروق أونلاين نسخة مقابَلة تطابق 100.0%
نسخة أعاد نشرها أحد أعضاء المنتدى، وقد قوبل عليها النص.
ملتقى أهل الحديث نسخة مقابَلة تطابق 99.8%
نشرها المؤلف بحسابه في ملتقى أهل الحديث؛ والنص مأخوذ من نسخة الأرشيف في المكتبة الشاملة (ديسمبر 2010م).